اختتم مؤخراً معرض ومؤتمر " غيمزكوم Gamescom " الدولي والذي يعد الأكبر والأهم من نوعه في العالم، والمخصص لعرض الألعاب الإلكترونية المنتظر طرحها في الأسواق إلى جانب أحدث التقنيات في هذا المجال ومنها استخدامات الذكاء الاصطناعي.
في نسخته التي أقيمت في كولونيا بين 26 إلى 30 أغسطس/آب 2026، بدا معرض غيمزكوم أشبه بمؤشر سنوي على صحة صناعة الألعاب العالمية، فقد تحول المعرض إلى منصة كبرى تجمع المطورين والمستثمرين مع الجمهور المتعطش لكل جديد في هذا القطاع.
وجاءت نسخة هذا العام في ظل تحديات متزابدة تواجه الصناعة، فيبنما يواصل السوق العالمي نموه، ترتفع تكاليف التطوير والإنتاج، ويتباطأ استقطاب مستخدمين جدد بأعداد كافية، فيما يسارع استخدام الذكاء الاصطناعي. وتفرض هذه المتغيرات ضغوطا متزايدة تضغط على الشركات والوظائف ونماذج العمل في القطاع.
قبل الافتتاح، أعلنت شركة المعرض "Koelnmesse" المنظمة للمعرض في مدينة كولونيا بالتعاون مع اتحاد صناعة الألعاب الألماني حجز كامل المساحة المتاحة المخصصة للحدث للمرة الأولى والتي تبلغ 233 ألف متر مربع، لتسع لأكثر من 1600 عارض من 67 دولة، يشكل المشاركون من خارج ألمانيا نحو 70% منهم. كما ارتفع عدد الأجنحة الوطنية أو الجماعية إلى 47 جناحًا تمثل 40 دولة، فيما ضمت منطقة الألعاب المستقلة أكثر من 420 شركة، بزيادة 16% مقارنة بالعام الماضي.
واستقطب المؤتمر والمعرض أكثر من 1100 مشارك، وسجل رقمًا قياسيًا، بمشاركة 165 خبيرًا في 85 فعالية على ثماني منصات. وتمحورت النقاشات حول "الديمقراطية كساحة لعب" و"أثر الألعاب"، واستخدامها في التعليم والثقافة والاقتصاد والعلوم، إلى جانب الذكاء الاصطناعي، والألعاب الشاملة، ومكافحة الجرائم الإلكترونية في المدارس. ومع بدء المعرض ، ارتفع الرقم المعلن إلى أكثر من 1700 عارض إثر تسجيل مشاركات إضافية ضمن الأجنحة الجماعية. وترافق ذلك مع نفاد تذاكر المعرض، في مؤشر على قوة الطلب الجماهيري، وليس فقط على حجم السوق التجاري.
وفي نسخة هذا العام، واصل Gamescom توسعه حيث تحول المعرض إلى منصة تجمع بين الأعمال والمعرفة إلى جانب الترفيه. فقد استضاف مؤتمر المطورين أكثر من 380 متحدثًا في 230 جلسة على 18 منصة، مع مساحات مخصصة للرسوم المتحركة وتصميم مراحل الألعاب واستخدامات الذكاء الاصطناعي في أسلوب اللعب وفي الإنتاج.
كما جمعت فعالية Invest Circle شركات الألعاب ومختبرات الدعم والتطوير، والشركات الناشئة بالمستثمرين والناشرين، بينما أتاحت فعالية " Gamescom biz " لرواد الأعمال فرصا للتواصل مع مختلف الجهات الفاعلة في القطاع.
شهدت نسخة 2026 تطوراً لافتاً، إذ افتتح الرئيس الألماني فرانك-فالتر شتاينماير المؤتمر في 27 أغسطس 2026، في أول زيارة لرئيس ألماني إلى أكبر فعالية للألعاب في العالم. وبعد كلمته، شارك في نقاشين حول دور ألعاب الفيديو في الديمقراطية، ثم تجوّل في المعرض والتقى مطورين وأفرادًا من مجتمع اللاعبين.
وقال شتاينماير إن الألعاب الرقمية، "في الإجمال مسألة ذات أهمية ثقافية ، ولذلك فهي مهمة أيضًا لديمقراطيتنا". ووصف الرئيس الألماني الألعاب الالكترونية بأنها تتجاوز كونها مجرد وسيلة للترفيه، حيث يمكنها أن تساعد في إدارة ضغوط الحياة اليومية، وتقاوم الوحدة، وتنمي مهارات معرفية، وتنقل معرفة تاريخية وتعمق التربية المدنية، كما تدفع اللاعبين إلى التفكير في القيم والقواعد واللعب النزيه.
وشدد شتاينماير على ضرورة التعامل الصريح والمتوازن مع مخاطر إدمان الألعاب، والعنف، والعنصرية، والتمييز الجنسي، والأفكار المعادية للمجتمع والتطرف، ما يضع صناعة الألعاب أمام مسؤولية مزدوجة: الدفاع عن إمكاناتها الثقافية والاجتماعية، وعدم تجاهل آثارها السلبية أو المحتوى الذي قد يضر بالجمهور الشاب.
ومع اتساع نطاق استخدام الذكاء الاصطناعي في الكثير من المجالات، كان لا بُد من وجوده في غيمسكوم بشكل أو بآخر. ويمكن لتقنيات الذكاء الاصطناعي أن تختصر الوقت الذي يستهلك في أعمال متكررة خلال عملية البرمجة وما قبل الإنتاج، وتساعد الاستوديوهات الصغيرة على إنجاز ما كان يحتاج إلى فرق أكبر.
ومن جهة أخرى، يخشى المطورون واللاعبون إغراق الأسواق بمحتوى مولد آليًا يصعب تمييزه أو اكتشاف الجيد منه، وبحسب استطلاع لشركة Quantic Foundry فإن 85% من المستجيبين كانت مواقفهم من الذكاء الاصطناعي التوليدي وخصوصاً في قطاع الألعاب سلبية أو أقل من الحياد.
يخشى المطورون واللاعبون إغراق الأسواق بمحتوى من الألعاب منتج كلياً بواسطة الذكاء الاصطناعي يصعب تمييزه أو اكتشاف الجيد منهصورة من: Marc John/Bonn.digital/picture allianceولا يقتصر تأثير الذكاء الاصطناعي في قطاع الألعاب على الجوانب التقنية فحسب، بل يمتد إلى الاقتصاد أيضا. فقد أدى الطلب المتزايد على رقائق الذاكرة ومراكز البيانات المستخدمة في الذكاء الاصطناعي إلى ارتفاع أسعار بعض مكونات الحواسيب، فيما أصبحت أجهزة الألعاب وترقيات الحاسوب أكثر تكلفة في مرحلة كان المعتاد فيها أن تنخفض الأسعار بمرور الوقت. ويضاف إلى ذلك ضغط التسريح من العمل والمنافسة الشديدة على جذب انتباه اللاعبين. لذلك بدا التركيز في Gamescom 2026 منصبًا على أدوات إنتاج أكثر كفاءة، لكن مع تشديد أكبر على واقعية اللعبة وجودة التجربة وعدم التضحية بثقة الجمهور، بحسب ما أكده مشاركون من مجتمع الأعمال وزوار لـDW عربية.
وفي هذا العام، منح المؤتمر مساحة أكبر للاستوديوهات المستقلة من خلال وجود أكثر من 420 شركة في منطقة الـ indie للعارضين. ووفق بيانات اتحاد الصناعة الألماني، يلعب نحو 17 مليون لاعب في ألمانيا ألعابًا مستقلة، فيما يقدر اللاعبون أكثر ما يميزها بالأفكار الإبداعية لأسلوب اللعب، ثم القصص والهوية البصرية.
كان الحضور السعودي الأبرز عبر "ام بي سي جيم ستوديو MBC Game Studio"، الذي كشف في حفل الافتتاح عن أول ألعابه: 1001 Threads of Mizan . وأعلنت مجموعة ام بي سي، في بيان لها ، أن اللعبة مغامرة "أكشن"وفانتازيا مستوحاة من حكايات "ألف ليلة وليلة"، وتجمع بين الاستكشاف والقتال واسع النطاق واللعب التعاوني لثلاثة لاعبين.
تقوم الفكرة المحورية على سجادة طائرة تتيح التنقل جوًا وأرضًا، ومواجهة مخلوقات ضخمة من الجن، ضمن عالم فريد وغريب. ويقود اللاعبين الراوية "شهرزاد" وثلاثة أبطال هم يسرى ومالك وسفيان، في مهمة لاستعادة قوة "الميزان" ومواجهة ملك جن قديم.
إحدى شركات إنتاح ألعاب الفيديو السعودية تعرض لعبتها Pizza Knight في جناح المملكة صورة من: Emad Hassan/DWوقدمت ام بي سي في المعرض نسخة Pre-alpha قابلة للتجربة، تتضمن معركة مع الكائن الخرافي Nazjush ، بينما لم تعلن بعد موعد الإصدار. ولا تزال اللعبة قيد التطوير لمنصات PlayStation 5 و Xbox Series X/S و Nintendo Switch 2 والحاسوب المكتبي.
يقول المسؤولون عن جناح السعودية في المعرض إن شركة نيوم تدعم عدداً غير قليل من شركات إنتاج ألعاب الفيديو السعوديةصورة من: Emad Hassan/DWويرى خبراء في مجال الألعاب الإلكترونية أن اللعبة تعكس انتقال الاستثمار السعودي في الألعاب من تمويل الأصول والصفقات إلى بناء استوديو وابتكار ملكية فكرية جديدين. ويتأكد هذا الاتجاه اقتصاديًا من صفقة استحواذ صندوق الاستثمارات العامة وشركائه على شركة Electronic Arts -EA - وهي إحدى أكبر شركات تطوير ونشر ألعاب الفيديو في العالم - بقيمة 55 مليار دولار، وهي الصفقة التي حصلت على موافقة الاتحاد الأوروبي في يوليو، وأصبحت جزءًا من توسع الصندوق في الألعاب والرياضة.
اختارت قطر في Gamescom 2026 صيغة مختلفة لحضورها في المعرض وأنشأت جناح قطر" (Qatar Pavilion) كمساحة جامعة، نظّمته هيئة الاستثمار الحكومية " Invest Qatar " بالشراكة مع قطر ميديا سيتي " Media City Qatar " للترويج للدوحة كمركز إقليمي لتطوير الألعاب والمحتوى الرقمي والرياضات الإلكترونية. وكان الرهان على جذب الاستثمار والشراكات، وربط الشركات المحلية بالناشرين والمستثمرين.
ضم الجناح ست شركات قطرية ما بين شركات مطورة للألعاب وأخرى ناشرة لها وشركات لألعاب الهاتف والرسوم المتحركة. ويقول المسؤولون عن الجناح إن بعض الشركات المنتجة للألعاب تجاوز عدد التنزيلات لها عشرة ملايين عملية تنزيل عالميًا.
ضم الجناح ست شركات قطرية ما بين شركات مطورة للألعاب وأخرى ناشرة لها وشركات لألعاب الهاتف والرسوم المتحركةصورة من: Emad Hassan/DWوتبرز في المشاركة القطرية محاولة معالجة فجوة لغوية وثقافية، ذلك أن أكثر من 400 مليون متحدث بالعربية يمثلون سوقًا واسعة، بينما لا يزال المحتوى العربي للألعاب محدودًا على المنصات العالمية. لذلك قدمت الدوحة نفسها كبوابة إلى سوق شابة عالية الاستخدام، مستفيدة من الملكية الأجنبية الكاملة، وتسريع التراخيص، والبنية الرقمية، وحوافز تأسيس الشركات.
ووفق قطر ميديا سيتي، لم تقتصر حصيلة المشاركة على العروض، فقد عقد المؤسسون لقاءات مع ناشرين ومستثمرين ومزودي تقنية، بحثًا عن تمويل وتوزيع وتعاون طويل الأمد.
وقالت وكالة الأنباء القطرية إن Invest Qatar و Media City Qatar اختتمتا مشاركتهما بعد أن جذب الجناح اهتمام شركات ومطورين وناشرين ومستثمرين دوليين. وركزت اللقاءات على تطوير الألعاب والنشر والتعريب والرياضات الإلكترونية والإعلام التفاعلي، فيما أكدت الجهات المنظمة أن المشاركة تستهدف أيضًا تنمية المواهب وثقافة الألعاب والتفاعل المجتمعي، وليس جذب الاستثمار وحده.
سجل المغرب أول مشاركة رسمية له في Gamescom عبر جناح وطني مساحته 102 متر مربع، قادته الوكالة المغربية لتنمية الاستثمارات والصادرات AMDIE بالشراكة مع وزارة الشباب والثقافة والتواصل. وضم الوفد ممثلين مؤسساتيين و11 استوديو مغربيًا لتطوير ألعاب الفيديو، بهدف تقديم أعمالهم إلى الناشرين والمستثمرين والاستوديوهات الدولية.
يقول المغرب إن المشاركة في Gamescom 2026 تشكل مرحلة جديدة في الترويج دوليا للخبرة المغربية في قطاع ألعاب الفيديوصورة من: Emad Hassan/DWوفي حوار مع DW عربية، قال رشيد الانصاري، المدير الفني لإحدى ستوديوهات إنتاج الألعاب في المغرب، إنه مع سعي الكثير من الشركات الناشئة المغربية في هذا القطاع للحصول على تمويل من دول مختلفة وخصوصاً من فرنسا، بدأ اهتمام الحكومة المغربية بهذا القطاع محاولة دعمه اقتصادياً وفنياً بوسائل مختلفة خصوصاً عبر ما يسمى بالحاضنات ” Incubators “ ، متوقعاً أن يخطو المغرب خطوات واسعة في هذا المجال في وقت قصير.
وفي بيان لها، قالت الوكالة المغربية لتنمية الاستثمارات والصادرات، إن هذه المشاركة تشكل مرحلة جديدة في الترويج دوليا للخبرة المغربية في قطاع ألعاب الفيديو، موضحة أنها تتيح للاستوديوهات المشاركة منصة لتعزيز حضورها في قلب أحد أبرز الأسواق العالمية لألعاب الفيديو، فضلا عن تمكينها من التواصل مع الناشرين والمستثمرين والاستوديوهات وكبار الفاعلين في هذه الصناعة على المستوى الدولي . وتضع الرباط هدفًا أوسع يتمثل في أن تصبح مركزًا أفريقيًا لإنتاج ألعاب الفيديو بحلول 2032.
الجدير بالذكر أن ثمانية من الاستوديوهات المشاركة اختيرت عبر حاضنة ألعاب فيديو أطلقتها الوزارة بالشراكة مع السفارة الفرنسية في المغرب، فيما فاز ثلاثة آخرون بجوائز فئة "العرض الحصري المسبق" في Morocco Gaming Expo 2026 .
الجدير بالذكر أن ثمانية من الاستوديوهات المشاركة اختيرت عبر حاضنة ألعاب فيديو أطلقتها الوزارة بالشراكة مع السفارة الفرنسية في المغربصورة من: Emad Hassan/DWوفيما لم تعلن بعد أرقام رسمية بشأن عدد الحضور في نسخة هذا العام، تشير التوقعات إلى إمكانية تجاوز الرقم القياسي المسجل في غيمزكوم 2025 ، حين استقطب المعرض 357 ألف زائر من 128 دولة. وتعكس أجواء المعرض اهتمامات واضحة لدى شريحة واسع من الجمهور بتجربة الألعاب المرتقبة بشكل مباشر، إلى جانب متابعة العروض الحية والبث المباشر وصناعة المحتوى والـ cosplay (الملابس التنكرية المستوحاة من شخصيات شهيرة في عالم الألعاب) والألعاب المستقلة. كما وسع المعرض برامجه المخصصة للتوظيف والتعليم والتواصل المهني، ليتحول من مساحة لتجربة الألعاب ومشاهدة العروض إلى منصة تتيح بناء مسارات مهنية وإطلاق مشاريع وشركات في القطاع، وهو ما جذب اهتمام أعداد متزايدة من الزوار.
انجذب الجمهور كثيراً إلى المشاركين الذين ارتدوا ملابس شخصيات شهيرة في عالم الألعابصورة من: Christoph Hardt/Panama Pictures/picture allianceوبحسب ما أفاد به زوار للمعرض التقت بهم DW عربية فإن ما يريده المستخدمين باتوا يبحثون عن المزيد من الألعاب الجماعية المشوقة التي تتيح مشاركة عدد كبير من الأصدقاء، مع تفضيلهم للألعاب التي تتمتع بهوية ثقافية وأصالة في المعتوى، بدلا من تلك التي ينتج محتواها بالكامل بواسطة أدوات الذكاء الاصطناعي.
وربما لهذا السبب تحديدا، لاقت الألعاب التعاونية، والعوالم ذات الهوية الثقافية الواضحة، إلى جانب إبداعات الاستوديوهات المستقلة، اهتمامًا كبيرا فاق ما توحىي به ميزانياتها المحدودة.
مراجعة: طارق أنكاي
المصدر:
DW