في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
أكدت آمي بيك، المؤسسة والرئيسة التنفيذية لشركة "إنديوفر في آر" (EndeavorVR)، أن العالم يعيش مخاض الانتقال من "العوالم الافتراضية" المنعزلة إلى عصر "الحوسبة المكانية" (Spatial Computing) الشامل.
وأوضحت بيك، في مقابلة حصرية مع الجزيرة نت على هامش قمة الويب قطر 2026 التي اختتمت الأربعاء، أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة برمجية، بل هو المعماري الجديد الذي يعيد صياغة علاقتنا بالفضاء الرقمي والواقعي على حد سواء.
وتعد آمي بيك واحدة من أبرز الوجوه المؤثرة عالميا في مجال التقنيات الناشئة، فهي خبيرة استراتيجية متخصصة في الحوسبة المكانية والذكاء الاصطناعي والميتافيرس، وتشغل عضوية العديد من المجالس الاستشارية التقنية، وتُعرف برؤيتها الاستشرافية التي تدمج بين الجانب التقني الصرف والاحتياجات السلوكية والإنسانية، مما جعلها متحدثة رئيسية في أكبر المحافل التكنولوجية العالمية ومن ضمنها "قمة الويب".
تحدثت بيك للجزيرة نت عن معضلة "الأجهزة القابلة للارتداء"، مشيرة إلى وجود مفارقة ساخرة في تسمية النظارات السابقة بهذا الاسم، إذ لم تكن صالحة للارتداء الفعلي لفترات طويلة. وأثنت بيك على توجه شركة "ميتا" الأميركية الأخير، التي تخلت عن فكرة تصغير أجهزة "ميتا كويست برو" الضخمة، واتجهت بدلا من ذلك لعقد شراكة مع "لوكسوتيكا" لإنتاج نظارات من طراز "واي فيرر" (Wayfarers) عصرية يرغب الناس في ارتدائها.
هذا التحول، بحسب بيك، يعكس توجها تقنيا جديدا يعطي الأولوية لـ "الشكل الخارجي" وراحة المستخدم، مما يضمن دمج التقنية في الحياة اليومية دون أن تكون عائقا جسديا، والهدف النهائي هو تمكين البشر من البقاء متصلين بهواتفهم دون الحاجة للنظر إلى الشاشات طوال الوقت.
وفي الجانب السلوكي، لفتت بيك إلى أن المصنعين يركزون حاليا على فهم ما يريده الناس من النظارات الذكية، مشيرة إلى أن شركة آبل تعد رائدة في فهم كيفية تفاعل المستخدمين بحدسهم مع الأجهزة، وأنها عندما تطرح نظاراتها ستراقب التفاعل العضوي للمستخدمين مع الشاشات الرقمية لدمج ذلك في حزم تطوير البرمجيات، مما يساعد المطورين على استخدام واجهات مستخدم موحدة يفهمها الجميع بشكل طبيعي.
وأضافت أن مصنعين الأجهزة يحتاجون إلى العمل بسرعة لتطوير هذه التقنيات وجعلها أخف وزنا وأسهل في الاستخدام، نظرا لعدم وجود قاعدة مستخدمين كبيرة بما يكفي حاليا لفهم آليات التفاعل بشكل كامل.
وأوضحت بيك أن التحول نحو الحوسبة المكانية يؤدي إلى إعادة تعريف مفهوم الحضور في العالمين الحقيقي والافتراضي، حيث جعلت الأجهزة الحالية الحضور في العالم الحقيقي أكثر صعوبة بسبب التشتت المستمر، وأن الحوسبة المكانية تسعى لتحرير الناس من المشتتات، إذ لن يضطر المستخدم للنظر إلى هاتفه باستمرار، بل يمكنه تلقي إشعارات عبر النظارة والرد عليها سريعا بلمسة واحدة أو عبر الإيماءات.
لكن بيك أثارت نقطة في غاية الأهمية للجزيرة نت، وهي "انكسار الحضور" نتيجة الصدام الثقافي. وأوضحت أن تقنيات الحوسبة المكانية قد تنجح تقنيا لكنها قد تفشل اجتماعيا إذا لم تحترم خصوصيات المستخدمين؛ فهناك دول ترفض الكاميرات التي تعمل دائما (Always-on cameras)، ومجتمعات قد لا تتقبل بعض "إيماءات اليد" المستخدمة للتحكم في الأجهزة، مؤكدة أن "الحضور الرقمي" ينتهي فور انتهاك معيار ثقافي محلي، مما يتطلب بناء أطر حوكمة وهياكل تنظيمية لحماية الأشخاص والبيانات المسجلة.
وعن قدرات الذكاء الاصطناعي التوليدي، كشفت بيك أننا لم نعد بعيدين عن مرحلة يبني فيها المستخدم العادي عالمه الخاص عبر "أوامر لغوية طبيعية"، لكن التقنية لا تزال في مراحلها الأولى وتحتاج مزيدا من التطوير.
وفي سياق مؤسسي وصناعي، رسمت بيك صورة مذهلة للمستقبل؛ حيث يمكن للمصمم بناء خط إنتاج مصنع كامل بصوته فقط، واختبار "مسارات بيئة العمل" قبل التنفيذ، كأن يسأل النظام: "هل سيتمكن عامل بخصائص جسدية معينة من إصلاح هذا الجزء؟".
هذه العملية، وفقا لبيك، لن تسرع الإنتاجية فحسب، بل ستفجر أفكارا إبداعية كانت مخنوقة في السابق بسبب محدودية سرعة أدوات التصميم التقليدية، مما يغير جوهر الصناعة الرقمية بالكامل.
وفيما يتعلق بالمنطقة، أكدت بيك لـ الجزيرة نت أن دولة قطر تمتلك انطلاقة مسبقة بفضل بنية تحتية رقمية بُنيت على مدار أكثر من عقدين، مما يمنح قطر والمنطقة تفوقا في التحول من مستهلك للتقنية إلى مصدر عالمي ومبتكر للمحتوى الغامر.
وقالت إن المنطقة تتميز بالمرونة في بناء هياكل حكومية تمكن الابتكار وتجذب الشركات الناشئة، مع وجود برامج مكثفة لدعم رواد الأعمال، وهو أمر حيوي في ظل سباق الذاء الاصطناعي العالمي.
واقترحت بيك استراتيجية تعتمد على ربط "المراكز الرقمية الصغيرة" لاكتساب قوة عالمية، مشيرة إلى أن الأمن السيبراني هو الساحة الأبرز لهذا التعاون. وأوضحت أن مشاركة بيانات "الشذوذ السيبراني" التي تجمعها الحكومات بشكل جماعي ستخلق "ذكاءً جمعيا" قادرا على صد الهجمات قبل وقوعها، معتبرة أن هذا التعاون أهم من التنافس التجاري الضيق.
وفي ختام حديثها، أكدت بيك تزايد المخاوف بشأن استغلال البيانات البيومترية (الحيوية) للمستخدمين محذرة من انتهاكات الخصوصية المحتملة وخاصة من "الكاميرات الموجهة للداخل" التي تراقب حركة بؤبؤ العين وتفاعلاته اللاإرادية مع المحفزات، وهو ما قد يسمح للمعلنين بالتلاعب بنقاط الضعف النفسية للمستخدمين.
ولاستعادة "الوكالة" أو السيطرة على الحياة الخاصة، طرحت بيك عبر الجزيرة نت رؤية تقنية طموحة تعتمد على:
وأنهت آمي بيك حديثها بالتأكيد على تفاؤلها بالمستقبل، مشددة على ضرورة وضع حجر الأساس لهذه التنظيمات "الآن" قبل أن يفلت زمام البيانات من يد البشر.
يشار إلى أن "إنديوفر في آر" تعتبر شركة استشارية رائدة تتخذ من الولايات المتحدة مقرا لها، وهي متخصصة في صياغة استراتيجيات الواقع المعزز (AR) والواقع الافتراضي (VR) والحوسبة المكانية للمؤسسات والشركات الكبرى، وتركز على سد الفجوة بين التكنولوجيا المتقدمة وبين تطبيقاتها العملية في قطاعات الصناعة والتعليم والخدمات من خلال تقديم حلول تهدف إلى تحسين الكفاءة والإنتاجية وتبني أدوات الجيل القادم من التحول الرقمي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة