في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
دخلت شبكة السكك الحديدية في إيران، أمس الثلاثاء، دائرة الاستهداف المباشر، بعدما حذر الجيش الإسرائيلي الإيرانيين من استخدام القطارات أو الاقتراب من خطوط السكك حتى الساعة التاسعة مساء أمس بالتوقيت المحلي.
وأوردت وكالة تسنيم أن ضربة أصابت مقطعا من خط طهران-مشهد جنوب العاصمة، وتسببت في تضرر السكة وتعذر حركة القطارات على هذا المسار.
بينما أفادت وكالة فارس بأن جسر يحيى آباد للسكك في كاشان (جنوب طهران) تعرض لهجوم أسفر، وفق مسؤول أمني في محافظة أصفهان، عن مقتل شخصين وإصابة ثلاثة آخرين، كما تحدثت عن استهداف سكة كرج وجسر على خط زنجان-ميانه (شمال شرقي إيران)، إلى جانب إلغاء حركة القطارات من محطة مشهد (شمال شرق إيران)، ووقف الرحلات على مساري الجنوب وزاغرس حتى إشعار آخر.
تكمن حساسية هذه الضربات في أن السكك الحديدية في إيران لا تخدم نقل الركاب فقط، بل تمثل واحدا من أهم مسارات نقل البضائع والمواد الخام داخل البلاد.
ووفقا لمعطيات أوردتها وكالة إيرنا، تستهدف شركة السكك الحديدية الإيرانية نقل 54 مليون طن من البضائع عبر الشبكة خلال العام الإيراني الجاري (بدأ في 21 مارس/آذار الماضي)، كما سجل حمل البضائع بالقطارات نموا بنسبة 12% خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام نفسه.
وهذه المؤشرات تكشف أن أي اضطراب في هذا المرفق الحيوي لا يصيب وسيلة نقل هامشية، بل شبكة تعمل بمستويات تشغيلية مرتفعة، وتعتمد عليها قطاعات واسعة في الاقتصاد الإيراني بشكل يومي.
وتزداد أهمية السكك الحديدية الإيرانية لأنها ترتبط مباشرة بالموانئ وعقد التجارة. ففي تقرير لوكالة فارس عن ميناء الشهيد رجائي، قالت الوكالة إن الميناء يستحوذ على 70% من ترانزيت البضائع، وأكثر من 58% من العمليات غير النفطية، و43% من العمليات النفطية، ونحو 85% من نشاط الحاويات في موانئ البلاد.
ونقل التقرير نفسه عن مسؤول في وزارة النقل الإيرانية أن شبكة هرمزغان الحديدية (مرتبطة بمحافظة هرمزغان المطلة على مضيق هرمز) تعد أحد الشرايين الرئيسية للنقل في إيران، والداعم المباشر لميناء الشهيد رجائي.
وعليه، فإن أي خلل في الخطوط السككية أو جسور القطارات لا يعني فقط توقف قطار في نقطة محددة، بل تباطؤ سحب الحمولات من أرصفة الموانئ إلى الداخل، وارتفاع الضغط على التخزين والتفريغ والتوزيع، وتأخر وصول السلع إلى المصانع والأسواق.
ولا يقف دور شبكة القطارات الإيرانية عند الربط الداخلي، بل يتصل أيضا بالتجارة العابرة.
أوردت وكالة إيرنا أن السكك الحديدية الإيرانية نقلت 5 ملايين طن من البضائع الدولية، بينها 2.4 مليون طن ترانزيت و2.6 مليون طن واردات وصادرات، فيما أفادت وكالة فارس بأن ممر الشمال-الجنوب يمتلك سعة ترانزيت تبلغ 10 ملايين طن، وقد عبر 60 قطارا صينيا الأراضي الإيرانية متجهة نحو أوروبا في العام الإيراني الماضي، والذي انتهى 20 مارس/آذار 2026.
وهذه الأرقام توضح أن الشبكة تؤدي وظيفة مزدوجة تتمثل في خدمة السوق المحلية وربط إيران بالممرات التجارية الإقليمية والدولية، وهو ما يضاعف أثر أي اضطراب يصيبها جراء الهجمات الأمريكية والإسرائيلية.
وتبرز خطورة التعطل بشكل خاص في قطاع المواد الأولية، وخصوصا المعادن. فوفقا لإيرنا، يُنقل سنويا نحو 15 مليون طن من منطقة سنغان قرب الحدود مع أفغانستان إلى وسط إيران عبر السكك، ما يعكس اعتماد الصناعات الثقيلة مثل التعدين والحديد والصلب على انتظام هذا الخط السككي.
ومع استهداف الجسور أو المقاطع الحديدية أمس الثلاثاء، يصبح وصول الخامات إلى المصانع أبطأ وأعلى كلفة، خصوصا إذا اضطر المشغلون إلى تحويل جزء من الحمولة إلى الطرق البرية الأقل قدرة على استيعاب الكميات الضخمة، ما يزيد الضغط على النقل الداخلي ويرفع تكاليف الإنتاج.
ومن هنا يبدأ الأثر الاقتصادي الأوسع أي تعطل السكك الحديدية لا يقتصر على الأضرار الهندسية، بل ينتقل بسرعة إلى دورة السلع نفسها، وتأخر في الشحن، وضغط على النقل البديل، وارتفاع كلفة التوزيع، واختناقات في تزويد المصانع والمخازن.
في اقتصاد مترابط وحساس لاختناقات الإمداد، قد ينعكس هذا المسار مباشرة على كلفة الإنتاج والأسعار، خصوصا في القطاعات كثيفة الاعتماد على النقل الحديدي مثل المعادن والإسمنت والصلب.
حتى الآن، لا توجد بيانات آنية تسمح بقياس أي زيادة سعرية مباشرة، لكن المؤشرات اللوجستية تجعل من استهداف السكك الحديدية ضربة تتجاوز البنية التحتية إلى قلب النشاط الصناعي والتجاري.
باختصار، فإن استهداف السكك الحديدية الإيرانية يضرب شريانا حيويا يربط الميناء بالمصنع، والمصنع بالسوق، ويضغط على سلاسل الإمداد الداخلية والخارجية في الوقت نفسه.
وأي تعطّل مستمر أو واسع النطاق سيترك أثره على الإنتاج، والتجارة، والتوزيع، حيث إن السكك الحديدية في إيران ليست مجرد وسيلة نقل، بل خط دفاع اقتصادي واستراتيجي يضمن استمرار الحركة التجارية والصناعية في البلاد.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة