بعد الضربة الأمريكية-الإسرائيلية التي أسفرت عن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وقيادات كبيرة في أعلى هرم السلط في طهران، ساد اعتقاد بقرب انهيار النظام أو أنه انهار بالفعل، بيد أن ما يزيد عن خمسة أسابيع على اندلاع الحرب تبين أن الاعتقاد لم يكن سوى اعتقاد خاطئ أو تفكير رغبوي في أحسن حالته.
ويبدو النظام متماسكاً وقادراً على الرد على الولايات المتحدة وإسرائيل، ووسع دائرة صواريخه ومسيراته لتشمل الكثير من دول المنطقة، وحرّك أذرعه لمساندته، وأربك أسواق الطاقة، ما أدى لموجة غلاء جديدة في العالم.
كتب وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على موقع إكس بعد يوم من بدء الحرب: "لا يؤثر القصف على عاصمتنا إطلاقاً، على قدرتنا على خوض الحرب. فالدفاع الموزاييكي اللامركزي يُمكّننا من تحديد متى وكيف ستنتهي الحرب".
الأسطورة المؤسسة للعقيدة العسكرية الإيرانية هي "الدفاع المقدس"، التي تعود جذورها إلى الحرب الإيرانية العراقية. كما ساهمت حروب أمريكا في المنطقة، في العراق وأفغانستان، في تشكيل فكر القيادة العسكرية الإيرانية، وفق ما كتبت صحيفة "هاندلسبلات" الألمانية.
وفي عام 2005، أعلن الحرس الثوري مفهوم "الدفاع الموزاييكي"، وفقاً لتحليل أجراه مركز صوفان للأبحاث. ويهدف هذا المفهوم في جوهره إلى الحفاظ على القدرة القتالية حتى في حال مقتل قادة رئيسيين وتدمير المقرات الرئيسية في طهران. ولهذا الغرض، تم إنشاء 31 وحدة قيادة منفصلة في المحافظات، تتمتع بصلاحية اتخاذ قرارات مستقلة، ما يسمح لهذا القيادة الإقليمية بمواصلة القتال بشكل مستقل لأشهر، حسب الصحيفة الألمانية.
أدت الحرب إلى مصرع قادة براغماتيين يمكن التفاهم معهم إلى حد ما كعلي لاريجاني، على سبيل المثال لا الحصر، وعززت حضور العسكريين على حساب المدنيين.
يقول أستاذ العلوم السياسية طارق صديق، من جامعة ماربورغ الألمانية، إن القوى العسكرية تكتسب نفوذاً في الحروب؛ "الحرب تُغير موازين القوى لصالح الحرس الثوري ". ويتابع طارق صديق: "بتحذيراتهم المتكررة بشأن الولايات المتحدة وإسرائيل، وتأكيدهم الدائم على قرب وقوع هجوم مباشر، فقد ثبتت صحة موقفهم من وجهة نظرهم، وبالتالي أصبح بإمكانهم فرض سيطرتهم بسهولة أكبر".
كما يرى الخبير في الشأن الإيراني طارق صديق إشارات متناقضة في أهداف الحرب التي صاغتها إسرائيل والولايات المتحدة و"هذا وحده يُشير إلى سوء تقدير، لأن الحروب في العموم تتطلب استراتيجية لتحويل النجاحات العسكرية إلى انتصارات سياسية"، كما نقلت عنه صحيفة "هاندلسبلات" الألمانية.
ويعتقد ميشائيل لودرز، الباحث والخبير الألماني في شؤون الشرق الأوسط أن النظام قادر على الصمود لفترة طويلة جداً: "النظام مُستعد جيداً، ويمكنه مواصلة الحرب لسنوات. ومن باب التمني الاعتقاد بإمكانية زعزعة استقرار النظام بالقنابل وإشعال فتيل انتفاضة". ومن وجهة نظره أثارت الهجمات على أهداف مدنية غضباً واستياءً واسعين. وعلى المدى البعيد، قد تدفع هذه الهجمات الناس إلى إظهار تضامنهم مع النظام. ويرى لودرز أن الحرب ستُمدّد عمر حكم النظام لجيل آخر على الأقل، كما نقل عنه الموقع الإلكتروني لـ"راديو ألمانيا" Deutschlandfunk.
ويعتبر الباحث الإسلامي كاتاجون أميربور الدعوات الخارجية للشعب الإيراني للإطاحة بالنظام، "في ظل تساقط القنابل على رؤوسهم، ساذجة ومتغطرسة"، ويضيف أن "النظام لا يزال يمتلك مليون رجل مسلح قادر على قمع المقاومة لفترة طويلة".
يؤكد المؤرخ يورغن ليلتيشر على أهمية وجود استراتيجية وخطط للانخراط طويل الأمد لتغيير أي نظام. وهو لا يرى أي دليل على ذلك في الحرب الحالية ضد إيران. ويؤكد: "لا تنوي الولايات المتحدة ولا إسرائيل احتلال إيران بشكل دائم وإقامة نظام جديد"، وفق الموقع الإلكتروني لـ"راديو ألمانيا" Deutschlandfunk.
ويكاد يجزم الأكاديميون والخبراء أن تغيير الأنظمة، وخاصة المستبدة، من الخارج يزيد بشكل كبير من خطر اندلاع الحروب الأهلية. وتعود أسباب ذلك، من جهة، إلى الجوانب العسكرية. ومن جهة أخرى، إلى الفراغ في السلطة الناتج عن سقوط النظام، وغياب أو عدم كفاية بنية الدولة.
وتحذر الباحثة السياسية الألمانية من حزب الخضر بينتي شيلر من هذا السيناريو: "إذا لم يلمس الناس وجود مؤسسات موثوقة تُبنى لخدمة المواطنين، فإن بناء الدولة سيفشل. وقد يؤدي استياء العديد من المواطنين، الذين قد يكونون مسلحين، إلى جانب خيبة أملهم في نظام جديد أكثر عدلًا، إلى اندلاع حرب أهلية".
ويحذر الخبراء من مآلات التدخلات في العراق وأفغانستان وليبيا. ولا يستبعد بعضهم سيناريو الحرب الأهلية، ولكن بعضهم الآخر لا يستبعد أيضاً أن "تفقد الولايات المتحدة وإسرائيل اهتمامهما في نهاية المطاف، معلنتين تحقيق هدفهما المتمثل في إضعاف النظام، ثم تنسحبان. وعندها قد يستعيد رجال الدين قوتهم".
تحرير: عبده جميل المخلافي
المصدر:
DW