في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لم يعد ارتفاع حرارة الأرض ظاهرة تقتصر على ساعات النهار، فمع استمرار الاحترار العالمي، تزداد أعداد الليالي التي لا تنخفض فيها درجات الحرارة بما يكفي لتمنح الجسم فرصة للتبريد والتعافي، فيما يحذر العلماء من أن استمرار الحرارة طوال الليل قد يحول ظاهرة مناخية إلى مشكلة صحية متزايدة.
وتُعرف هذه الظاهرة باسم "الليالي الاستوائية"، وهي الليالي التي لا تنخفض فيها درجة الحرارة الدنيا عن 20 درجة مئوية، وفق أحد التعريفات المناخية الشائعة، مع استخدام عتبات أعلى في بعض المناطق، مثل 25 درجة مئوية في كوريا الجنوبية.
ولا يعني تجاوز هذه العتبة أن الإنسان يواجه خطرا صحيا مباشرا، لكنها تمثل مؤشرا على أن الليل لم يعد يوفر الانخفاض الحراري المعتاد الذي يحتاج إليه الجسم بعد يوم حار.
ووفق تقرير نشره موقع مجلة "نيتشر"، فإن هذه الظاهرة تكتسب أهمية متزايدة مع تسجيل درجات حرارة ليلية قياسية في مناطق مختلفة من العالم، ففي مايو/ أيار، سجلت العاصمة الهندية نيودلهي درجة حرارة ليلية دنيا بلغت 32.4 درجة مئوية، بينما بقيت درجات الحرارة في أجزاء أخرى من الهند ليلا أعلى من المعدلات الطبيعية بنحو 3 إلى 5 درجات مئوية.
وشهدت أوروبا الغربية، أحر يونيو/ حزيران على الإطلاق، إذ سجلت فرنسا درجة حرارة ليلية قياسية بلغت 22 درجة مئوية، بينما وصلت الحرارة في شرق ساكسونيا بألمانيا إلى 29.4 درجة مئوية.
وخلال يوليو/ تموز، تجاوزت درجات الحرارة الليلية 27 درجة مئوية في مناطق من السواحل الأمريكية المطلة على خليج المكسيك والمحيط الأطلسي، ما زاد من الإحساس بالحرارة والرطوبة.
ولا تتوقف تداعيات الليالي الحارة عند الشعور بالحر، إذ تشير البيانات إلى أن ارتفاع حرارة الليل أصبح يؤثر بصورة مباشرة في النوم.
ففي استطلاع بريطاني، قال نحو ثلثي المشاركين إنهم واجهوا صعوبة في النوم خلال موجة الحر التي ضربت البلاد في يونيو/ حزيران، بينما فقد نحو نصف المشاركين 3 ساعات على الأقل من النوم كل ليلة.
وفي تحليل شمل أكثر من 1300 مدينة خلال الفترة من 2020 إلى 2025، خسر السكان في المتوسط نحو 56 ساعة من النوم سنويا لكل شخص بسبب حرارة الليل.
وتظهر أكبر خسائر النوم المرتبطة بالحرارة في العديد من المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية، خصوصا أجزاء من أفريقيا والشرق الأوسط وجنوب آسيا وجنوب شرق آسيا.
وهنا تكمن المشكلة الصحية، فالنوم ليس مجرد فترة راحة، وإنما مرحلة أساسية يستعيد خلالها الجسم والدماغ توازنهما بعد ضغوط اليوم.
ومع استعداد الإنسان للنوم، تنخفض درجة حرارة الجسم الأساسية، وتتوسع الأوعية الدموية الموجودة بالقرب من سطح الجلد، ما يساعد الجسم على نقل الحرارة من داخله إلى الجلد والتخلص منها.
لكن ارتفاع درجة حرارة غرفة النوم، خصوصا مع الرطوبة المرتفعة، يعرقل هذه العملية، ويصبح من الصعب على الإنسان أن يبرد جسمه، كما يزداد صعوبة الدخول في النوم والاستمرار فيه.
وعندما يكون الشخص مستيقظا، يستطيع اتخاذ إجراءات لتقليل الحرارة، مثل شرب الماء، أو فتح النوافذ، أو تشغيل مروحة، أو الانتقال إلى مكان أكثر برودة، أما أثناء النوم، فتكون قدرته على اتخاذ هذه الإجراءات محدودة، ما يجعل تأثير الحرارة أكثر إزعاجا واستمرارا.
ولا يقتصر الأمر على النوم، فعندما يحاول الجسم التخلص من حرارته الداخلية، يضخ القلب كمية أكبر من الدم باتجاه الجلد، وهو ما يرفع معدل ضربات القلب ويزيد العبء الواقع على الجهاز القلبي الوعائي.
كما يؤدي التعرق المستمر إلى فقدان السوائل وزيادة خطر الجفاف، وتصبح هذه الأعباء أكثر خطورة بالنسبة إلى كبار السن والأشخاص الذين يعانون من ضعف في الجهاز القلبي الوعائي أو أمراض مزمنة.
ومع تكرار الاستيقاظ بسبب الحرارة أو العطش، تتقطع مراحل النوم، ما قد يؤثر في عمليات التعافي المرتبطة بالقلب، والتمثيل الغذائي، والجهاز المناعي، والوظائف المعرفية والحالة النفسية.
وقد يظهر ذلك في اليوم التالي على هيئة إرهاق، ونعاس، وضعف في التركيز وتراجع في الأداء.
وتشير البيانات إلى أن التأثيرات الصحية قد تتجاوز اضطراب النوم والإرهاق، ففي 28 مدينة بشرق آسيا، ارتبطت موجات الحر الليلية الشديدة بزيادة قدرها 3% في الوفيات، باستثناء الوفيات الناتجة عن الإصابات والأسباب الخارجية الأخرى.
وفي هونغ كونغ، ارتبطت الليالي الطويلة والحارة، التي بقيت فيها درجة الحرارة عند نحو 30 درجة مئوية لمدة 12 ساعة، بزيادة قدرها 3.1% في حالات الدخول الطارئ إلى المستشفيات، وكانت الزيادة أكبر بين كبار السن والفئات الأقل دخلًا، إذ وصلت إلى 5.3%.
ولا تعني هذه الأرقام أن الحرارة الليلية هي السبب الوحيد للوفاة أو دخول المستشفى، لكنها تشير إلى ارتباط واضح بين التعرض لحرارة الليل ومخاطر صحية متزايدة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة