على تلة تطل على البحر المتوسط في مدينة عنابة شرقي الجزائر، يعيد عمال البلدية طلاء الجدران ويلمع رهبان التماثيل استعدادًا لزائر غير معتاد.
البابا لاوون الرابع عشر يصل الأسبوع المقبل -من 13 إلى 15 أبريل/نيسان 2026- في أول زيارة لرأس الكنيسة الكاثوليكية إلى الجزائر في التاريخ، لكن ما يجعل هذه الزيارة استثنائية ليس بعدها الدبلوماسي وحده؛ فالبابا يأتي ليسير على خطى رجل ولد في هذه الأرض قبل 1670 عامًا، رجل وصف البابا نفسه يوم انتخابه بأنه "ابنه".
ذلك الرجل هو القديس أوغسطينوس، أو كما تسميه الجزائر اليوم "ابن سوق أهراس" الذي صار أحد مؤسسي الفكر الغربي.
ولد أوريليوس أوغسطينوس عام 354 ميلادية في مدينة ثاغاست -المعروفة اليوم بسوق أهراس- على بعد نحو مئة كيلومتر جنوب عنابة.
والده باتريكيوس كان وثنيًا من أصول أمازيغية رومانية، وأمه مونيكا مسيحية متدينة ستصبح هي نفسها قديسة في الكنيسة لاحقًا. نشأ الفتى في بيئة شمال أفريقية متعددة اللغات والأديان والأعراق: أمازيغ ورومان ونوميديون، وثنيون ومسيحيون ومانويون، لاتينية رسمية ولهجات محلية -وهذا التعدد سيطبع فكره بمرونة نادرة في عصره.
درس أوغسطينوس البلاغة في قرطاجنة ( تونس الحالية)، ثم انتقل إلى روما وميلانو حيث اعتنق المسيحية عام 387 تحت تأثير الأسقف أمبروسيوس، لكنه عاد إلى أرضه، واستقر في مدينة هيبون (عنابة) حيث رسم كاهنًا عام 391 ثم أسقفًا عام 395.
وهناك، في هذه المدينة الساحلية التي يزورها البابا الأسبوع المقبل، كتب أوغسطينوس مؤلفاته الكبرى التي غيرت مسار الفكر الغربي، وظل فيها حتى وفاته عام 430 بينما كان الفاندال يحاصرون أسوارها.
ما يجعل أوغسطينوس حيًا في الذاكرة الإنسانية بعد كل هذه القرون ليس لاهوته فحسب -على أهميته- بل كتابه "الاعترافات" الذي كتبه في هيبون نحو عام 397.
الكتاب يعد أول سيرة ذاتية بالمعنى الحديث في تاريخ الأدب الغربي، وفيه يروي أوغسطينوس بصراحة مذهلة رحلته من الضياع الروحي والانغماس في الملذات إلى الإيمان، ويتحدث عن سنوات لهوه في قرطاجنة، وعن عشيقته التي أنجب منها ابنًا، وعن تنقله بين المانوية والشكوكية والأفلاطونية المحدثة قبل أن يصل إلى المسيحية.
لكن "الاعترافات" ليست مجرد سيرة توبة، فهي تأمل فلسفي في طبيعة الذاكرة والزمن والرغبة والإرادة، بلغة شعرية تجمع بين الاستبطان النفسي والمناجاة الإلهية، ويحتوي الكتاب التاسع على وصف لحظة صوفية عاشها أوغسطينوس مع أمه مونيكا قبيل وفاتها في أوستيا -وهي من أرق ما كتب في الأدب القديم عن العلاقة بين الأم وابنها.
بعض الباحثين المعاصرين، من بينهم الفيلسوف الفرنسي جان لوك ماريون في كتابه "في المكان الذاتي" (Au lieu de soi, 2008)، يرون أن أوغسطينوس اخترع في "الاعترافات" ما سيسمى لاحقًا "الذاتية" -أي فكرة أن الإنسان يستطيع أن يجعل من عالمه الداخلي موضوعًا للتأمل والكتابة.
إلى جانب "الاعترافات"، كتب أوغسطينوس في هيبون عمله الأضخم "مدينة الله" بين عامي 413 و426، ردًا على سقوط روما في يد القوط عام 410.
ويطرح الكتاب رؤية لفلسفة التاريخ تقوم على التمييز بين "مدينة الله" -مجتمع المؤمنين عبر الزمن- و"مدينة الأرض" المبنية على حب الذات، هذا التمييز سيصبح أساسا للفكر السياسي المسيحي لقرون، وسيؤثر في مفكرين من توما الأكويني إلى هانا أرندت.
لاهوتيا، صاغ أوغسطينوس عقائد ستشكل العمود الفقري للمسيحية الغربية بما فيها مفهوم الخطيئة الأصلية، ونظرية النعمة الإلهية، والعلاقة بين الإرادة الحرة والقدر الإلهي -وهي مسائل لا تزال تناقش حتى اليوم.
وامتد تأثيره عبر كل المذاهب المسيحية، فالكاثوليك يعتبرونه "معلم الكنيسة"، والبروتستانت -خصوصا لوثر وكالفن- بنوا على أفكاره في النعمة والخطيئة، بل إن بعض المؤرخين يرون أن الإصلاح البروتستانتي كان في جوهره عودة إلى أوغسطينوس.
صاغ أوغسطينوس عقائد ستشكل العمود الفقري للمسيحية الغربية بما فيها مفهوم الخطيئة الأصلية، ونظرية النعمة الإلهية، والعلاقة بين الإرادة الحرة والقدر الإلهي -وهي مسائل لا تزال تناقش حتى اليوم. وامتد تأثيره عبر كل المذاهب المسيحية، فالكاثوليك يعتبرونه "معلم الكنيسة"، والبروتستانت -خصوصا لوثر وكالفن- بنوا على أفكاره في النعمة والخطيئة، بل إن بعض المؤرخين يرون أن الإصلاح البروتستانتي كان في جوهره عودة إلى أوغسطينوس
البابا لاوون الرابع عشر -الذي انتخب في مايو/أيار 2025- ينتمي إلى الرهبنة الأوغسطينية، وسبق أن زار الجزائر مرتين حين كان مسؤولا عن الرهبنة.
حين وقف البابا أمام الكرادلة يوم انتخابه ووصف نفسه بأنه "ابن أوغسطينوس"، كان يعلن انتماء فكريا وروحيا سيترجم عمليا بهذه الزيارة، وهو ما أكده الكاردينال جان بول فيسكو، رئيس أساقفة الجزائر، حين صرح لوكالة فرانس برس بأن للجزائر مكانة خاصة في عقل البابا وقلبه.
تشمل الزيارة محطات ذات رمزية مكثفة بينها "مقام الشهيد" في أعالي العاصمة حيث يلقي البابا كلمته العلنية الأولى، ثم جامع الجزائر الكبير -أحد أكبر المساجد في العالم- حيث يلتقي كبار المسؤولين، وصولا إلى عنابة حيث يزور الموقع الأثري لمدينة هيبون القديمة وبقايا "بازيليك السلام" التي كان أوغسطينوس يلقي منها عظاته. كما يلتقي البابا خاصا بأعضاء الرهبنة الأوغسطينية في بيت الجماعة الرهبانية بالمدينة.
يأتي البابا إلى بلد ذي غالبية مسلمة ساحقة، طائفته المسيحية فيه صغيرة العدد وإن كانت قديمة الوجود.
الكاردينال فيسكو -وهو فرنسي المولد لكنه يحمل الجنسية الجزائرية منذ 2023 ويعيش في البلاد منذ أكثر من عشرين عاما- وضع الأمور في إطارها حين قال إن البابا يأتي "لمواصلة بناء الجسور بين العالم المسيحي والعالم الإسلامي"، وأضاف قائلا إنه لا يحبذ عبارة "الحوار الإسلامي-المسيحي" لأن الأديان لا تتحاور، بل الأشخاص هم من يتحاورون، المهم في نظره هو "العيش معا والاحترام المتبادل والبناء معا".
ويصلي البابا على انفراد في كنيسة "شهداء الجزائر" التسعة عشر -كهنة وراهبات قتلوا خلال العشرية السوداء (1992-2002)، من بينهم رهبان تبحيرين السبعة الذين خطفوا وقتلوا عام 1996 في ظروف لا يزال الغموض يلفها، ووصف فيسكو تلك الحقبة بأنها كانت "امتحانا للتضامن"، مذكرا بأن أولئك الكهنة والراهبات -وأغلبهم أجانب- اختاروا البقاء في الجزائر رغم أنهم كانوا عرضة للخطر.
أما على الأرض في عنابة، فالأب فريد ويكيسا، راعي كنيسة القديس أوغسطينوس، وصف الاستعدادات بأنها مشحونة بحماس عفوي يتجاوز الطوائف، ونقلت عنه وكالة الصحافة الفرنسية أنه متأكد من أن الزيارة ستغير الصورة النمطية عن الجزائر في الخارج، حيث كثيرا ما ينظر إليها فقط من زاوية "السنوات المظلمة".
وللمفارقة فإن أوغسطينوس -الذي يحتفي به العالم المسيحي بوصفه أحد آباء الكنيسة الأربعة- هو في الوقت ذاته ابن هذه الأرض المغاربية التي صارت لاحقا قلب العالم الإسلامي في شمال أفريقيا.
وربما يكون أوغسطينوس نفسه أفضل من يجيب عن هذا التوتر، فالرجل الذي عاش بين ثقافات ولغات وأديان متعددة، والذي كتب عن الشك بصدق لا يقل عن كتابته عن الإيمان، والذي جعل من اضطرابه الداخلي مادة لأعمق تأمل فلسفي عرفه العالم القديم -هذا الرجل لا يختزل في هوية واحدة، فهو مسيحي وأمازيغي وروماني وأفريقي وعالمي في آن واحد.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة