"دع خيالك يجلس في مقعد المتفرج… واترك الصور تنبع من بين السطور، كما تنبع الحياة من أول لمسة ضوء على شاشة مظلمة".
بهذه الجملة لا يفتح المخرج السينمائي والكاتب المغربي عز العرب العلوي روايته الجديدة فحسب، بل يعلن عن شيء أكبر؛ ثمة شكل سردي جديد يولد في صمت، بعيداً عن إكراهات الإنتاج السينمائي.
حين تحاوره، تدرك جيداً أن الرجل يعرف جيداً من أين يبدأ، يستند إلى عقود أمضاها بين كاميرا وقلم، مخرجاً صاغ صورته في أفلام "أندرومان" و"كيليكيس دوار البوم" و"أفريكا بلانكا لون المنفى"، وسيناريست كتب لنفسه وللآخرين. لكن في لحظة ما، وجد أن الكاميرا وحدها لم تعد تتسع لما يريد قوله، وأن الرواية التقليدية لم تكن الجواب الكامل، فوقف على الحدود بين الفنين، وقرر أن يكتب بعدسة ذاكرة تعشق الضوء والحركة.
في روايته "في انتظار ابن رشد: فانتازيا تاريخية"، وحده العنوان يحمل طبقات، لكن القصة خلف الكتاب لا تقل دراماتيكية عما بين دفتيه؛ سيناريو كُتب لمسلسل من ثماني حلقات، تعثّر إنتاجياً لسنوات، وأمام خيار أن يموت في الأدراج أو أن يعيد اختراع نفسه، اختار له العلوي الحياة بصيغة جديدة.
في حديثه للجزيرة نت يقول وهو ينظر بين دفتي كتابه: "إن الرواية البصرية جاءت بالنسبة لي فضاءً حراً يسمح للصورة بأن تتحرر من ثقل الصناعة دون أن تفقد بعدها السينمائي".
لكن ما بدأ حلاً شخصياً لأزمة إنتاجية، يطرح اليوم سؤالاً أوسع: هل نحن أمام جنس تعبيري جديد يتشكل في العالم العربي؟
لم يكن الحوار مع العلوي مجرد استجواب عابر عن إصدار جديد، بل بوحاً عميقاً عن حلم سينمائي بامتياز تعثّر قبل أن يجد شاشته، هو عمل من الفانتازيا التاريخية يتنقل بين أربعة قرون، تتشابك فيه فضاءات مراكش والأندلس وإيطاليا ولبنان، ويمزج بين الصورة الحية والجرافيك، لم يكن مشروعاً يجد منتجه بسهولة في سوق عربي يعشق، كما يقول العلوي بهدوء، "الكوميديا والمواضيع البسيطة".
ويشرح: "إذا عجزت عن إيجاد منتج عربي يؤمن بهذا النوع من المشاريع التي تمجد الحضارة العربية والإسلامية وتحمل همها الفكري والإنساني، فهذا لا يعني أن المشروع يجب أن يموت، بل ربما عليه أن يعيد اختراع نفسه داخل شكل فني آخر".
ولن يكون هذا المشروع الأخير من نوعه، العلوي يذكر أن مشاريع بحجم فاطمة الفهرية وابن خلدون تواجه المصير ذاته، إما رواية بصرية، أو سيناريوهات ميتة على الرفوف.
بالنسبة للعلوي، ابن رشد ليس شخصية تاريخية يمكن تحويل سيرتها إلى مادة درامية فقط، بل يمثل سؤالاً حضارياً لا يزال حياً حتى اليوم. "هو لحظة صدام كبرى بين العقل والتأويل، بين المعرفة والسلطة، بين النور والعتمة".
فثمة جرح مزدوج هنا، حيث كان هذا الفيلسوف الأندلسي جسراً حضارياً حقيقياً، فشروحه لأرسطو نقلت الفلسفة العربية إلى أوروبا وأسهمت في بناء جزء مهم من نهضتها الفكرية، لكن كثيراً من الخطابات الغربية المعاصرة تتجنب الإقرار بهذا الامتداد، لكن في المقابل نحن أيضاً لم نحسن استثمار مثل هذا الرمز الفكري والحضاري".
"تركنا شخصيات بحجم ابن رشد تتحول إلى مجرد أسماء في كتب مدرسية أو شوارع، بينما كان من الممكن أن تصبح مادة كبرى للسينما والرواية والفنون البصرية".
يضيف العلوي: "تركنا شخصيات بحجم ابن رشد تتحول أحياناً إلى مجرد أسماء في كتب مدرسية أو أسماء شوارع، بينما كان من الممكن أن تصبح مادة كبرى للسينما والرواية والفنون البصرية".
لهذا جاء العنوان محملاً بعبء رمزي مقصود: "في انتظار ابن رشد"، لسنا ننتظر الرجل، بل ننتظر عودة السؤال الذي نحمله تجاهه.
ما الذي يعنيه فعلياً أن تكتب رواية بعين مخرج؟
يجيب العلوي بدقة تقنية نادراً ما نسمعها من روائي، فحين يكتب مشهداً بصرياً، فهو لا يصف الحدث فقط، بل يؤطر الكادر، يحدد الإيقاع، يشتغل على الضوء والظل، ويتحكم في حركة الزمن داخل الجملة ذاتها. وهذا ليس مجازاً أدبياً، بل ممارسة فعلية، إذ إن العلوي سيناريست قبل أن يكون مخرجاً، وكلا الفنين يشتغلان على الصورة والإيقاع وتوجيه عين المتلقي.
ويستطرد في الشرح: "الفرق فقط أن السيناريو ينتظر الكاميرا ليكتمل، بينما الرواية البصرية تجعل القارئ نفسه يحمل الكاميرا داخل خياله".
يترك العلوي أحياناً فراغات مقصودة داخل السرد حتى يملأها القارئ بخبرته ووعيه وخياله. وهذا بالنسبة له ليس نقصاً في الكتابة، بل جزء من فلسفة العمل نفسها؛ لأنه يعتبر أن المعنى الحقيقي لا يولد فقط مما يكتبه المؤلف بل أيضاً مما يضيفه المتلقي أثناء القراءة.
القارئ إذن لا يقرأ فحسب، هو يصبح مدير تصوير خفياً، ومونتيراً داخلياً، وأحياناً ممثلاً يعيش الشخصية من الداخل. لكن هذه الحرية ليست مطلقة، فالكاتب يشبه نفسه بالمخرج الذي يمنح الممثل مساحة للارتجال لكنه يظل ممسكاً بروح الفيلم.
ويردف: "المؤلف لا يجب أن يتحول إلى ديكتاتور معنى، لكنه أيضاً لا يمكن أن يختفي تماماً وراء القارئ". فهناك دائماً "هندسة خفية" تحافظ على وحدة العمل: البنية الجمالية والفكرية، الإيقاع، طبيعة الصورة، الأسئلة الفلسفية، الروح التأملية، وشبكة الرموز المتكررة داخل الرواية، والقارئ يتحرك بحرية داخل المتاهة، لكنه لا يبنيها من الصفر.
في "في انتظار ابن رشد"، الزمن ليس إطاراً تجري داخله الأحداث، بل عنصر درامي قائم بذاته، أشبه بشخصية خفية تتحكم في مصير الحكاية. تتحرك الرواية بين أربعة قرون وتتشابك فيها فضاءات متعددة، لكن هذا التشعب قائم على منطق داخلي يشبه المونتاج السينمائي: كل زمن يحمل أثر زمن آخر، والماضي لا يعود بصفته فلاش باك تقليدياً بل بحضور حي يتسرب إلى الحاضر.
يبدو أن هذا المنطق قريب جداً من فكر ابن رشد نفسه، أفكاره لم تجد مكانها في زمنها الأصلي، لكنها عادت لتؤثر في حضارات أخرى. كأن التاريخ يبعث رسائله متأخراً دائماً.
ويبرز العلوي أن أداة هذا العبور الزمني تابوت داخل كنيسة قديمة يؤدي دور "ساعي البريد" بين القرون، يحمل مخطوطات من القرن الخامس عشر إلى الزمن المعاصر. وإلى جانبه، سجادة ابن رشد عبارة عن ذاكرة متحركة للحضارة بأسرها.
وعبر الأزمنة تتكرر مراسٍ بصرية ثابتة: المخطوطات، والممرات، والضوء، والأزقة، والأحلام، ورمز شمس يتوسطها وجه، وشعار الأكوينيين، كلها تعود بأشكال مختلفة لتمنع الرواية من السقوط في التشتت.
حين تسأله: هل الرواية البصرية مجرد خطة بديلة حين تتعثر السينما؟
لا يهرب العلوي من السؤال، لكنه يتجاوزه قائلاً: "مع الوقت، اكتشفت أن الرواية البصرية ليست مجرد تعويض عن فيلم لم يُنجز، بل هي أفق فني قائم بذاته. هي جنس هجين يقع في المنطقة الفاصلة بين السينما والأدب والفنون الرقمية، يستعير من الأول لغته البصرية وهندسة المونتاج، ومن الثانية عمقها الداخلي وقدرتها على الغوص في الوعي".
وهذا الجنس الجديد لا يتشكل في فراغ: نحن نعيش تحولات عميقة في طرق التلقي، والذكاء الاصطناعي يفتح إمكانيات للصورة والتخييل لم تكن متاحة من قبل. المتلقي العربي اليوم ليس قارئاً كلاسيكياً ولا متفرجاً سينمائياً، بل كائن هجين يعيش بين الكتاب والشاشة. وهذا يفرض على المبدعين إعادة التفكير في أدواتهم، وإنتاج أشكال تنبع من أسئلتنا الحضارية لا من استنساخ النماذج الغربية.
في نهاية المطاف، ما يصنعه عز العرب العلوي في "في انتظار ابن رشد" هو أكثر من رواية، هو رهان متعدد الطبقات، على جنس فني جديد لم تستقر ملامحه بعد، وعلى قارئ عربي قادر على أن يكون شريكاً في إنتاج المعنى لا مجرد مستهلك له، وعلى أن الأفكار الكبرى تجد دائماً طريقها للحياة حتى حين تُغلق أمامها أبواب الإنتاج.
ابن رشد نفسه لم تجد أفكاره مكانها في زمنها الأصلي، لكنها عادت لتؤثر في حضارات أخرى. وكأن العلوي يقول: الأفكار الحقيقية لا تموت، هي فقط تغيّر شكلها وتنتظر زمنها.
ربما هذا هو المعنى العميق للعنوان: "في انتظار ابن رشد"، ليس انتظار رجل، بل انتظار لحظة تقرر فيها الحضارة أن تعود إلى سؤالها الأصلي: سؤال العقل، سؤال الحرية، سؤال من نحن حين نجرؤ على التفكير.
وحتى تأتي تلك اللحظة، ثمة رواية تنتظرك، لتحمل كاميراك الخفية، وتصوّر فيلمك الخاص داخل خيالك.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة