لم يعد مستقبل استكشاف المريخ مرتبطا فقط بالوصول إلى سطحه، بل أيضا بامتلاك شبكة اتصالات قادرة على نقل كميات ضخمة من البيانات بين المركبات العاملة هناك والأرض.
ولهذا اختارت وكالة الفضاء الأمريكية ( ناسا) شركة "بلو أوريجن" لتطوير قمر اتصالات مداري جديد بقيمة 700 مليون دولار، في خطوة تستهدف إنشاء بنية تحتية دائمة للاتصالات والملاحة حول المريخ، ودعم المهمات الحالية والمستقبلية، بما فيها الاستعداد لمهمات بشرية قد تبدأ في أواخر ثلاثينيات القرن الحالي أو أوائل أربعينياته.
وأعلنت ناسا اختيار شركة الفضاء التي أسسها جيف بيزوس لتنفيذ مشروع "شبكة الاتصالات المريخية" (Mars Telecommunications Network)، الذي كان يُعرف سابقا باسم "مسبار اتصالات المريخ". ومن المقرر أن تكون الشبكة جاهزة للعمل حول الكوكب الأحمر بحلول عام 2030، على أن تسلم "بلو أوريجن" المركبة إلى ناسا في موعد أقصاه 31 ديسمبر/كانون الأول 2028.
وتستخدم ناسا حاليا مركبتي "مارس أوديسي" و"مارس ريكونيسانس أوربيتر" لهذا الغرض، إضافة إلى مساهمة مركبتي "مارس إكسبريس" و"تريس غاز أوربيتر" التابعتين لوكالة الفضاء الأوروبية.
لكن هذه المركبات تتقدم في العمر، كما أن الاعتماد عليها وحدها قد يصبح أكثر صعوبة مع زيادة عدد المهمات على سطح المريخ.
توفرت أموال المشروع بعد إقرار الكونغرس الأمريكي في يوليو/تموز 2025 ميزانية تضمنت 700 مليون دولار لمركبة اتصالات مريخية. وفي فبراير/شباط 2026 حددت ناسا متطلبات المركبة، ثم طرحت طلبات المنافسة في مايو/أيار من العام نفسه.
وكانت "بلو أوريجن" وشركة "روكيت لاب" (Rocket Lab) من أبرز المتنافسين على العقد، قبل أن تختار ناسا شركة "بيزوس" لتنفيذ المشروع. وستبني "بلو أوريجن" المركبة اعتمادا على منصة "بلو رينغ" (Blue Ring)، وهي مركبة فضائية تعتمد على الدفع الكهربائي الشمسي إلى جانب الدفع الكيميائي، بما يمنحها قدرة كبيرة على المناورة والمرونة وحمل المعدات.
ولم تختبر منصة "بلو رينغ" بعد في مهمة تشغيلية كاملة، لكن نموذجا أوليا منها وصل إلى الفضاء خلال الرحلة الأولى لصاروخ "نيو غلين" (New Glenn) التابع لـ"بلو أوريجن" في يناير/كانون الثاني 2025. وبموجب العقد، ستتولى الشركة تصميم المركبة وتطويرها ودمجها وإطلاقها وتشغيلها.
تكمن أهمية المشروع في أنه يمثل انتقالا من الاعتماد على مركبات علمية قديمة لتوفير الاتصالات إلى إنشاء بنية تحتية مخصصة لخدمة الاستكشاف المريخي. ومع تزايد المركبات والمهمات على الكوكب، ستصبح القدرة على إرسال الأوامر واستقبال الصور والبيانات العلمية بسرعة وموثوقية أكثر أهمية، خصوصا مع التحضير لمهمات بشرية مستقبلية.
وهكذا لا تستهدف ناسا بالمركبة الجديدة اكتشاف أسرار المريخ مباشرة، بل بناء "الطريق الرقمي" الذي يسمح للعلماء والمركبات باستكشافه بكفاءة أكبر.
وفي النهاية، يوضح هذا المشروع أن استكشاف العوالم البعيدة لا يعتمد على الصواريخ والمركبات وحدها، بل يحتاج أيضا إلى بنية اتصالات متطورة تربط الإنسان بآلاته عبر ملايين الكيلومترات. فكل خطوة نحو المريخ هي في الوقت نفسه استثمار في العلم والمعرفة، وفي قدرة الإنسان على الاستكشاف والوصول إلى عوالم جديدة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة