آخر الأخبار

هجمات التماسيح في السودان.. هل يرتبط الأمر بسد النهضة؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

ليس غريبا أن يتم رصد تماسيح في مياه نهر النيل بالسودان، فوجودها يعد أمرا طبيعيا، لكن المختلف هذه الأيام انتشارها بأعداد أكبر من المعتاد، ما أدى إلى زيادة فرص هجماتها على البشر.

ووثقت العديد من التقارير الصحفية هجمات غير معتادة كان آخرها ما حدث في جزيرة "صاي" شمال السودان، حين باغت تمساح ضخم المزارع الشاب عمر محمد عبد الخالق أثناء تأدية عمله على الضفاف، كما تم رصد أعداد كبيرة منها في ضاحية "الكلاكلة" جنوب العاصمة الخرطوم.

والأسباب الكلاسيكية التي تستخدم دوما لتفسير هجمات التماسيح تربطها بـ "التغذية والتكاثر"، لكن بعض التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي بدأت تربط بين زيادة وتيرتها وتداعيات سد النهضة، باعتباره المتغير الجديد في منظومة نهر النيل.

وبينما يستبعد خبراء تحدثوا للجزيرة نت متغير سد النهضة كأحد الأسباب وراء زيادة وتيرة الهجمات ويصرون على أن الأسباب الكلاسيكية لا تزال صالحة للتفسير، يرى آخرون أن هذا المتغير لا يمكن إخراجه من المشهد، وتحتاج تأثيراته على سلوك التماسيح إلى مزيد من الدراسات.

متغير لا يمكن استبعاده

أحد الخبراء الذين يرون أن متغير سد النهضة يستحق الاهتمام والدراسة، هو الدكتور كورماك برايس، باحث ما بعد الدكتوراة في الصحة البيئية للزواحف بجامعة "نورث ويست" في جنوب أفريقيا، والذي قال للجزيرة نت "مع مشروع بهذا الحجم والنطاق، من السذاجة الاعتقاد بأنه لن يؤثر على سلوك وتحركات وأعداد جميع أنواع الحياة البرية تقريبا في المناطق المحيطة، وخاصة تلك المائية أو شبه المائية، مثل التماسيح".

ويستند هذا التعليق، إلى العديد من الدراسات التي أجريت في أقاليم أخرى، ووثقت تأثير مشروعات السدود على سلوك التماسيح، إذ تعتمد هذه الكائنات على الدورة الطبيعية لارتفاع وانخفاض المياه في اختيارها لأماكن التعشيش، ونجاح فقس البيض وانتقال الصغار إلى المياه، وعندما يغير السد توقيت أو شدة الفيضانات، قد تتأثر هذه العمليات البيئية بشكل مباشر، كما كشفت دراسة ميدانية تناولت تأثير إنشاء سد سانتو أنطونيو الكهرومائي على سلوك التماسيح بنهر ماديرا في منطقة الأمازون البرازيلية.

إعلان

كما خلصت مراجعة عالمية أجريت لنتائج 338 بحثا من أنحاء العالم، إلى أن السدود تعيق هجرة الأسماك وتقلل أعداد العديد من الأنواع وتغير تركيب المجتمعات السمكية وتقلل الاتصال بين مناطق التغذية والتكاثر، وهذا يعني أن الفرائس المتاحة للمفترسات النهرية، ومنها التماسيح، قد تتغير كما ونوعا.

ولكن لأن النتائج قد تختلف باختلاف نوع السد، وطريقة تشغيله، وطبيعة النهر، ونوع التمساح، فإن كورماك يرى أن "هذا المتغير يحتاج للدراسة لمعرفة تأثيراته، ومن ثم تحديث إرشادات الوعي والتثقيف للبشر لتحجيم فرص احتكاكهم بالتماسيح".

ويوضح الخبير بجامعة نورث ويست في جنوب أفريقيا، أنه "من النادر جدا أن تستهدف التماسيح البشر أو تعتبرهم فريسة محتملة في ظل وجود أنواع أخرى وفيرة من الفرائس، ويمكن للبشر والتماسيح التعايش مع الوعي والتثقيف حول كيفية التصرف على ضفاف الأنهار والأراضي الرطبة التي تتواجد فيها التماسيح، وقد ثبت ذلك في دول مثل الهند وأستراليا وجنوب أفريقيا، التي تركز على أنشطة التوعية بالتماسيح للمجتمعات المحلية في مناطق انتشارها".

مصدر الصورة منظر لسد النهضة في مراحل اكتماله النهائية (الجزيرة)

رفض قاطع

ولا يميل الدكتور جون سيبت بينانسيو، من قسم علوم مصايد الأسماك بكلية الموارد الطبيعية والدراسات البيئية بجامعة جوبا جنوب السودان، إلى وجود أي علاقة بين هجمات التماسيح وسد النهضة.

وقال جون للجزيرة نت: "أخالف بشدة الرأي القائل بأن زيادة هجمات التماسيح في السودان مرتبطة ببناء سد النهضة، فبناء على خبرتي الميدانية، ترتبط زيادة هجمات التماسيح ارتباطا وثيقا بالتغذية والتكاثر، فارتفاع منسوب المياه الناتج عن الفيضان يُوفر بيئة مثالية لتغذية تماسيح النيل، و خلال هذه الفترة، تهاجر التماسيح بحثا عن الغذاء في منطقة السهول الفيضية حيث تكثر الأسماك التي تهاجر للتكاثر في منطقة السهول الفيضية، وبينما تسعى التماسيح للتغذية عليها، ينتقل الصيادون أيضا إلى السهول الفيضية لنصب شباكهم واصطياد الأسماك، مما يُؤدي إلى تفاقم الصراع بين التماسيح والبشر بسبب تلف معدات الصيد".

ويضيف أنه "في موسم الجفاف عندما ينخفض منسوب المياه، يصبح الغذاء شحيحا لأن معظم أنواع الأسماك تُغادر السهول الفيضية وتعود إلى مجرى النهر الرئيسي، ويُصعب هذا الأمر على تماسيح النيل الحصول على غذاء وفير، ما يدفعها إلى مهاجمة البشر والماشية في المنطقة".

ولا يختلف الخبراء الذين تحدثت معهم الجزيرة نت على ما ذهب إليه جون، لكنهم تساءلوا عن ما إذا كان سد النهضة قد تسبب بشكل غير مباشر في تذبذب مناسيب النيل بين الارتفاع والانحسار المفاجئ، ما أدى إلى مزيد من الإرباك في سلوك التغذية والتكاثر الذي أشار إليه، وكان ذاك سببا في زيادة الهجمات.

رؤية أخرى لمسؤولية سد النهضة

من هؤلاء الدكتور لوكا لويسيلي، الأستاذ المتفرغ بمعهد التنمية البيئية والحفاظ والتعاون بإيطاليا، والذي يطرح رؤية أخرى عن مسؤولية سد النهضة، وهي المسؤولية غير المباشرة.

ويقول العالم الإيطالي للجزيرة نت إن "معدل هجمات التماسيح يرتبط بمعدل استخدام البشر للمسطحات المائية التي تعيش فيها، لذلك فإن السد لم يزد من شراسة التماسيح، بل ربما زاد من عدد الأشخاص الذين يعملون ويستخدمون المسطح المائي".

إعلان

وتؤيد العديد من الدراسات ما ذهب إليه لوكا، ورغم أنها لم تتناول حالات السدود بشكل محدد، إلا أنها أكدت أن التماسيح بطبيعتها حساسة لأي تغيرات هيدرولوجية، وقد تسبب السد هذه الأيام في بعض التغيرات الواضحة في منسوب المياه.

ومن هذه الدراسات دراسة أجريت في دلتا بحيرة ألبرت بأوغندا، أكدت أن استخدام التماسيح للموائل يتغير تبعا لخصائص المياه والموسم، بينما وثقت دراسة أخرى في جنوب أفريقيا، باستخدام أجهزة التتبع اللاسلكي والأقمار الصناعية، تحركات التماسيح لمسافات كبيرة بين الموائل المختلفة، ما يؤكد أنها ليست حيوانات ثابتة، بل تتكيف باستمرار مع التغيرات البيئية وتوافر المياه والفرائس.

وبالإضافة لهذا التأثير غير المباشر للسد، يشير لوكا إلى متغير آخر، وهو "الحرب الدائرة في السودان"، ويقول: " لا يمكنني أيضا استبعاد أن تكون آثار الحرب قد أدت إلى زيادة عدد السكان في محيط المسطحات المائية التي تسكنها التماسيح".

ورصدت العديد من الدراسات زيادة اعتماد البشر على الأنهار والمسطحات المائية لتلبية احتياجاتهم اليومية من المياه بسبب تدمير شبكات إمداد المياه خلال الحروب.

ورغم عدم وجود دراسات تربط هذا الوضع مباشرة بزيادة هجمات التماسيح في السودان، إلا أن لوكا لا يستبعد أن ازدياد اقتراب البشر من المياه (موائل هذه الحيوانات) قد يرفع احتمالات الاحتكاك بها.

ويؤكد الخبير الإيطالي، على أن هذه الرؤية وما سبقتها بخصوص سد النهضة، تظل فرضيات تم وضعها استنادا لدراسات أجريت في أقاليم أخرى، ويحتاج تأكيدها أو نفيها إلى دراسات مستفيضة على الحالة السودانية.

ويتفق خبير إيطالي آخر، وهو الدكتور دانييلي دندي، نائب رئيس معهد التنمية البيئية والحفظ والتعاون، مع الرؤية التي طرحها لوكا قائلا للجزيرة نت إن "المشكلة في جوهرها تنافس بين نوعين على الموارد الغذائية، فمجتمعات التماسيح والصيادين يتشاركان الموائل نفسها، وكلاهما مهتم بالأسماك، بينما يهتم الرعاة بتوفير الماء لمواشيهم، و قد توجد التماسيح في المناطق البكر وتلك التي تشهد نشاط صيد مكثف، شريطة أن يكون الموئل مناسبا وبه كميات كافية من الأسماك".

وأظهرت دراسات مختلفة أن أنشطة الصيد لها آثار سلبية على التماسيح، مثل الإصابات وصيد التماسيح الصغيرة بشباك الصيد، وقد تعتمد العلاقة بين التماسيح والصيادين على الموئل المتاح وكثافة الأسماك، وقد ينظر البشر إلى التماسيح على أنها تهديد أو منافس قوي في الصيد، مما يؤدي إلى زيادة الصراعات بين الإنسان والتماسيح.

ولأن السد يمثل حاجزا يغير الطبيعة الأصلية للنهر ويقلص المساحات المشتركة المتاحة للحياة البرية والأنشطة البشرية، يرجح دانييلي أن تقلص هذا الحيز، يرفع من الناحية الاحتمالية، فرص التقاء البشر بالتماسيح، بما قد يزيد من حوادث الصراع بينهما.

ومثل لوكا، يشدد دانييلي على أن الموضوع يستحق دراسة معمقة تدرس عادات البشر المحليين وسلوكيات التماسيح في المنطقة لأنها حيوانات مراوغة للغاية.

هل انطلقت من بحيرة السد؟

ولا يستبعد الدكتور بيفين أوتيتي، الأستاذ المشارك في قسم المياه العذبة والحياة البرية بجامعة تشينهوي للتكنولوجيا بزيمبابوي، أن تكون بحيرة سد النهضة تسببت في زيادة أعداد التماسيح في مجرى النهر، ومن ثم زيادة فرص هجمات التماسيح على البشر.

ويقول بيفين للجزيرة نت إن "المسطحات المائية الكبيرة التي تنشأ خلف السدود (البحيرات) توفر موائل مناسبة للتماسيح، وهو ما أكدته العديد من الدراسات وتقارير، مثل وثائق الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، التي تشير إلى أن البحيرات الاصطناعية التي تنشأ خلف بعض السدود قد تتحول إلى موائل مهمة لتمساح النيل إذا توافرت الظروف البيئية المناسبة، كما حدث في بحيرتي ناصر في مصر وكاريبا، جنوب القارة الأفريقية على الحدود بين زامبيا وزيمبابوي.

إعلان

ولا يختلف الخبراء الذين تحدثوا للجزيرة نت مع ما ذهب إليه بيفين من أن بحيرات السدود توفر موائل مناسبة للتماسيح، لكنهم لا يرون أنها قد تكون سببا لزيادة الهجمات في السودان، إذ أن توربينات سد النهضة تمنع مرور تلك التماسيح إلى مجرى النهر.

ويتفق الدكتور عباس شراقي، أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، مع ما ذهب إليه الخبراء، وزاد عليه بأن وجود توربينات شبيهة في السد العالي بمصر، منع حوادث وجود تماسيح في مجرى النهر بمصر، حيث كانت تمر إلى المجرى خلال الحقب التاريخية التي سبقت إنشاء السد.

لكن شراقي، أضاف أن إثيوبيا قامت خلال شهري سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول الماضي بفتح خمس بوابات للمفيض لتصريف كميات كبيرة من مياه البحيرة، استعدادا لاستقبال مياه موسم الفيضان، وهو ما تسبب وقتها في فيضانات بالسودان، وربما تكون أعداد من تماسيح البحيرة قد انطلقت مع تلك المياه.

ويقول إن: "إثيوبيا لجأت لذلك، لأن التوربينات لم تكن تعمل بكامل طاقتها لإنتاج الكهرباء، لأسباب غير معلومة، فظل منسوب مياه البحيرة عند مستويات مرتفعة، كانت ستسبب مشكلة عند وصول مياه موسم الفيضان".

وخلص شراقي من ذلك للقول أنه "إذا عملت توربينات السد بكامل طاقتها وبانتظام، ستحل كثير من المشكلات، ومن بينها مشكلة انتقال التماسيح من البحيرة لمجرى النهر، إذا افترضنا أن ذلك كان سببا رئيسيا لما حدث من هجمات في السودان".

ويميل شراقي إلى ما ذهب إليه الخبراء الإيطاليون من أن التغيرات في منسوب المياه الناتجة عن تشغيل السد، قد تؤدي إلى تسهيل الصيد في بعض المناطق، بما يزيد من وجود الصيادين في الموائل التي تستخدمها التماسيح أيضا، ويؤدي هذا التداخل في استخدام المورد نفسه إلى زيادة فرص الاحتكاك بين الإنسان والتمساح.

وفي كل الأحوال، فإن أغلب الخبراء، الذين رأوا أن تداعيات سد النهضة حاضرة في المشهد، كانوا يحرصون على التأكيد أن ما يطرحونه مجرد فرضيات منطقية تحتاج لدراسات تفصيلية، فهل سيتم إجراء تلك الدراسات أم سيستمر الوضع القائم؟

حاليا، لا توجد دراسة بيئية حديثة وشاملة على تماسيح النيل في السودان، ما يجعل الأمر ضبابيا إلى حد ما، رغم وجود علاقات محتملة مع سد النهضة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار