تعود قضية مقاتلات "إف 35" الأميركية إلى واجهة الجدل السياسي والعسكري بين واشنطن وأنقرة، في ظل مؤشرات تقارب سياسي معلن خلال الأشهر الأخيرة، يقابله تعقيد استراتيجي لم تُحسم مآلاته بعد.
وبين الشروط الأميركية المعلنة، والحسابات التركية المتشابكة مع موسكو، تتداخل الاعتبارات العسكرية مع الأبعاد السياسية والإقليمية.
وفي هذا السياق، يقدّم الكاتب والباحث السياسي طه عودة أغلو قراءة تحليلية لطبيعة هذا الملف، انطلاقًا من تطور العلاقات الأميركية التركية، مرورًا بدور إسرائيل، وصولًا إلى موقع منظومة "إس 400" الروسية في قلب هذا النزاع المستمر.
تقارب سياسي يعيد ملف "إف-35" إلى الواجهة
يشير طه عودة أغلو إلى أن الجدل بشأن مقاتلات "إف 35" انطلق مجددًا في ظل العلاقة الإيجابية بين أنقرة وواشنطن خلال الأشهر الماضية، لافتًا إلى المديح المتكرر الذي أبداه الرئيس الأميركي دونالد ترامب للرئيس التركي رجب طيب أردوغان في أكثر من مناسبة.
ووفق عودة أغلو، فإن هذا المناخ شجّع أنقرة على التحرك من أجل العودة إلى برنامج المقاتلات أو الحصول عليها، بعد أن كانت قد استُبعدت منه عام 2016 عقب حصولها على منظومة الدفاع الجوي الروسية " إس 400".
ويؤكد في خضم حديثه أن قرار الاستبعاد لم يكن تقنيًا فحسب، بل ارتبط بخلفيات أعمق، مشيرًا إلى أن خلف القرار الأميركي يقف أيضًا قرار إسرائيلي، وهو ما أضفى على الملف أبعادًا سياسية تتجاوز الإطار العسكري البحت.
الدور الإسرائيلي في تعطيل الصفقة
يتوقف عودة أغلو عند تقارير وتصريحات حديثة تحدثت عن تحرك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو داخل الأروقة الأميركية، بهدف منع حصول تركيا على مقاتلات "إف 35".
ويعتبر أن هذا التحرك يندرج في سياق رفض إسرائيلي واضح لأي تغيير في ميزان التفوق العسكري الجوي في المنطقة.
ويشير إلى أن إسرائيل ترى في امتلاك تركيا لهذه المقاتلات تهديدًا لتفوقها الجوي القائم، خاصة في ظل تنامي القدرات الدفاعية التركية، ما يجعل من هذا الملف نقطة تقاطع مباشرة بين المصالح الأميركية والترتيبات الأمنية الإسرائيلية.
العقيدة العسكرية التركية وحاجة التحديث
يوضح طه عودة أغلو أن أنقرة وضعت خطوطًا عريضة في تعاملها مع هذا الملف، في مقدمتها رغبتها الواضحة في الحصول على مقاتلات "إف 35"، إلى جانب حديثها المتكرر عن تحديث مقاتلات "إف 16".
ويربط ذلك بالعقيدة العسكرية التركية، مشيرًا إلى أن نحو 90 بالمئة من تسليح الجيش التركي هو من مصادر أميركية.
ويذكّر بأن طائرات "إف 16" تشكل العمود الفقري للقوات الجوية التركية منذ سبعينات القرن الماضي، ورغم عمليات التحديث المستمرة، فإن أنقرة ترى أن الحاجة ما زالت قائمة لتعزيز قدراتها الجوية بما يتماشى مع تطورات البيئة العسكرية.
"إس 400".. عقدة لم تُفك بعد
يتناول عودة أغلو موقع منظومة "إس400" الروسية في قلب الخلاف، موضحًا أن هذه المنظومة لم تُستخدم بالكامل حتى الآن من قبل أنقرة، رغم الحديث في فترة سابقة عن نقلها إلى مدينة أخرى.
ويؤكد أن تركيا، حتى اللحظة، لم تعلن رفضها استخدام المنظومة، ولم تؤكد أيضًا استعدادها لتسليمها إلى روسيا.
ويفسّر ذلك برغبة أنقرة في عدم قطع ما وصفه بـ"شعرة معاوية" مع موسكو، في ظل طبيعة العلاقة القائمة بين الطرفين، وما تحمله من أبعاد سياسية واستراتيجية.
مشكلة سياسية لا تقنية
من وجهة نظره، يشدد طه عودة أغلو على أن قضية "إس 400" ليست مشكلة تقنية، بل هي مشكلة استراتيجية وسياسية بامتياز، سواء من قبل الولايات المتحدة أو من قبل إسرائيل.
ويرى أن الهدف هو إبقاء تركيا تحت الضغط الدائم، واستخدام هذا الملف كورقة سياسية متكررة، كما حدث في عام 2018.
ويؤكد أغلو خلال حديثه أن إسرائيل، في هذا السياق، ترفض أي تفوق تركي محتمل، خاصة إذا ما جرى دمج مقاتلات "إف 35" مع الصناعات الدفاعية التركية المتصاعدة، من مسيّرات وأنظمة صواريخ، وهو ما قد ينعكس على ميزان القوى في أكثر من ساحة، من أذربيجان إلى ليبيا.
لوبيات واشنطن وتباين المواقف الأميركية
يلفت عودة أغلو إلى أن اللوبي الإسرائيلي ما زال يتمتع بنفوذ قوي داخل الولايات المتحدة، ويعمل على منع تركيا من الحصول على هذه المقاتلات.
وفي المقابل، يشير إلى وجود نظرة مختلفة داخل البنتاغون، ترى إمكانية حصول تركيا، بصفتها عضوًا في حلف شمال الأطلسي، على "إف 35"، ولكن من دون أي إضافات أو مكاسب إضافية.
ويختم بالإشارة إلى أن تصريحات الرئيس ترامب تبقى، وفق توصيفه، في إطار التصريحات، بينما يبقى التنفيذ والآليات خاضعين لدفع الكونغرس.
وفي هذا الإطار، يؤكد أن أنقرة تواصل الضغط بشكل كبير للحصول على هذه المقاتلات، مستندة إلى التقارب المتنامي في علاقاتها مع واشنطن.
المصدر:
سكاي نيوز