في خطوة غير معتادة في التواصل السياسي الرقمي، أطلق البيت الأبيض الأمريكي قسما جديدا للألعاب الإلكترونية على موقعه الرسمي، مستعينا برسوم وأسلوب ألعاب الأركيد الكلاسيكية لتقديم رسائل مرتبطة بأجندة الرئيس دونالد ترمب.
لكن لعبة تحمل اسم "بناء الجدار " (Build the Wall) سرعان ما وجدت نفسها في قلب جدل يتعلق بحقوق الملكية الفكرية، بعدما بدت آلية لعبها شبيهة بصورة واضحة بلعبة "تيتريس" (Tetris)، في حين أكدت شركة تيتريس أنها لم تشارك في تطويرها ولم تمنح الإذن باستخدام علامتها التجارية أو ملكيتها الفكرية.
وكشف البيت الأبيض، بداية الشهر الحالي، عن قسم "أركيد " (Arcade) الذي يضم 5 ألعاب إلكترونية منخفضة الدقة، صممت بأسلوب يحاكي ألعاب الفيديو القديمة، مع ربط كل لعبة بأحد الملفات أو السياسات التي تروج لها إدارة ترمب، ويأتي إطلاق هذه الألعاب في إطار توجه أكثر اعتمادا على الوسائط الرقمية والثقافة الشعبية للوصول إلى الجمهور وتقديم الرسائل السياسية بطريقة تفاعلية.
وتشمل المجموعة لعبة "بناء الجدار "، المستوحاة من آلية ألعاب ترتيب الكتل المتساقطة (Tile-matching Puzzle Games)، ولعبة "هروب ريو " (Rio Run) التي تشبه لعبة "الثعبان " (Snake)، إلى جانب "خط الإمداد " (Supply Line) المرتبط بسياسات الغذاء الصحي في المدارس، ولعبة "فلابي بيل " (Flappy Bill) التي تستلهم أسلوب لعبة "فلابي بيرد " (Flappy Bird)، ولعبة "تايكون مدخرات ترمب " (Trump Savings Tycoon) التي تروج لبرنامج "حسابات ترمب " (Trump Accounts) للادخار، كما يظهر على المنصة إعلان عن لعبة سادسة مرتقبة.
أكثر الألعاب إثارة للجدل كانت "بناء الجدار "، إذ تعتمد على فكرة إسقاط كتل متشابهة وترتيبها لبناء حاجز على الحدود الأمريكية المكسيكية، وهي آلية ترتبط في الذاكرة الجماعية بلعبة "تيتريس " الشهيرة.
وتقدم اللعبة الفكرة في قالب سياسي مباشر، إذ يتعين على اللاعب استخدام الكتل لبناء الجدار وحماية الحدود من موجة توصف داخل اللعبة بأنها حصار من الزومبي، وعندما يفشل اللاعب في إبقاء الحاجز قائما، تظهر رسالة تفيد باختراق الحدود.
ورغم أن اللعبة لا تحمل اسم "تيتريس "، فإن التشابه في طريقة اللعب وشكل القطع جعلها مرتبطة مباشرة باللعبة الشهيرة، وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات بشأن استخدام عناصر محمية بحقوق الملكية الفكرية.
لم يتأخر رد شركة تيتريس التي أكدت أنها لم تكن طرفا في إنشاء لعبة "بناء الجدار "، وأنها لم تمنح البيت الأبيض ترخيصا لاستخدام علامتها التجارية أو ملكيتها الفكرية في اللعبة.
وقالت الشركة إنها تتعامل بجدية مع قضايا انتهاك حقوق الطبع والنشر، وإنها تراجع المسألة، كما شددت على أن فلسفة "تيتريس " تقوم على التواصل وجمع الناس، وليس تقسيمهم، في موقف بدا أيضا بمثابة نأي واضح عن الرسالة السياسية المرتبطة باللعبة الجديدة.
ولم تعلن الشركة، حتى الآن، عن إجراء قانوني محدد ضد البيت الأبيض، كما لم يتضح ما إذا كانت ستطلب إزالة اللعبة أو اتخاذ خطوات أخرى بعد انتهاء مراجعتها للمسألة.
لا يقتصر الجدل على حقوق الملكية الفكرية، فالمحتوى السياسي للألعاب أثار بدوره انتقادات واسعة، ففي لعبة "هروب ريو "، يتحرك اللاعب على طول نهر ريو غراندي بهدف منع شخصيات تمثل مهاجرين من عبور الحدود، بينما تستخدم اللعبة لغة مرتبطة بسياسة الترحيل والهجرة التي تتبناها إدارة ترمب.
أما لعبة "خط الإمداد "، فتقدم لعبة بأسلوب ألعاب الأركيد القديمة، يتحرك فيها الطعام على خط إنتاج، وعلى اللاعب فرز المنتجات وفق معايير مرتبطة بشعار الإدارة اجعل أمريكا صحية مرة أخرى .
وفي لعبة "تايكون مدخرات ترمب "، يجمع اللاعب الأموال بهدف تمويل حسابات الادخار الخاصة بالأطفال، في إشارة إلى برنامج "حسابات ترمب ".
يرى منتقدون أن ما حدث يتجاوز مجرد إطلاق ألعاب ترفيهية، إذ يستخدم البيت الأبيض آليات مألوفة من ألعاب الفيديو لتقديم قضايا سياسية معقدة في صورة مبسطة وتفاعلية، وقد اعتبرت بعض التغطيات أن المبادرة تمثل انتقالا من استخدام لغة الألعاب والميمات في التواصل السياسي إلى توظيف اللعبة نفسها كوسيلة للرسائل السياسية.
وفي المقابل، فإن اعتماد ألعاب مستوحاة من أعمال معروفة يفتح سؤالا آخر حول الحدود الفاصلة بين الاقتباس والمحاكاة من جهة، وانتهاك حقوق الملكية الفكرية من جهة أخرى، فالتشابه في فكرة اللعب وحدها لا يعني بالضرورة وقوع انتهاك قانوني، لكن استخدام عناصر بصرية أو أسماء أو شيفرات برمجية أو أصول محمية قد يثير مسائل قانونية تختلف باختلاف طبيعة الاستخدام.
وتكتسب القضية حساسية إضافية بسبب كون المنصة تابعة للبيت الأبيض، ما يجعل أي نزاع محتمل بشأن الملكية الفكرية أكثر لفتا للانتباه من نزاع مماثل يتعلق بمطور ألعاب مستقل.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة