آخر الأخبار

رجل يخدع السياح بمدرَّج تاريخي مزيف في إيطاليا لسنتين كاملتين

شارك

CNN )-- حظي المدرَّج الواقع بالقرب من بلدة أركونيانو بمنطقة فينيتو شمال إيطاليا بثماني مراجعات على موقع "TripAdvisor" ، وأشادت جميعها بالمَعلم ومنحته تقييم خمس نجوم كاملة.

وكتب أحد الزوّار في تعليقه: "إنّه مكان ساحر"، بينما أكّد آخر بحماس أنّه أشبه بـ"عالمٍ يتجاوز حدود الزمان والمكان".

ووصفه زائر ثالث بكونه مكانًا "فريدًا من نوعه على وجه الأرض".

لقد كان الوصف الأخير دقيقاً بشكلٍ لافت، فالمسرح كان فريداً بالفعل، إذ لم يكن يونانياً كما ادُّعي، بل ولم يكن رومانياً حتى.

والحقيقة هي أنّ "الحارس اللطيف"، الذي وصفه زائر آخر بأنّه "مؤرّخ إلى حد ما وراوٍ بارع"، قد بنى المعلم بنفسه.

مصدر الصورة لا يزال مدخل المُدرَّج المزيّف موجودًا في البلدة الإيطالية. Credit: Stefano Mazzola/Getty Images

وفي أغسطس/آب، وبعد معركة قانونية استمرت 10 سنوات، سُجن المالك بتهمة تزوير أعمال فنية، وتنفيذ أعمال بناء من دون تصريح، وتدمير منطقة طبيعية محمية.

أثارت القضية ضجة كبيرة في إيطاليا، التي تتفوق على الصين بفارقٍ ضئيل لجهة عدد مواقع التراث العالمي المدرجة على قائمة منظمة اليونسكو، وتضم العديد من المسارح اليونانية والرومانية الأصلية.

وكان فرانكو مالوسو، المالك الذي ادّعى أنّه اكتشف هذا الموقع "الأثري" البالغة مساحته قرابة 5 آلاف متر مربع، يتقاضى من الزوار رسوماً تصل إلى 40 يورو (46 دولاراً) لزيارة "المسرح" الذي بناه من الصفر.

وبنى مالوسو مدرجات للجلوس والسلالم على منحدر خلاب مستعيناً بشركة بناء محلية، وحرص على إضفاء مظهر القِدَم المصطنع عليها، بحسب الأدلة المقدَّمة في المحكمة، ومن ثمّ أضاف بعض الأعمدة الإسمنتية وتماثيل الجبس حول "بحيرة" صغيرة حفرها بنفسه.

وزعم أنّ مدرجات الجلوس التقليدية قد بُنيت يدوياً على يد اليونانيين القدماء قبل أكثر من ألفي عام، إلا أنّها في الواقع شُيدت على يد عمال بناء من القرن الحادي والعشرين باستخدام الآلات.

وصرّح داريوس آريا، عالم الآثار ومدير مؤسسة " Ancient Rome Live "، لـ CNN قائلاً: " الفكرة بحد ذاتها جنونية"، واصفاً مخطط مالوسو بأنّه "شيطاني" و"فظيع".

ووفقاً للأدلة المقدَّمة في المحكمة، اتّضح أنّ مالوسو أقام حفلات موسيقية وعروضاً داخل الموقع، الذي كان معروفًا بما لا يقل عن ثلاثة أسماء، وهي " Anfiteatro Berico " و" Anfiteatro Marittimo Berico " و" Anfiteatro Porta degli Angeli ".

كما ذكر الادعاء أنّه كان يقود جولات سياحية للزوار في أرجاء الموقع.

مصدر الصورة بُني المعلم الأثري المزيف فوق تلّة كانت موطنًا لغاباتٍ محمية. Credit: Stefano Mazzola/Getty Images

وبالنسبة لأي شخص يتمتع بمعرفة أساسية بالتاريخ القديم، كانت هناك مؤشرات تدل على زيف الموقع، فالمبنى الذي شيّده كان مسرحاً تقليدياً على شكل مروحة، وليس مدرجاً رومانياً يتخذ عادةً شكلاً بيضاوياً.

كما أنّه لم يكن يقع بالقرب من البحر كما يوحي به اسم "ماريتيمو"، إذ تبعد بلدة أركونيانو حوالي 80 كيلومترًا عن الساحل.

وعلاوةً على ذلك، لم تكن هناك "بوابة ملائكة" أثرية في الموقع.

ويستحيل أن يكون المبنى يونانياً، ففي حين يزخر شمال إيطاليا بالآثار الرومانية، اقتصر استيطان اليونانيين القدماء على مناطق أبعد نحو الجنوب.

اكتشفت سلطات إنفاذ القانون المحلية المسرح المزيّف، الذي أقيم على منحدر تغطيه غابات محمية خارج بلدة أركونيانو الصغيرة، على بعد حوالي 5 كيلومترات جنوب مدينة فيتشنزا، وأحالت الأمر على الفور إلى هيئة الرقابة الثقافية في أكتوبر/تشرين الأول من عام 2016.

وقام ممثل عن هيئة التراث المحلية وعناصر من وحدة حماية التراث الفني " TPC " التابعة لقوات "الكارابينييري" بمعاينة الموقع.

وكان المسرح مزيفاً بشكلٍ واضح جدًا لدرجة أنّ عملية التفتيش انتهت في يوم واحد فقط، بحسب ما ذكره المقدم جوزيبي مارسيليا، قائد وحدة " TPC " في مدينة مونزا (المسؤولة عن منطقة شمال إيطاليا) لـ CNN .

جعلوه يبدو قديمًا

شُيّد المسرح على أرض كانت جزءاً من منطقة تلال "بيريسي" الطبيعية المحمية من قبل منظمة اليونسكو.

ووفقاً لوثائق المحكمة، كان مالوسو، الذي ادعى أنّه الممثل القانوني لمالك الأرض (وهي شركة تجارية مقرّها جزر العذراء البريطانية) قد تقدم في البداية بطلبٍ للحصول على تصريح بناء لإنشاء مرآب للسيارات.

وعوض ذلك، استعان ببنائين محليين لتشييد المسرح، ووجّههم بضرورة "جعله يبدو قديماً"، بحسب شهادة أحد البنائين أمام المحكمة.

وذكر الادعاء العام أنّ مالوسو كان يخبر الزوار بأنّه اكتشف المسرح عقب انهيار أرضي، كما بدأ في الترويج له للجمهور منذ عام 2014.

وبحسب وسائل إعلام محلية، كان يُطلب من الزوار القادمين من خارج البلدة دفع رسوم دخول قدرها 14 دولاراً، بينما فُرضت رسوم أعلى بكثير بلغت 46 دولاراً على السكان المحليين لتثبيطهم عن زيارة المكان.

كما أفادت التقارير بتوفر جولات جماعية خاصة كلفتها 692 دولاراً لمدة 45 دقيقة.

وليس معلومًا عدد الضحايا الذين انطلت عليهم الحيلة، لكن لم يتم الإبلاغ عن الموقع للسلطات إلا في العام 2016، أي بعد عامين من افتتاحه.

أُدين مالوسو في العام 2019، وخسر استئنافاً أولياً في العام 2020.

ومن ثمّ تقدم بطعن نهائي أمام محكمة النقض الإيطالية، مجادلاً بأنّ عملية التزوير التي قام بها كانت واضحة لدرجة أنّه لم يكن بوسع أي شخص أن يصدقها.

ورفضت المحكمة تصريحه وأيّدت الحكم الأصلي الذي يقضي حالياً عقوبته بموجبه.

وتشمل العقوبة السَّجن لمدة 28 شهراً وغرامة قدرها 3,462 دولاراً، بالإضافة إلى 4,040 دولاراً كرسوم قانونية.

وأشار مارسيليا إلى أنّه منذ إدانته الأصلية، تم تشديد القانون ليسمح بفرض عقوبات تصل إلى خمس سنوات في قضايا التزوير.

جريمة "جنونية"

مصدر الصورة بني المسرح في بلدة صغيرة خارج فيتشنزا. Credit: Stefano Mazzola/Getty Images

صرّح خبراء لـ CNN بأنّ الدافع وراء إقدام مالوسو على تنفيذ مخططه يظل لغزاً، فلم يبدو أنّه أجرى البحث الكافي قبل الإقدام على ذلك.

وأوضح مارسيليا، الذي وصف الجريمة بكونها "جنونية"، أنّ اليونانيين القدماء لم يستعمروا أي منطقة تقع شمالاً مثل مدينة فيتشنزا.

ومن جهته، شعر آريا بالحيرة إزاء طبيعة الخطة، وقال: "يمكنك أن تدرك أنّها مزيفة على الفور".

وقال بيتر ماثيس، مدير متحف الفن والعلوم في ميلانو المخصص جزئياً لفن التزييف، إنّ "الأعمدة تبدو حديثة بشكل واضح".

ورأى ماثيس أنّ مهارات مالوسو في سرد القصص ربما كانت كفيلة بجذب الزوار وإقناعهم.

وقد أُغلِق الموقع حالياً، وصدر أمر لمالوسو بهدم المسرح، وإن كان مصيره النهائي لا يزال غير محسوم، حيث حذّر آريا من أنّ عملية الهدم ستكون مكلفة.

سي ان ان المصدر: سي ان ان
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار