صورة لسوق الحميدية التقطها مصور سوري عام 2009 في دمشق، ظهرت بعد سنوات داخل جواز السفر البيومتري الذي أُطلق في عهد النظام المخلوع، حاملة العلامة المائية باسم صاحبها.
وبعد إعادة تداولها باعتبارها خطأ في "الجواز الجديد"، يكشف المصور وسيم أسمر للجزيرة نت كيف بدأت القصة، ولماذا يعتقد أن صورته قد تكون موجودة في نحو 20 مليون نسخة مطبوعة، معتبرا أن استخدامها يفتح أيضا ملف حقوق الملكية الفكرية الذي يصل في حالات مشابهة خارج سوريا إلى مليون دولار.
لم يكن وسيم يعرف أن صورة التقطها في أول زيارة له إلى دمشق ستجد طريقها، بعد سنوات، إلى جواز السفر السوري.
ولم يكن يعرف أيضا أن الصورة نفسها ستعود، بعد أكثر من عقد، لتصبح جزءا من جدل واسع بشأن الجواز السوري الجديد، بعدما تداول مستخدمون صورا لجواز بيومتري تظهر فيها صورة لسوق الحميدية وعليها العلامة المائية التي تحمل اسم صفحته (WASEEM ASMAR PHOTOGRAPHY).
لكن الجواز الذي أثار الضجة ليس النموذج الجديد الذي تعتزم السلطات السورية إطلاقه بدل الجواز الكحلي المتداول حاليا، بل جواز بيومتري أُطلق عام 2023 في عهد النظام المخلوع.
ووراء الصورة حكاية لا تظهر في المنشورات المتداولة، فوسيم أسمر كان خارج سوريا عندما اكتشف، عام 2023، أن صورة التقطها في دمشق ظهرت داخل الجواز البيومتري الذي اعتمده النظام المخلوع. ولم تخبره بها جهة رسمية، بل شخص مجهول راسله عبر فيسبوك.
بدأ أسمر مشواره مع التصوير بإمكانات متواضعة. في عام 2007، كان يلتقط صوره بهاتفه المحمول وينشرها، ولم يكن يملك ثمن كاميرا احترافية. عمل وجمع المال حتى اشترى كاميرته عام 2008، ومنذ ذلك الوقت أخذ التصوير يتحول من هواية إلى مهنة رافقته نحو 25 عاما.
تنقل في أعماله بين تصوير المدن والحياة البرية والطيور والجوارح، وشارك في مسابقات وفعاليات خارج سوريا، بينها مشاركات في ألمانيا، وحصل على جوائز وشهادات تقدير، من بينها شهادة من اتحاد المصورين العرب في أوروبا.
وفي عام 2009، حمل كاميرته في رحلته الأولى من اللاذقية إلى دمشق، والتقط هناك الصورة التي ستظهر بعد سنوات داخل الجواز.
نشرها لاحقا عام 2015، مرفقة بقصيدة كتبها وهو خارج البلاد، وبقيت محفوظة ضمن أرشيفه، إلى جانب ملفها الخام الذي يقول إنه ما زال يحتفظ به.
في عام 2023، تلقى رسالة من شخص مجهول عبر فيسبوك أخبره فيها بأنه رأى اسم صفحته على صورة من تصويره داخل جواز سفر جديد سيصدر في سوريا.
لم يسبقه أي تواصل رسمي، ولم يطلب أحد إذنه لاستخدام الصورة.
بالنسبة إلى أسمر، كان الأمر واضحا: صورة فوتوغرافية موثقة باسمه استُخدمت في وثيقة رسمية من دون الرجوع إلى صاحبها وضمان حقوقه بالنشر.
لكن قصة الصورة لا تنفصل عن قصة صاحبها. فبعد اندلاع الثورة السورية، غادر أسمر البلاد في نوفمبر/تشرين الثاني 2011، عقب طلبه للخدمة العسكرية في اللاذقية، وعاش خارج سوريا 14 عاما.
ويقول إنه وجد اسمه لاحقا في ملف للمطلوبين، وإنه كان مطلوبا لثلاث جهات أمنية في عهد النظام الهارب. هنا -كما يرى- تكمن المفارقة الأكبر في القصة: صورة مصور كان مطلوبا لدى النظام أصبحت جزءا من جواز سفر أصدرته مؤسساته، وبقي اسمه ظاهرا عليها.
وحين اكتشف استخدامها، لم يخرج ليعلن سعادته باختيار صورته. يقول إنه رفض نصيحة تلقاها بأن يستغل القصة إعلاميا ويظهر في فيديو يشكر النظام على اختياره لصورته، مضيفا: "أنا لن أخرج لأعبر عن فرحتي بهذا الأمر، فأنا معارض للنظام، وكان من المفترض أن أحصل على تعويض وحقوق نشر لقاء استخدامهم صورة تعود ملكيتها لي".
بعد سقوط النظام، عاد أسمر إلى سوريا للمرة الأولى بعد كل هذه السنوات، ونشر فيديو تحدث فيه عن قصته مع الصورة والجواز.
لكن الصورة عادت مؤخرا إلى الواجهة في سياق مختلف، بعدما انتشرت صور الجواز وربطها متداولون بالجواز السوري الجديد.
ويرى أسمر أن هذا الخلط جعل القضية تُقرأ بصورة مختلفة، بعدما نُسب استخدام الصورة إلى الحكومة الجديدة، بينما الجواز الظاهر في الصور يعود إلى عام 2023.
ويقول إن القصة وصلت إلى وسائل إعلام ومنصات خارج سوريا أيضا، وإنه شعر بأن الضجة هذه المرة أكبر بكثير مما توقع.
أما بالنسبة إلى أصل المشكلة، فيقول: "أن تكون وثيقة رسمية بمستوى جواز السفر تحتوي على شيء مسروق، حتى لو لم يكن الاسم موجودا، فهذه بحد ذاتها فضيحة".
كان أسمر يتوقع، بعد اتساع الضجة، أن تتواصل معه جهة رسمية، خصوصا أنه يعرف المسؤول عن الهوية البصرية وكان قد عرض في وقت سابق خبرته واستعداده للمساهمة.
ولا يتحدث أسمر عن تعويض مالي فقط، بل عن اعتراف معنوي أيضا. ويقول إن تقديره لعدد النسخ المطبوعة التي تحمل صورته يصل إلى نحو 20 مليون نسخة، معتبرا أن استخدام الصورة بهذا الحجم يجعل مسألة حقوق الملكية الفكرية أكثر أهمية. ويضيف أن الحصول على حقه في مثل هذه الحالة قد تصل قيمته، بحسب تقديره، إلى نحو مليون دولار لو حدثت القضية خارج سوريا.
وفي المقابل، يطرح أن يكون له دور في مشاريع بصرية تقدّر مسيرته، أو أن تُستخدم أعمال من أرشيفه في المطارات والسفارات والمرافق العامة، مؤكدا أنه كان مستعدا للمساهمة بجهده من دون أن يطلب شيئا في المقابل.
اليوم، يخطط أسمر لبرنامج تصوير عن سوريا، بعد سنوات طويلة قضاها خارجها، يحمل معه أرشيفا مهنيا بدأ بهاتف محمول وانتهى إلى مشاركات وجوائز عالمية وأعمال تمتد على نحو ربع قرن.
أما صورة سوق الحميدية، فبقيت واحدة من أكثر صور أرشيفه إثارة للجدل، ليس بسبب المشهد الذي التقطته، وإنما بسبب الرحلة التي قطعتها بعد ذلك.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة