خلال القرون الماضية، حققت العديد من الحيوانات شهرة عالمية بفضل المهارات والعروض الترفيهية التي قدمتها. ومن ضمن هذه الحيوانات يذكر التاريخ الفيل جامبو (Jumbo) الذي جاب دولاً عديدة وحظي بتغطية ومتابعة إعلامية أينما حل. والكلب غريفريارس بوبي (Greyfriars Bobby) الذي أصبح مشهوراً بإسكتلندا خلال القرن التاسع عشر، وشيد له تمثال، عقب قضائه نحو 14 عاماً وهو يحرس قبر صاحبه. والقرد ألبرت الأول الذي أرسله الأميركيون للفضاء عام 1948، والكلبة لايكا (Laïka) التي أرسلها السوفييت للفضاء ومثلت أول ثديي يخرج للفضاء ويدور حول الأرض.
ولهذه القائمة، يضاف اسم الحصان هانز الذكي (Clever Hans). فمنذ مطلع القرن العشرين، أبهر الأخير الجميع بعروض فريدة من نوعها أبدى خلالها ذكاء كبيراً لحل العديد من المسائل.
حصان ذكي
منذ ظهورها خلال خمسينيات القرن التاسع عشر، جذبت نظرية التطور لشارل داروين (Charles Darwin) اهتمام وفضول عدد كبير من الأشخاص في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية. من ناحية أخرى، تساءل كثيرون حول المدارك الذهنية والإدراكية للحيوانات، وتحدثوا عن إمكانية تطوير القدرات العقلية لبعضها من أجل جعلها قادرة على حل المسائل بطريقة مشابهة للبشر.
وفي مطلع القرن العشرين، جذب حصان عرف باسم هانز، ولقّب بالذكي، الاهتمام في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية بعد أن تناقلت وسائل الإعلام قصته.
فخلال تلك الفترة، كان الحصان هانز، المولود في حدود العام 1894، مملوكاً لمدرس الرياضيات ومدرب الخيول الألماني فيلهلم فون أوستن (Wilhelm von Osten). وحسب ما تم نقله، كان الحصان هانز الذكي قادراً على حل مسائل الجمع والطرح والضرب والقسمة الرياضية، كما تمكن من معرفة التوقيت والنغمات الموسيقية والإجابة عن الأسئلة التي تطرح عليه.
وحينها، اكتفى هذا الحصان بالنقر بحافره للإجابة. فعلى سبيل المثال، عند تقديم عملية حسابية له، يبدأ الأخير بالنقر بحافره وتوافق إجابته عدد النقرات التي يقوم بها. وإذا قدمت له سؤالاً ووضعت أمامه الإجابة ضمن مجموعة من الصور، يكتفي هانز بالوقوف والنقر أمام الصورة التي تحمل الإجابة.
شهرة عالمية
قدم فيلهلم فون أوستن عروضاً مجانية رفقة حصانه هانز في مختلف أرجاء ألمانيا. وفي الأثناء، جذبت عروضه عدداً كبيراً من المتابعين الذين ذهلوا من المدارك العقلية لذلك الحصان. وقد نشرت العديد من الصحف العالمية مقالات حول الحصان هانز الذكي مساهمة بذلك في تحوله لشخصية مشهورة.
من جهة ثانية، أثار ذلك الحصان فضول العديد من العلماء الذين أقبلوا لدراسته وفهم كيفية حصوله على النتائج. ولسنوات، بحث العلماء، دون جدوى، عن حيلة أو طريقة للغش يقوم بها فيلهلم فون أوستن لتدليس عروضه.
كشف سر الحصان هانز
وفي تجاربه، لجأ بفونغست لتقنيات تضمنت عزل الحصان عن المتفرجين واعتماد أشخاص آخرين، على غرار فيلهلم فون أوستن، لطرح الأسئلة وتغطية عيني الحصان بشكل جزئي مما يسمح له فقط بمشاهدة السائل والاعتماد على أشخاص لا يعرفون الإجابات لطرح الأسئلة.
وعقب جملة من التجارب، تيقن أوسكار بفونغست من عدم وجود أي تزوير حيث كان الحصان هانز قادراً على الإجابة حتى عند تغيير السائل وإبعاد مدربه فيلهلم فون أوستن. من ناحية أخرى، لم يتمكن هانز من تقديم الإجابات إلا في حالة إدراك السائل للإجابة كما احتاج هذا الحصان لمشاهدة السائل للإجابة بشكل صحيح.
وعبر هذه التجارب، استنتج أوسكار بفونغست أن الحصان هانز يراقب بدقة تحركات وإيحاءات جسم السائل للإجابة. فعند منحه عملية حسابية، يباشر الحصان بالنقر. وعندما يبلغ الإجابة الصحيحة يلاحظ الأخير بعض التقلبات والحركات بجسم السائل فيتوقف عن النقر، مقدماً بذلك الإجابة الصحيحة.
وعقب هذه التجربة، برز مصطلح تأثير هانز الذي يقدم بموجبه المدرب بعض الإشارات، دون قصد أحياناً، لحيوان لجعله يبدو أكثر ذكاء.
من جهته، رفض فيلهلم فون أوستن، رفقة العديد من الأشخاص، هذه النتائج واتجه لمواصلة عروضه التي جذبت المزيد من المشاهدين.
ومع وفاة فيلهلم فون أوستن سنة 1909، انتقلت ملكية الحصان هانز بين العديد من الأشخاص قبل أن ينقل للمشاركة لجانب الجيش الألماني بالحرب العالمية الأولى. وفي هذه الحرب، قتل ذلك الحصان سنة 1916. وبينما تحدث البعض عن إصابته بإحدى المعارك، أكد آخرون قتله وأكله من قبل جنود ألمان جائعين.
المصدر:
العربيّة