آخر الأخبار

شراكة أعداء الأمس.. كيف أعادت تركيا اكتشاف الصين؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

في أواخر نوفمبر/تشرين الثاني 1950، كان البرد يهبط ثقيلا على جبال كوريا الشمالية ووديانها. عند قريتي "كونو-ري" و"واون"، وجد جنود اللواء التركي الأول أنفسهم في حرب بعيدة عن الأناضول، وعن خرائط الأمن التي ورثتها الجمهورية من العهد العثماني.

كانت الأرض آسيوية بعيدة، والسماء ملبدة بشتاء قاس، أما المعنى السياسي للمعركة فكان يتجاوز حدود شبه الجزيرة الكورية بكثير. أُرسل اللواء التركي تحت راية الأمم المتحدة، وأُلحق بالقوات الأمريكية ضمن اندفاعة واسعة أراد منها الجنرال دوغلاس ماك آرثر، قائد قوات الأمم المتحدة في كوريا، أن تنتهي بإسقاط الشمال الشيوعي قبل عيد الميلاد. سار الجنود الأتراك في طريق بدا، في حسابات القيادة الغربية، جزءا من هجوم حاسم وسريع. ثم دخلت القوات الصينية الحرب إلى جانب كوريا الشمالية، وتبدلت طبيعة الجبهة. صار الجنود الأتراك، القادمون من جمهورية لم يمض على تأسيسها ثلاثة عقود، وجها لوجه أمام جيش صيني شيوعي خرج لتوه من ثورة انتصرت في بكين قبل عام واحد.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 خطيئة نيكسون وكيسنجر.. كيف أطلقت أمريكا المارد الذي يهدد عرشها؟
* list 2 of 2 سيرة ذاتية للنظام الدولي.. من ينقذ العالم قبل القنبلة القادمة؟ end of list

في "كونو-ري" و"واون"، تداخلت الوديان والتلال والدخان والثلج في اختبار بالغ القسوة. تكبد اللواء التركي خسائر كبيرة، وقاتلت وحداته في ظروف شديدة الصعوبة، وواجهت هجمات صينية كثيفة وصلت إلى القتال القريب بالسلاح الأبيض والحراب. ومع ثقل الخسائر، أبطأت مقاومة الجنود الأتراك تقدم القوات الصينية، وأسهمت في فتح مجال أمام وحدات الأمم المتحدة للانسحاب وإعادة ترتيب صفوفها. وهكذا، دخلت الصين إلى وعي الجمهورية التركية من باب الحرب الباردة بوصفها خصما في المعركة الأولى للجنود الأتراك خارج بلادهم منذ تأسيس الجمهورية عام 1923.

"دخلت الصين إلى وعي الجمهورية التركية من باب الحرب الباردة بوصفها خصما في المعركة الأولى للجنود الأتراك خارج بلادهم"

حملت كوريا معنى أبعد من المعركة. فقد صار الطريق التركي إلى الغرب يمر من شرق آسيا. أرسلت حكومة عدنان مندريس جنودها إلى كوريا كي تثبت أن أنقرة حليف موثوق في النظام الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة، وأنها مستعدة لدفع ثمن عسكري مقابل الحصول على موقع داخل المظلة الأمنية الأطلسية. وبعد أقل من عامين، في 18 فبراير/شباط 1952، انضمت تركيا إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو). ومن وقتها، أخذ موقعها الدولي يتحدد من بوابة الناتو، وواشنطن، والتهديد السوفياتي، والجناح الجنوبي للحلف. أما الصين الشعبية، فقد ظهرت في الجهة المقابلة، قوة شيوعية آسيوية تقاتل المعسكر الذي اختارت أنقرة الاصطفاف داخله.

مصدر الصورة مراسم انضمام اليونان وتركيا إلى حلف الناتو في 1 مارس/آذار 1952 (غيتي)

حكاية جمهوريتين

كان هذا الاصطفاف امتدادا لمسار بدأ مع تأسيس الجمهورية عام 1923. فقد اتجهت أنقرة الجديدة إلى بناء دولة قومية حديثة تقيس قوتها بالاعتراف الدولي، وبالمؤسسات، وبنموذج الدولة الأوروبية الحديثة، كجزء من مشروع أراد نقل تركيا من ميراث إمبراطوري مثقل إلى صورة دولة جمهورية مركزية حديثة منضبطة، وقادرة على مخاطبة النظام الدولي بلغته ومفاهيمه.

إعلان

انعكس هذا الاتجاه في السياسة الخارجية. فقد انشغلت الجمهورية في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين بتثبيت نتائج حرب الاستقلال ومعاهدة لوزان، وتسوية الملفات الحدودية، وترتيب العلاقة مع بريطانيا وفرنسا واليونان والاتحاد السوفياتي، ومتابعة ملفات الموصل، والمضائق، ولواء الإسكندرونة (هاتاي)، والبلقان والبحر المتوسط. كانت أنقرة تبني أمنها في دوائر قريبة، وتراقب صعود الفاشية والنازية في ألمانيا وإيطاليا، وصعود اليابان، وتبلور الاتحاد السوفياتي كقوة عالمية، في تحولات قادت إلى الحرب العالمية الثانية بعد وفاة أتاتورك بعام واحد.

في تلك الخريطة، بقيت الصين بعيدة عن مجال الضغط اليومي، حاضرة كدولة آسيوية كبرى تمر بأزمة تحديث وسيادة، لا كطرف مؤثر في قرار أنقرة. ومع ذلك، فتحت الجمهورية بابا رسميا مبكرا مع الصين الوطنية، حين كانت تحت سيطرة القوميين لا الشيوعيين. ففي ربيع عام 1929، وصل خلوصي فؤاد توغاي إلى شانغهاي، ثم مضى إلى نانكين (نانجينغ)، عاصمة الصين آنذاك، بصفة قائم بالأعمال. واستقبله وزير الخارجية الصيني في 10 أبريل/نيسان، ثم أقيمت له مأدبة حضرها وزراء ومسؤولون وقادة عسكريون. تردَّدت في ذلك اللقاء عبارات عن تعاطف الصين حكومة وشعبا مع تركيا، وعن تشابه التجربة بين بلدين خرجا من انهيار إمبراطوري ثقيل، وراحا يبحثان عن دولة حديثة وسط عالم تضغط عليه القوى الغربية واليابان والاتحاد السوفياتي.

"فتحت الجمهورية التركية بابا رسميا مبكرا مع الصين الوطنية، حين كانت تحت سيطرة القوميين لا الشيوعيين"

كان المشهد يحمل رمزية واضحة. فبعد قرون من حضور الصين في الذاكرة العثمانية عبر السلع والحجاج والرحلات، صار للجمهورية التركية موطئ دبلوماسي رسمي في الصين. وافتتحت أنقرة قنوات مع حكومة نانكين، ووقَّعت مع الصين الوطنية معاهدة صداقة عام 1934، وجرى تبادل التمثيل بدرجات متفاوتة. على أن هذا الباب بقي ضيقا، تحكمه المسافة، وضعف المصالح، وقلة التجارة المباشرة، وانشغال الطرفين بأزمات أكثر إلحاحا من بناء شراكة بعيدة.

كانت الصين القومية نفسها مثقلة بصراعاتها، بصعود نظام الكومينتانغ، والحرب الأهلية مع الشيوعيين، ثم الغزو الياباني والحرب الطويلة التي أجبرت حكومة نانكين على نقل مركزها؛ كل ذلك جعل الصين دولة تبحث عن تماسكها الداخلي وسيادتها الخارجية في وقت واحد. وفي المقابل، كانت تركيا تسعى إلى سياسة حذرة، تثبت حدودها، وتستعيد حقها في المضائق عبر اتفاقية مونترو عام 1936، وتوازن بين الأقطاب العالمية.

ثم جاءت الحرب العالمية الثانية وما بعدها ومنحت هذا الاتجاه معنى أمنيا صارما. وخرجت تركيا من الحرب وهي تدرك أن موقعها بين البحر الأسود والبحر المتوسط يجعل الحياد الطويل صعبا، لا سيَّما مع ضغط الاتحاد السوفياتي على المضائق والحدود الشرقية، وصعود الولايات المتحدة قائدا للغرب، وبداية الحرب الباردة. دفعت تلك التغيرات أنقرة إلى الارتباط بالمظلة الأمريكية، ومن ثمَّ دخلت تركيا مدار "مبدأ ترومان" عام 1947، وتلقت المساعدات الأمريكية، ثم صار الانضمام إلى الناتو هدفا إستراتيجيا يحدد وجهة الدولة في النظام الدولي الجديد.

إعلان

على الجانب الآسيوي، كان عام 1949 فاصلا، إذ انتصرت فيه الثورة الشيوعية في الصين، وأعلن ماو قيام جمهورية الصين الشعبية، بينما انسحب القوميون إلى تايوان. بالنسبة إلى تركيا التي كانت تتحرك نحو واشنطن والناتو، ظهرت بكين الجديدة جزءا من العالم الشيوعي الذي أخذت أنقرة تعرف أمنها في مواجهته. ولذلك واصلت تركيا التعامل مع جمهورية الصين في تايوان بوصفها ممثل الصين، وبقيت جمهورية الصين الشعبية خارج الاعتراف التركي الرسمي.

ومنذ الخمسينيات، بقي ملف تركستان الشرقية حاضرا في المجتمع التركي وبعض دوائر النخبة، من دون أن يتحول إلى مدخل واسع نحو الصين. فبعد سيطرة الشيوعيين على شينغيانغ، وصل إلى تركيا رموز للقضية الأويغورية مثل محمد أمين بوغرا وعيسى يوسف ألبتكين، وحملوا خطابا قوميا ودينيا معارضا للحكم الصيني الشيوعي. تردد صدى هذا الخطاب في أنقرة، لكنه بقي ضمن حدود لا تسمح بصياغة سياسة مؤثرة تجاه بكين.

"أقامت تركيا علاقات دبلوماسية رسمية مع جمهورية الصين الشعبية عام 1971"

في الستينيات، بدأت الخريطة الدولية تتغير. فقد ترسخ الانقسام الصيني السوفياتي وأخذت بعض العواصم الغربية تعيد التفكير في موقع بكين، وتقدمت مسألة تمثيل الصين داخل الأمم المتحدة تدريجيا لمصلحة جمهورية الصين الشعبية. أما أنقرة، فبقيت حذرة، محكومة بذاكرة كوريا، وعضويتها الأطلسية، وعلاقاتها مع تايوان، وحساسية ملف الأويغور، وانشغالها بأزمات داخلية وإقليمية أقرب، من انقلاب 1960 وتداعياته إلى قبرص والعلاقة المتوترة مع واشنطن.

وفي عام 1971، فتحت تركيا صفحة جديدة مع بكين، وأقامت العلاقات الدبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية في أغسطس/آب، بعدما اتخذت واشنطن الخطوة نفسها. ثم جاء قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2758 في أكتوبر/تشرين الأول ليعيد مقعد الصين إلى حكومة الصين الشعبية. كان الاعتراف التركي ببكين جزءا من موجة دولية أعادت الصين الشعبية إلى قلب النظام الدولي، وحمل في الوقت نفسه إقرارا بأن آسيا التي بقيت بعيدة عن الأولويات التركية أخذت تفرض نفسها على خرائط السياسة العالمية.

مصدر الصورة وفد جمهورية الصين الشعبية يشغل مقعده رسمياً في الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1971 (المصدر: الأمم المتحدة/ يوتاكا ناغاتا)

موانئ وممرات: على طرفي آسيا

في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، وصل قطار شحن صيني إلى محطة أنقرة، طويلا بما يكفي كي يبدو كأنه قافلة حديثة خرجت من زمن آخر. جاء من شين، مدينة الجدران القديمة والطرق المتفرعة في قلب الصين، عابرا كازاخستان وبحر قزوين وأذربيجان وجورجيا، ثم دخل الأناضول عبر خط باكو تبليسي قارص. في أنقرة، وقف مسؤولون أتراك وصينيون أمام القطار الذي حمل 42 حاوية وامتد أكثر من 800 متر، ثم تابع طريقه إلى إسطنبول، وعبر نفق مرمراي تحت البوسفور، وخرج إلى أوروبا في طريقه إلى براغ.

على سكة حديد واحدة، ظهرت الصين التي ظلت قرونا في الذاكرة العثمانية اسما بعيدا وحريرا وخزفا ورحلات، ثم ظهرت في الجمهورية خصما شيوعيا في كوريا، فإذا بها تعبر قلب تركيا في طريقها إلى أوروبا. أعاد القطار الذي قيل إنه يختصر الرحلة بين الصين وتركيا إلى 12 يوما، ويصل من شيان إلى براغ في 18 يوما، إلى الجغرافيا التركية معنى قديما بلغة جديدة. الأناضول الذي عبرته القوافل صار ممرا للحاويات، والطريق الذي كان زمنا ثقافيا وتجاريا مفتوحا على الأساطير صار جدولا لوجستيا تتحرك عليه السلع في قارات متصلة.

بعد عام واحد، جاءت الصورة من الاتجاه الآخر. في 4 ديسمبر/كانون الأول 2020، انطلق من إسطنبول أول قطار صادرات تركي إلى الصين، محملا بأجهزة منزلية بيضاء داخل 42 حاوية. عبر القطار مرمراي، ثم مضى إلى الأناضول، فمدينة قارص، فجورجيا، فأذربيجان، فبحر قزوين، فكازاخستان، وصولا إلى شيان على مسار يبلغ 8693 كيلومترا، ويمر بقارتين وبحرين و5 دول. بدت أنقرة كأنها تريد أن تقتفي أثر قطار 2019، فالطريق لا يحمل البضائع الصينية إلى أوروبا وحدها، إنما يستطيع أيضا أن يحمل الإنتاج التركي إلى عمق آسيا.

"بين القطارين كان معنى الصين يتغير في الحسابات التركية"

بين القطارين كان معنى الصين يتغير في الحسابات التركية. فبعد عقود من برودة الحرب الباردة واعتراف 1971 الحذر، أخذت بكين تدخل من بوابة أوسع من السياسة التقليدية. فقد فتحت إصلاحات "دنغ شياو بينغ" الاقتصاد الصيني على التصنيع والتصدير، ثم جعل دخول الصين إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001 حضورها في الأسواق العالمية أكثر كثافة. وصارت الصين مصنعا للعالم، ثم قوة تكنولوجية ومالية واستثمارية، تبحث عن الأسواق والموانئ والطرق والمواد الخام وسلاسل الإمداد. وبالنسبة إلى تركيا، التي أعادت منذ الثمانينيات بناء اقتصادها حول الانفتاح والتصدير، صار البعيد الصيني قريبا من كل متجر ومصنع وميناء.

إعلان

تروي الأرقام جانبا مهما من هذا الاقتراب. فقد تجاوز حجم التجارة بين تركيا والصين حاجز مليار دولار عام 2000، ثم أخذ يرتفع حتى تجاوز 50 مليار دولار سنويا. وفي عام 2024، كانت الصين أكبر مصدر للواردات التركية، بقيمة وصلت إلى 44.9 مليار دولار. أما الصادرات التركية إلى الصين فبقيت محدودة قياسا بهذا الحجم، وتتركز غالبا في الرخام والترافرتين وخامات المعادن والرصاص والكروم والنحاس والحديد والزنك. ومن جهتها، تستورد تركيا من الصين الهواتف وأجهزة معالجة البيانات ومعدات الاتصال والآلات والمكونات الصناعية والسلع الإلكترونية.

مصدر الصورة مغادرة أول قطار تصدير تركي إلى الصين في محطة كازليشمي بإسطنبول عام 2020 (الأناضول)

من رحم هذا الاختلال التجاري، خرج خطاب تركي جديد تجاه الصين. لم تعد أنقرة تكتفي بعلاقة تقوم على الاستيراد الواسع، وبدأت تطلب من بكين استثمارات أعمق، وسياحا أكثر، وفتحا أوسع لسوقها أمام المنتجات التركية. وبذلك صارت العلاقة تتحرك بين جذب الاستثمار وحماية السوق، بين الحاجة إلى الصين والخوف من أن تتحول الحاجة إلى اعتماد غير متوازن.

وقد ظهر هذا التوازن الصعب في ملف السيارات الكهربائية. ففي يونيو/حزيران 2024، فرضت تركيا رسوما إضافية بنسبة 40% على السيارات القادمة من الصين، في خطوة قدمتها بوصفها حماية للصناعة المحلية والميزان الجاري. وبعد أسابيع، وقعت أنقرة اتفاقا مع شركة "بي واي دي" الصينية لإنشاء مصنع للسيارات الكهربائية والهجينة في تركيا باستثمار يقارب مليار دولار، وطاقة إنتاجية مخطط لها أن تصل إلى 150 ألف سيارة سنويا، إلى جانب مركز للبحث والتطوير، في إشارة إلى أن السوق التركية ليست ممرا للواردات وحدها، وأن الطريق إليها يجب أن يمر عبر الإنتاج داخل تركيا.

"لم تعد أنقرة تكتفي بعلاقة تقوم على الاستيراد الواسع، وبدأت تطلب من بكين التزامات اقتصادية أوسع"

غير أن قصة "بي واي دي" كشفت حدود الرهان على رأس المال الصيني. ففي يونيو/حزيران 2026، برزت تقارير تفيد بأن الشركة جعلت مصنعها في المجر أولويتها الأولى، وأن مشروع تركيا دخل مرحلة تعليق من دون جدول زمني واضح. وبدا الاستثمار الذي احتفت به أنقرة قبل عامين مثالا على الطبيعة المتقلبة للاستثمارات الصينية. وتقرأ الشركات الصينية تركيا ضمن خريطة أوسع تشمل الاتحاد الأوروبي، وملف الرسوم الجمركية، والمصانع البديلة، وتكاليف الإنتاج، وحسابات النفاذ إلى السوق الأوروبية.

وفي عمق هذه الملفات ثمَّة إطار أكبر هو صراع الممرات. ففي عام 2013، أعلنت الصين مبادرة الحزام والطريق، واضعة السكك الحديدية والموانئ والطرق والمناطق الصناعية في قلب تصورها للعالم. لقد أرادت بكين أن تربط مصانعها وأسواقها وداخلها البعيد بأوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط، وأن تُنوِّع طرق التجارة والطاقة، وأن تستخدم قدرات شركاتها وتمويلها في بناء شبكة تمتد عبر القارات. أما تركيا، فرأت في المبادرة فرصة لإحياء فكرة قديمة في صورة جديدة. فالموقع بين آسيا وأوروبا قد يتحول إلى نفوذ إذا ارتبط بالسكك والموانئ والمراكز اللوجستية.

مصدر الصورة (الممر الأوسط – الجزيرة)

كانت أنقرة تملك تصورا خاصا باسم الممر الأوسط يقوم على ربط تركيا بالصين عبر آسيا الوسطى وبحر قزوين والقوقاز، بعيدا عن الطريق الشمالي المار بروسيا، وبعيدا عن الاعتماد الكامل على المسارات البحرية الطويلة. يبدأ المسار من الصين، ويمر بكازاخستان أو تركمانستان، ثم يعبر بحر قزوين إلى أذربيجان وجورجيا، ومنها إلى تركيا ثم أوروبا. ومع افتتاح خط "باكو تبليسي قارص" في 30 أكتوبر/تشرين الأول 2017، اكتمل ضلع مهم من هذا الحلم، وصار الحديث عن طريق بري عابر من الصين إلى أوروبا عبر تركيا أكثر واقعية.

في نوفمبر/تشرين الثاني 2015، وقعت تركيا والصين في أنطاليا، على هامش قمة مجموعة العشرين، مذكرة تفاهم لمواءمة الحزام والطريق مع الممر الأوسط. وقبلت أنقرة بهذا أن تتقاطع رؤيتها للممرات مع الرؤية الصينية الأوسع، لكنها أرادت لهذا التقاطع أن يعزز موقعها المستقل، لا أن يجعلها تفصيلا صغيرا في خريطة صينية كبرى. ولذلك يتكرر في الخطاب التركي الحديث عن التناغم الطبيعي بين الممر الأوسط والحزام والطريق، وعن الربح المتبادل، وعن تركيا بوصفها قلب الطريق لا حافته.

"قبلت أنقرة أن تتقاطع رؤيتها للممرات مع الرؤية الصينية الأوسع، لكنها أرادت لهذا التقاطع أن يعزز موقعها المستقل"

أعطت الحرب الروسية الأوكرانية منذ عام 2022 أهمية إضافية لهذا الطريق. كان الطريق الشمالي عبر روسيا وبيلاروسيا أحد أبرز مسارات الشحن البري بين الصين وأوروبا. وبعد العقوبات والتوترات والمخاوف المرتبطة بروسيا، بدأ البحث عن بدائل أقل عرضة للمخاطر السياسية، حتى إن كانت أقل نضجا من الناحية التشغيلية. وهنا عادت تركيا تقدم نفسها بوصفها عقدة في طريق لا يمر بروسيا ولا بإيران، ويصل الصين بأوروبا عبر آسيا الوسطى والقوقاز والأناضول.

إعلان

ويظهر نوع من التوتر بين التكامل والتنافس في هذه الحالة. فحين يصل قطار صيني إلى أنقرة في طريقه إلى براغ، تبدو العلاقة مثالا على التكامل. وحين تطلب أنقرة من بكين تقليص العجز التجاري وزيادة الاستثمار، يظهر أن التكامل يحتاج إلى شروط أكثر توازنا. وحين تفرض تركيا رسوما على السيارات الصينية ثم تدعو الشركات الصينية إلى التصنيع داخل أراضيها، تظهر العلاقة كمساومة دائمة على شروط العلاقة الاقتصادية بين البلديْن. وحين تؤكد أنقرة انسجام الممر الأوسط مع الحزام والطريق، فهي تحاول تثبيت معنى ذي دلالة، أن لتركيا مشروعا خاصا داخل الطريق، لا مجرد موقع عبور على خريطة بكين.

أنقرة وبكين.. حذر في زمن الرهانات المتعددة

في 5 يونيو/حزيران 2024، كان وزير الخارجية التركي هاكان فيدان يسير في أورومتشي وكاشغر بولاية شينغيانغ، عند الحافة الغربية للصين، في أرض تحمل داخل الذاكرة التركية اسما أقدم وأكثر حساسية هو تركستان الشرقية. زار فيدان مسجد يانغهانغ والبازار الكبير في أورومتشي، ثم مضى إلى كاشغر. كانت الزيارة أعلى حضور تركي في شينغيانغ منذ زيارة رجب طيب أردوغان للمنطقة عام 2012، حين كان رئيسا للوزراء.

بدت الصور هادئة ومدروسة، لكنها حملت توترا مكتوما في كل تفصيل. وزير تركي في إقليم تعده بكين جزءا من أمنها القومي ووحدة أراضيها، ومدينة يراها الأتراك امتدادا ثقافيا ودينيا لعالم تركي إسلامي واسع. قال فيدان إن كاشغر وأورومتشي مدينتان تركيتان إسلاميتان قديمتان، وتسهمان في الغنى الثقافي للصين. وبهذه الصياغة وضع الوزير التركي قدمه على خيط رفيع، مخاطبا الوجدان التركي والأويغوري، لكن مع وضع عبارته داخل إطار التنوع الثقافي الصيني. كانت الزيارة كلها قائمة على هذا الخيط، رغبة في الاقتصاد والممرات، وحذر من الجرح الذي يرافق كل اقتراب تركي من بكين.

وصل فيدان إلى الصين وفي حقيبته ملفات التجارة والاستثمار والطاقة والسياحة وسلاسل الإمداد والممر الأوسط. وقد أرادت أنقرة توازنا أوسع في تجارة تقترب من 50 مليار دولار، واستثمارات صينية أكبر، والمزيد من السياح، وفتح الباب أكثر أمام المنتجات التركية. غير أن الطريق إلى هذه الملفات يمر دائما قرب شينغيانغ. بالنسبة إلى تركيا، يرتبط الأمر بجماعة تركية مسلمة لها امتداد لغوي وثقافي وديني عميق، وتعيش واحدة من أكبر جالياتها في المنفى داخل الأراضي التركية. وبالنسبة إلى الصين، يرتبط الملف بالسيادة والأمن ومكافحة الانفصالية.

مصدر الصورة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان يزور مدينة كاشغر في مقاطعة شينغيانغ بشمال غرب الصين في 5 يونيو/حزيران 2024 (الأناضول)

ويشرح لنا تاريخ العلاقة الحديثة حساسية هذا الملف. ففي يوليو/تموز 2009، وبعد اضطرابات دامية في أورومتشي، وصف أردوغان ما جرى بأنه "إبادة جماعية"، وأحدث التصريح صدمة في بكين، وسبب توترا كبيرا بين البلدين. وقد ظهرت تركيا يومها في صورة المدافع العلني عن الأويغور، بينما تلقت الصين الخطاب بوصفه مساسا بملف داخلي يقع في صلب سيادتها. ومنذ ذلك التاريخ، صار ملف الأويغور حاضرا في العلاقة بين أنقرة وبكين، يتراجع أحيانا تحت ضغط المصالح، ثم يعود إلى السطح مع كل أزمة.

عاد الجرح نفسه إلى الواجهة في فبراير/شباط 2019، حين انتشر خبر وفاة الشاعر والموسيقي الأويغوري عبد الرحيم هييت داخل سجن في شينغيانغ. وخرجت وزارة الخارجية التركية ببيان شديد اللهجة، تحدثت عن معاناة الأويغور وجماعات مسلمة أخرى، وعن معسكرات اعتقال وممارسات عدتها أنقرة "عارا على الإنسانية". وردت بكين بسرعة، ونشرت مقطعا يظهر فيه هييت حيا، واتهمت تركيا بترديد معلومات خاطئة. كانت الحادثة كاشفة. خبر واحد عن شاعر مسجون أيقظ ذاكرة تركية ودفعها لإصدار بيان، ثم دفع بكين إلى رد دفاعي حاد، وذكَّر الطرفين بأن الاقتصاد يستطيع تهدئة السياسة، لكنه يعجز عن محو الحساسية المتراكمة حول شينغيانغ.

"يعد ملف شينغيانغ الأكثر حساسية في العلاقات التركية الصينية"

بعد تلك الأزمة، أخذت اللغة التركية تميل إلى قدر أكبر من الحذر. بقي الأويغور حاضرين، وانتقل الخطاب من نبرة الإدانة المباشرة إلى مفردات الحقوق الثقافية والدينية والعيش الكريم. وجاء هذا التحول في وقت كانت الصين فيه تنمو اقتصاديا، وكانت تركيا تبحث عن أسواق وتمويل واستثمار ومجال أوسع للمناورة في عالم تتعثر فيه علاقاتها الغربية. لذلك صارت أنقرة تفضل تمرير الرسالة داخل صياغات دبلوماسية محسوبة، تبقي الباب الاقتصادي مفتوحا مع بكين.

يظل هذا التوازن الحساس مصدرا للقلق داخل الجالية الأويغور في تركيا. ففي إسطنبول وأنقرة وقيصري وقونية تعيش عائلات تحمل قصص المفقودين والمعتقلين، وتتحرك جمعيات تراقب كل زيارة وكل اتفاق وكل عبارة تصدر عن أنقرة وبكين. وقد أثار اتفاق تسليم المطلوبين بين تركيا والصين، الموقع عام 2017، نوعا من القلق في الأوساط الأويغورية، وقد صدقت الصين عليه في ديسمبر/كانون الأول 2020، بينما بقي في تركيا من دون تصديق نهائي من البرلمان حتى اليوم.

ازدادت الحساسية في فبراير/شباط 2024، حين أعلنت السلطات التركية توقيف 6 أشخاص يُشتَبَه في تجسسهم لصالح الاستخبارات الصينية على شخصيات وجمعيات أويغورية داخل تركيا، مع البحث عن مشتبه آخر. ونقلت الواقعة ملف الأويغور من حدود شينغيانغ إلى قلب السيادة التركية. فالدولة التي تحاول فتح صفحة اقتصادية أوسع مع الصين وجدت نفسها أمام اتهامات بنشاط استخباري يستهدف جماعة تقيم على أراضيها، وترتبط بالمجتمع التركي بصلات دينية وثقافية، وصار الملف هنا قضية داخلية تركية أيضا، لا ملف خلاف خارجي فحسب.

ثمَّة حد ثان في العلاقات بين البلديْن يرتبط بما تسميه الصين مصالحها الجوهرية. في لقاءات عام 2024، أكدت تركيا التزامها بسياسة الصين الواحدة واحترامها السيادة الصينية، أي أنها أقرت ضمنيا بسيادة الصين على تايوان. وفي القراءة الصينية، تتجاوز هذه العبارة ملف تايوان إلى شينغيانغ والتبت وهونغ كونغ وكل ما تعده بكين جزءا من وحدة الدولة. وأي علاقة مع الصين تمر عبر هذا الباب، فالاستثمارات والموانئ والسيارات والطاقة والممرات تحتاج في نظر بكين إلى ثقة سياسية، وهذه الثقة تبدأ من الاعتراف بخطوطها الحمراء.

"مركز الثقل الإستراتيجي التركي لا يزال مشدودا إلى الأطلسي أكثر من أي اتجاه آخر"

ثم يأتي الغرب بوصفه الحد الثالث. فرغم تعمُّق العلاقة مع الصين، تبقى تركيا عضوا في حلف شمال الأطلسي منذ عام 1952، ومرتبطة أمنيا واقتصاديا بأوروبا والولايات المتحدة، من بنية الجيش، ومنظومات التسليح، والقواعد، والصناعات الدفاعية، إلى التجارة مع الاتحاد الأوروبي، والاتحاد الجمركي، والتمويل، والعقوبات، والطاقة. كل ذلك يجعل الغرب حاضرا في القرار التركي بطريقة لا تستطيع الصين تعويضها. تستطيع أنقرة استخدام العلاقة مع بكين لتوسيع هامشها التفاوضي، وتخفيف اعتمادها على الغرب، وفتح أبواب جديدة للاستثمار والتكنولوجيا، أما مركز الثقل الإستراتيجي التركي، فما زال مشدودا إلى الأطلسي أكثر من أي اتجاه آخر.

في نهاية المطاف، تبدو الصين أقرب إلى تركيا من أي وقت مضى. فقد صارت حاضرة في التجارة اليومية، والسيارات الكهربائية، والطاقة، والموانئ والسكك الحديدية، وحسابات أنقرة مع الغرب، بعد أن كانت خصما صريحا في الخمسينيات، وقبل حوالي قرن مجرد بلد بعيد تحاول إسطنبول الوصول إلى مُسلميه، وتتردَّد في بناء وجود سياسي كامل فيه. بدورها تقترب الصين من تركيا بوصفها قوة كبرى ذات مشروع عالمي، لا بوصفها حليفا سهلا. ومن جهة تركيا، يبدو الاقتراب بحثا عن هامش أوسع في عالم متعدد الأقطاب، لا بحثا عن انتماء جديد يحل محل الغرب. وبين رغبة تركيا في تنويع شراكاتها ورغبة الصين في تشكيل أكبر قدر من الشراكات مع القوى المتوسطة، ينفتح الباب أمام علاقة لم تكشف النقاب عن كل إمكاناتها حتى اليوم.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا إيران أمريكا اسرائيل

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا