منذ آلاف السنين، جذب كوكب الزهرة أنظار البشر بسطوعه اللافت في السماء، حتى عرفته الحضارات القديمة بأسماء مختلفة، مثل عشتار وأفروديت وفينوس والعزى. لكن وراء هذا الجمال السماوي كان يختبئ عالم شديد الغموض، فسحب الزهرة الكثيفة تحجب سطحه، وتجعل من الصعب على التلسكوبات الضوئية معرفة ما يحدث عليه.
أتت الإجابة من أداة لم تصمم أصلا لاستكشاف الكواكب: الرادار.
بعد التطور الكبير الذي شهدته تقنيات الرادار خلال الحرب العالمية الثانية، بدأ العلماء في توظيف الموجات الراديوية لأغراض فلكية. وكانت الفكرة بسيطة: إرسال موجات نحو جرم بعيد، ثم قياس الإشارة التي تعود بعد انعكاسها عنه.
وفي ربيع عام 1961، نجح علماء في الولايات المتحدة في التقاط صدى راداري من الزهرة. وفي العاشر من مايو/أيار من ذلك العام انعكست إشارة من الزهرة إلى هوائي شبكة الفضاء العميق التابعة لناسا في "غولدستون" بولاية كاليفورنيا، وأظهرت الإشارة أن الكوكب يدور ببطء شديد.
كان الهدف الأول من التجربة أكثر تواضعا، إذ أراد العلماء استخدام زمن رحلة الإشارة ذهابا وإيابا لقياس المسافة بين الأرض والزهرة بدقة. لكن الصدى حمل معلومات إضافية عن حركة سطح الكوكب، فتحول الرادار من أداة لقياس المسافة إلى وسيلة لاستكشاف عالم تحجبه السحب.
لم يكن العلماء يرون سطح الزهرة مباشرة، لكن الإشارة الرادارية العائدة كانت تحمل بصمة لحركته. وعندما درس الباحثون التغيرات في تردد الصدى، تمكنوا من استخلاص معلومات عن سرعة دوران الكوكب.
في البداية، لم تكن القياسات كافية لتحديد اتجاه الدوران بصورة نهائية. وأظهرت تجارب الرادار الأولى أن الزهرة يدور ببطء شديد، بينما ساعدت أرصاد أكثر حساسية خلال عام 1962 على الوصول إلى نتيجة أكثر وضوحا.
كان من أبرز المشاركين في هذه المرحلة رولاند كاربنتر وريتشارد غولدشتاين من مختبر الدفع النفاث، بينما توصل الباحث وليام سميث في مختبر لينكولن أيضا إلى دليل على الدوران التراجعي من خلال تحليل أطياف إشارات الرادار.
كشفت القياسات أن الزهرة لا يدور في الاتجاه نفسه الذي تدور فيه الأرض ومعظم الكواكب، بل يدور دورانا تراجعيا.
وفي عام 1963 نشر غولدشتاين وكاربنتر بحثا في مجلة "ساينس"، قدرا فيه فترة دوران الزهرة بنحو 240 يوما، مع عدم يقين كبير في القياس الأولي.
ومع استمرار الرصد الراداري، تحسنت القيمة. وأظهرت مقارنة المعالم الرادارية في أرصاد لاحقة أن الفترة أقرب إلى 244 يوما، قبل أن تستقر القياسات الحديثة عند نحو 243 يوما أرضيا.
وتؤكد ناسا اليوم أن الزهرة يدور حول محوره مرة كل نحو 243 يوما أرضيا، في الاتجاه المعاكس لمعظم الكواكب. أما دورته حول الشمس فلا تستغرق سوى نحو 225 يوما، ما يعني أن اليوم النجمي على الزهرة أطول من سنته.
بسبب الدوران التراجعي، ستبدو الشمس من سطح الزهرة وكأنها تشرق من الغرب وتغرب في الشرق، عكس ما يحدث على الأرض. ويستغرق الانتقال من شروق الشمس إلى الغروب نحو 117 يوما أرضيا.
ولا يعني ذلك أن الزهرة "يدور عكس اتجاه دورانه حول الشمس"، فالمقصود هو أن اتجاه دورانه حول محوره معاكس لاتجاه دوران معظم الكواكب حول محاورها.
وهذه الخاصية تجعل الزهرة واحدا من أكثر العوالم غرابة في النظام الشمسي، رغم تشابهه مع الأرض في الحجم والتركيب الصخري.
لكن اكتشاف اتجاه دوران الزهرة لم يحل اللغز، بل فتح سؤالا أكثر إثارة: كيف وصل الكوكب إلى هذه الحالة الغريبة؟
لا يملك العلماء حتى الآن إجابة نهائية، لكن إحدى أبرز الأفكار تشير إلى أن جاذبية الشمس أبطأت دوران الزهرة عبر قوى المد والجزر، بينما عمل غلافه الجوي الكثيف في الاتجاه المعاكس. فالتسخين الشمسي الدوري للغلاف الجوي يولد ما يعرف بالمد الحراري الجوي، ويمكن لهذه الحركة أن تؤثر في دوران الكوكب.
مهمة "إنفيجن" الأوروبية ستدرس سطح الزهرة بالتفصيل، لفهم تطور الكوكب ونشاطه الجيولوجي (وكالة الفضاء الأوروبية)وتشير نماذج أخرى إلى أن الزهرة ربما بدأ بدوران في الاتجاه نفسه للأرض، ثم تغيرت حالته تدريجيا خلال مليارات السنين نتيجة تفاعل الجاذبية والغلاف الجوي ومحور الدوران.
بل إن دراسات أحدث تشير إلى أن موجات جوية تتشكل فوق تضاريس الزهرة يمكن أن تؤثر هي الأخرى في سرعة دورانه. وهكذا قد لا يكون دوران الزهرة التراجعي نتيجة حادث واحد، بل حصيلة تطور طويل ومعقد بين الكوكب وغلافه الجوي والشمس.
لم تتوقف أهمية تجربة الستينيات عند اكتشاف اتجاه دوران الزهرة. فقد أثبتت أن الرادار يستطيع دراسة عوالم لا يمكن للضوء المرئي اختراق أجوائها الكثيفة، وأصبحت تقنيات الرادار لاحقا أداة مهمة لدراسة أسطح الكواكب والأقمار والكويكبات.
مسبار ماجلان يدور حول الزهرة ويلتقط صورا غير مسبوقة (الوثائقية- ناسا)وفي عام 1990، وصلت مركبة ماجلان إلى الزهرة واستخدمت الرادار لرسم خرائط واسعة لسطحه، كاشفة عن تفاصيل جيولوجية لم يكن بالإمكان رؤيتها من الأرض. وأظهرت بيانات الرادار لاحقا براكين وتدفقات حمم وفوالق ومعالم أخرى على سطح الكوكب.
وهكذا تحولت موجات الراديو التي كانت تستخدم أصلا لاكتشاف الأجسام وتتبعها إلى وسيلة للنظر داخل النظام الشمسي. فقد أرسل العلماء إشارة نحو عالم مغطى بالسحب، فعادت إليهم ليس فقط بمعلومة عن مكانه، بل بإجابة عن سؤال ظل غامضا لقرون هو: كيف يدور الزهرة؟
وتكشف قصة الزهرة أن أدوات العلم لا تبقى دائما أسيرة الغرض الذي صنعت من أجله. فقد أصبح الرادار، الذي تطور بصورة كبيرة خلال عصر الحرب، جسرا إلى عوالم بعيدة لا يستطيع الضوء المرئي الوصول إلى أسطحها.
وهنا تكمن قيمة البحث العلمي: أن يحول الإنسان الأدوات المتاحة إلى وسائل لاكتشاف أسئلة جديدة، وأن يحول الغموض إلى معرفة يمكن اختبارها وقياسها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة