في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تضع استهدافات السفن في مضيقي هرمز وباب المندب اقتصاد صناعة النقل البحري تحت ضغط متزايد، إذ تكشف الأزمات المتلاحقة في اثنين من أهم الممرات البحرية في العالم عن سلسلة واسعة من التكاليف تبدأ من بناء السفن وتمويلها، وتمر بالوقود والعمالة والتأمين، وصولا إلى كلفة نقل برميل النفط أو طن الحديد أو حاوية البضائع.
وتظهر المفارقة الأساسية في هذه الصناعة خلال الأزمات، فالخطر الذي يجعل تشغيل السفينة أكثر كلفة قد يجعل امتلاكها أكثر ربحية في الوقت نفسه، لأن ارتفاع التأمين والوقود وطول الرحلات يدفع بعض السفن إلى الانسحاب من السوق، ويقلل القدرة الاستيعابية المتاحة ويرفع أجور السفن المتبقية.
وتتضح هذه المعادلة بصورة استثنائية في مضيق هرمز، حيث هبطت حركة السفن في 10 أغسطس/آب 2026 إلى 6 سفن فقط، مقارنة بنحو 130 إلى 140 سفينة يوميا قبل الحرب، وفق بيانات نقلتها رويترز، بينما واصلت المخاطر في البحر الأحمر وباب المندب الضغط على خطوط الملاحة والتأمين.
وفيما يلي 6 أسئلة وأجوبة تشرح اقتصاد امتلاك السفينة: كم يكلف بناؤها؟ وكم تستغرق صناعتها؟ وكيف تحسب أجرة الشحن؟ وما نفقات تشغيلها؟ وكم تحتاج لاسترداد ثمنها؟ ومن يملك ويبني الأساطيل الكبرى؟
لا توجد كلفة موحدة للسفن، إذ يتغير السعر بحسب الحجم والغرض ونظام المحركات ونوع الوقود ومواصفات الانبعاثات وحوض البناء، لكنّ مقارنة 3 أنواع رئيسية تكشف حجم الاستثمار المطلوب.
فناقلة النفط العملاقة، المعروفة اختصارا باسم "في إل سي سي" (VLCC)، والقادرة عادة على حمل نحو مليوني برميل، يتراوح وزنها الساكن حول 300 ألف طن. ويبلغ سعر بناء ناقلة جديدة من هذه الفئة نحو 129 إلى 132 مليون دولار خلال 2026، وفقا لبيانات مستندة إلى كلاركس وفيسون نوتيكال.
أما سفينة الحاويات التي تبلغ طاقتها نحو 9200 حاوية نمطية، فتدور كلفة النسخ الحديثة مزدوجة الوقود في نطاق تقريبي بين 135 و150 مليون دولار. وتعطي صفقة هاباغ لويد مؤشرا على حجم الاستثمار، إذ طلبت الشركة 24 سفينة من أحواض صينية، بينها 12 سفينة بسعة 9200 حاوية و12 بسعة 16 ألفا و800 حاوية، باستثمار إجمالي يقارب 4 مليارات دولار.
وفي سفن البضائع الجافة الكبيرة من فئة "كاب سايز" التي تبلغ حمولتها نحو 180 ألف طن، يدور السعر الاسترشادي لسفينة جديدة حول 75 مليون دولار.
لكنّ كلفة البناء وحدها لا تحدد قيمة السفينة في السوق، إذ تمثل سرعة دخولها إلى الخدمة عاملا رئيسيا في التسعير. ففي مايو/أيار 2026، بلغ سعر ناقلة نفط عملاقة عمرها 5 سنوات نحو 138 مليون دولار، بزيادة تقارب 9 ملايين دولار على سعر طلب ناقلة جديدة، بينما تجاوزت قيمة بعض السفن الحديثة المتاحة للتسليم الفوري 170 مليون دولار. ويعود ذلك إلى قدرة المشتري على تشغيل السفينة المتاحة فورا وتحقيق الإيرادات منها، مقابل الانتظار سنوات لتسلم سفينة جديدة من أحواض البناء.
عملية بناء السفينة نفسها قد تستغرق نحو عام ونصف إلى عامين بمجرد بدء التنفيذ الفعلي، لكنّ المدة بين توقيع العقد والتسليم أصبحت أطول بكثير بسبب ازدحام أحواض بناء السفن.
ولهذا يمكن أن تصل فترة الانتظار في السفن التجارية الكبيرة إلى ما بين عامين ونصف و5 أعوام بحسب النوع والحوض. وطلب هاباغ لويد الذي أبرم في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، على سبيل المثال، لن يبدأ تسليمه إلا خلال الفترة من 2027 إلى 2029.
وهذا الانتظار له قيمة مالية، فإذا كانت ناقلة تستطيع تحقيق عشرات آلاف الدولارات يوميا، فإن تأخر الدخول إلى السوق عامين أو 3 أعوام يمثل إيرادات محتملة بملايين الدولارات، وهو ما يفسر استعداد بعض المشترين لدفع علاوة كبيرة للحصول على سفينة مستعملة أو سفينة جديدة جاهزة بدلا من انتظار حوض البناء.
وتتركز صناعة السفن عالميا بصورة كبيرة في شرق آسيا. ووفقا للأونكتاد، فإن 91% من الحمولة الإجمالية للسفن التي اكتمل بناؤها خلال 2025 خرجت من الصين وكوريا الجنوبية واليابان.
تنقسم التكاليف بين تكلفة تشغيل السفينة وتكلفة الرحلة.
وتكاليف التشغيل الثابتة تشمل أجور الطاقم، والصيانة والإصلاح، والزيوت وقطع الغيار، والتأمين الأساسي، والإدارة الفنية، إلى جانب المخصصات اللازمة للفحص الدوري والحوض الجاف.
وتشير تصنيفات تقرير "دروري" السنوي لتكاليف تشغيل السفن إلى أن هذه البنود هي المكونات الأساسية لحساب مصروفات التشغيل، مع اختلافها وفقا لعمر السفينة ونوعها ومواصفاتها.
وتشير البيانات الواردة في تقرير "المراجعة السنوية لتكاليف تشغيل السفن وتوقعاتها 2025/2026" الصادر عن مؤسسة دروري للأبحاث والاستشارات البحرية، أن متوسط النفقات التشغيلية اليومية يُقدر بنحو 9500 دولار لناقلة النفط العملاقة، و7800 دولار لسفينة حاويات بسعة 9200 حاوية، ونحو 7200 دولار لسفينة كاب سايز، لتصل الكلفة السنوية إلى قرابة 3.5 ملايين و2.8 مليون و2.6 مليون دولار على التوالي، وذلك دون احتساب تكاليف الوقود ورسوم الموانئ وعبور القنوات، التي تختلف بحسب مسار الرحلة وطولها.
فالناقلة العملاقة أو سفينة الحاويات الكبيرة قد تحرق نحو 50 إلى 60 طنا من الوقود في يوم الإبحار، بينما تدور سفينة كاب سايز الحديثة حول 40 طنا تقريبا بحسب الحمولة والسرعة. وبالتالي فإن سفينة تستهلك 55 طنا يوميا عند سعر وقود يبلغ 650 دولارا للطن تنفق حوالي 35 ألفا و750 دولارا على الوقود في يوم الإبحار وحده.
وهنا يصبح مسار الرحلة حاسما، إذ يؤكد الأونكتاد أن تحويل السفن من البحر الأحمر إلى رأس الرجاء الصالح أطال أوقات الرحلات وخفض القدرة الاستيعابية الفعلية للأساطيل ورفع تكاليف النقل.
فعلى خط سنغافورة/روتردام، تبلغ المسافة نحو 8288 ميلا بحريا عبر قناة السويس مقابل 11 ألفا و755 ميلا عبر رأس الرجاء الصالح، أي زيادة تقارب 3467 ميلا بحريا.
وبسرعة إبحار تبلغ 16 عقدة (نحو 30 كيلومترا في الساعة)، يضيف الالتفاف حول أفريقيا قرابة 9 أيام إلى الرحلة. ومع استهلاك سفينة الحاويات نحو 55 طنا من الوقود يوميا، تحتاج الرحلة إلى نحو 500 طن إضافي، بكلفة تقارب 323 ألف دولار عند سعر 650 دولارا للطن، فضلا عن كلفة أيام الإبحار الإضافية والنفقات التشغيلية المصاحبة.
تختلف طريقة احتساب أجور الشحن باختلاف نوع السفينة وطبيعة عقد النقل. ففي ناقلات النفط وسفن البضائع الجافة، يستخدم قطاع الشحن على نطاق واسع مقياس العائد المكافئ للإيجار الزمني "تي سي إي" (TCE)، الذي يحسب متوسط العائد اليومي للسفينة من خلال خصم تكاليف الرحلة، مثل الوقود ورسوم الموانئ والقنوات، من إيراداتها، ثم قسمة المبلغ المتبقي على عدد أيام الرحلة.
ويتيح هذا المقياس مقارنة العائد الاقتصادي بين رحلات تسعّر بطرق مختلفة، مثل ناقلات النفط التي تستخدم نظام "وورلد سكيل" (Worldscale)، والسفن المؤجرة مقابل أجر يومي محدد.
أما سفن الحاويات، فينبغي عدم الخلط بين السعر الذي يدفعه صاحب البضاعة لشحن حاوية وبين إيراد السفينة نفسها. فشركة الخط الملاحي تحصل على إيرادات آلاف الحاويات، لكنها تتحمل أيضا تكاليف المحطات والمعدات والشبكة البرية والإدارية. أما مالك السفينة الذي يؤجرها لشركة ملاحة فيحصل عادة على إيجار يومي محدد.
ولتبسيط الحساب، إذا كانت ناقلة نفط قيمتها 129 مليون دولار تحقق متوسط عائد صافيا يبلغ 65 ألف دولار يوميا لمدة 350 يوما في العام، فإن إيرادها السنوي يبلغ 22.75 مليون دولار.
وفي حال بلوغ مصروفاتها التشغيلية الثابتة نحو 3.47 ملايين دولار كمتوسط، يبقى نحو 19.3 مليون دولار تدفقا تشغيليا نقديا قبل خدمة الدين والضرائب.
وبقسمة سعر الشراء البالغ 129 مليون دولار على هذا التدفق، تصبح فترة استرداد الاستثمار نحو 6.7 سنوات.
لكنْ عند تراجع العائد إلى 25 ألف دولار يوميا، تمتد فترة الاسترداد إلى قرابة 24 عاما، أي ما يقترب من العمر التجاري للسفينة.
وينطبق الأمر ذاته على سفينة الحاويات. فسفينة قيمتها 142 مليون دولار تحقق إيجارا قدره 45 ألف دولار يوميا وتعمل 350 يوما تنتج نحو 15.75 مليون دولار من الإيرادات، وبعد مصروفات تشغيل بنحو 2.85 مليون دولار يبقى قرابة 12.9 مليون دولار، ما يعني فترة استرداد بسيطة تبلغ نحو 11 عاما.
أما سفينة البضائع الجافة من فئة كاب سايز، التي تبلغ قيمتها نحو 75 مليون دولار، فتحتاج إلى قرابة 12 عاما لاسترداد كلفتها عند عائد يبلغ 25 ألف دولار يوميا، بينما يمكن أن تنخفض المدة إلى نحو 5 سنوات ونصف إذا ارتفع العائد اليومي إلى قرابة 46 ألف دولار.
يمثل الوقود في الظروف العادية أحد أكبر بنود كلفة الرحلة البحرية، لكنّ تصاعد المخاطر الجيوسياسية قد يدفع تكلفة التأمين ضد مخاطر الحرب إلى مستويات تفوقه في بعض الرحلات. ويأتي هذا التأمين كغطاء إضافي إلى جانب التأمين الأساسي على هيكل السفينة وتأمين الحماية والمسؤولية، ويُفرض عند الإبحار في المناطق المصنفة عالية الخطورة.
وفي مارس/آذار 2026، قفزت أقساط مخاطر الحرب في منطقة الشرق الأوسط من نحو 0.25% من قيمة السفينة قبل اندلاع القتال إلى مستويات بلغت 3% في بعض الحالات، فيما تراوحت تقديرات أخرى آنذاك بين 1% و1.5% بحسب موقع السفينة ومخاطرها. وفي يوليو/تموز، تحدثت مصادر في سوق التأمين عن اقتراب بعض الأسعار من 3% مع احتمالات وصول التغطية إلى 5% على الأقل للسفن الأعلى خطرا.
وتعني هذه النسب كلفة كبيرة لناقلة تبلغ قيمتها 129 مليون دولار، إذ يصل قسط التأمين إلى نحو 1.29 مليون دولار عند نسبة 1%، ويرتفع إلى 3.87 ملايين دولار عند 3%، ونحو 6.45 ملايين دولار عند 5%. وتطبق هذه الأقساط على فترة الخطر التي يجري تسعيرها، وقد تكون قصيرة وتخضع للمراجعة مع تغير الظروف الأمنية، ما يجعل كلفة التأمين وحدها قادرة على استهلاك عائد عشرات الأيام من تشغيل الناقلة.
وفي البحر الأحمر، ارتفعت أقساط التأمين على مخاطر الحرب في المناطق الجنوبية خلال يوليو/تموز الماضي من نحو 0.3% من قيمة السفينة إلى أكثر من 1%، ووصلت إلى 3% لبعض السفن والمسارات المرتبطة بالموانئ السعودية الجنوبية، قبل أن تتراوح بين 1% و2% على أجزاء من المسار مع اتساع نطاق المخاطر.
ومع ارتفاع هذه الأقساط، قد يصبح الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، رغم ما يضيفه من أيام إبحار واستهلاك للوقود، أقل كلفة من عبور منطقة عالية المخاطر وتحمل فاتورة التأمين المرتفعة.
وهنا يختلف باب المندب عن مضيق هرمز، إذ تملك السفن التي تتجنب البحر الأحمر مسارا بحريا بديلا عبر الدوران حول أفريقيا، في حين لا تملك الناقلات المحملة بالنفط من الموانئ الواقعة غرب مضيق هرمز مسارا بحريا بديلا لتجاوزه، مما يجعل استمرار الرحلة مرهونا بإمكانية عبور المضيق من الأساس.
وتختلف خريطة ملكية السفن بحسب معيار القياس، إذ قد تختلف الدولة التي ينتمي إليها المالك المستفيد عن الدولة التي ترفع السفينة علمها، وكذلك عن مقر الشركة التي تتولى تشغيلها تجاريا. ووفقا لبيانات الأونكتاد المحدثة في يونيو/حزيران 2026، تصدرت اليونان والصين واليابان دول العالم من حيث حجم الأساطيل المملوكة للمستفيدين، عند قياسها بالحمولة الساكنة.
وعلى مستوى الشركات، تعد "بحري" السعودية و"فرونت لاين" من أكبر الأسماء في سوق ناقلات النفط العملاقة. وتظهر بيانات بحري الحالية أن أسطول المجموعة يتجاوز 100 سفينة، بينها نحو 50 ناقلة نفط عملاقة، بينما أعلنت فرونت لاين في يناير/كانون الثاني أن أسطولها، بعد تنفيذ صفقات التجديد، سيضم 81 سفينة بينها 42 ناقلة نفط عملاقة. كما تعد "كوسكو للشحن والطاقة" و"تشاينا ميرشانتس إنرجي شيبينغ" من أبرز المجموعات الصينية العاملة في القطاع.
وتزداد المنافسة على هذه الأصول، ففي أغسطس/آب 2026 أعلنت "أدنوك للإمداد والخدمات" شراء 11 سفينة مقابل 1.3 مليار دولار، بينها 6 ناقلات نفط عملاقة و5 ناقلات غاز كبيرة.
أما صناعة السفن نفسها، فتتركز في الصين وكوريا الجنوبية واليابان، عبر مجموعات ضخمة مثل "سي إس إس سي" الصينية وأحواض يانغتسيجيانغ ونيو تايمز، إلى جانب "إتش دي هيونداي" و"هانوا أوشن" و"سامسونغ للصناعات الثقيلة" في كوريا الجنوبية، وأحواض إيماباري ومجموعات بناء السفن اليابانية.
وتكشف هذه الخريطة عن تشابك صناعة النقل البحري بين عدة دول؛ فقد تكون ناقلة النفط مملوكة لشركة سعودية أو يونانية أو صينية، ومبنية في الصين أو كوريا الجنوبية، ومسجلة تحت علم دولة أخرى، وممولة من مؤسسة مالية دولية، ومؤمنة عبر سوق لندن، بينما تعمل في نقل النفط بين مناطق الإنتاج والأسواق المستوردة.
ترفع الأزمات كلفة التأمين والوقود ومستويات المخاطر واحتمالات توقف السفن عن العمل، لكنها في المقابل تقلص عدد السفن المتاحة وتطيل مسارات الرحلات، مما يزيد الطلب على الطاقة التشغيلية للأسطول ويرفع أجور الشحن.
وتصف الأونكتاد هذه الآلية بوضوح، إذ إن إعادة التوجيه حول رأس الرجاء الصالح تطيل الرحلات وتخفض القدرة الاستيعابية الفعلية للأسطول حتى دون انخفاض عدد السفن نفسه.
وعندما تصبح السفينة النادرة أكثر طلبا، تقفز أجور الشحن وقيم الأصول. وهذا ما يفسر وصول سعر ناقلة نفط مستعملة عمرها 5 سنوات في 2026 إلى مستوى أعلى من كلفة طلب ناقلة جديدة.
لكن ارتفاع أجور الشحن لا يعني بالضرورة تحول الزيادة كاملة إلى أرباح لمالك السفينة، إذ يتوقف العائد الفعلي على شروط عقد الشحن وتوزيع تكاليف الوقود والتأمين ورسوم العبور والتأخير بين المالك والمستأجر.
وتتحدد ربحية السفينة في نهاية المطاف بالفارق بين الإيرادات والتكاليف، فإذا ارتفعت أجور الشحن بوتيرة تفوق الزيادة في نفقات التشغيل والتأمين والتمويل، تتسع أرباح المالك، بينما تتراجع الهوامش إذا ارتفعت التكاليف ولم يتمكن من تمريرها إلى المستأجر أو صاحب البضاعة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة