آخر الأخبار

100 سن وحجارة في المعدة.. الكشف عن "وحش" بحري عملاق عمره 180 مليون عام

شارك

تكشف أحفورة نادرة لزاحف بحري عاش قبل 180 مليون عام عن معطيات جديدة قد تعيد تشكيل فهم العلماء لإستراتيجيات البقاء في محيطات ما قبل التاريخ، بعدما أظهرت بقاياها أن مفترسا بحريا ضخما تمكن من الاستمرار في الحياة رغم تعرضه لإصابات خطيرة، تاركا خلفه أدلة مادية على قدرته المدهشة على التكيف.

ووفقا لدراسة حديثة نُشرت في مجلة "زيتليانا" (Zitteliana)، فقد عُثر على الأحفورة في مقلع طيني بمنطقة ميستلغاو قرب مدينة بايرويت شمال ولاية بافاريا الألمانية، وتعود إلى جنس تمنودونتوصور، أحد أضخم الإكثيوصورات التي هيمنت على البحار القديمة.

وكانت هذه الزواحف البحرية الضخمة التي انقرضت منذ ملايين السنين، تشبه الدلافين الحديثة في الشكل، وانتشرت أحافيرها في مواقع متعددة حول العالم، وعاشت في بحار العالم خلال العصر الجوراسي المبكر، وتربعت على قمة السلسلة الغذائية البحرية في زمن كانت فيه الديناصورات تسيطر على اليابسة.

مصدر الصورة قُدر طول الحيوان الكامل بنحو 6.6 أمتار استنادا إلى طول الجمجمة البالغ 1.5 متر (متحف أورفيلت-موزيوم أوبرفرانكن)

مفترس عملاق تحدى الاختفاء

لم يكن هذا الزاحف البحري كائنا صغير الحجم، إذ تشير التقديرات -استنادا إلى طول الجمجمة البالغ 1.5 متر- إلى أن طوله وصل إلى نحو 6.6 أمتار. وبفضل هذه البنية والسرعة العالية، هيمن هذا المفترس على النظم البيئية البحرية.

لكن ما يجعل هذه الأحفورة استثنائية ليس حجمها الضخم فحسب، بل حالة حفظها الاستثنائية. فقد احتفظت بعدة أجزاء من الهيكل العظمي، من بينها أجزاء من الجمجمة والفك السفلي والحزام الكتفي والزعانف الأمامية والعمود الفقري، وأكثر من 100 سن.

وتوضح عالمة الحفريات في هيئة المجموعات البافارية للتاريخ الطبيعي في ولاية بافاريا الألمانية، أولريكه ألبرت، أن العينة تظهر سمات مميزة لجنس تمنودونتوصور، من بينها الجمجمة الكبيرة والأسنان القوية البنية.

إعلان

وتشير المؤلفة الرئيسية للدراسة في حديثها للجزيرة نت إلى أن عناصر الزعنفة الأمامية تتشابه مع تلك الخاصة بأنواع أخرى من الجنس نفسه، إلا أن هناك اختلافات واضحة في البنية الهيكلية.

وتكمن أهمية الاكتشاف أيضا في أن حالة الحفظ شملت حتى التراكيب التشريحية الهشة، مثل أجزاء من سقف الحنك والمنطقة المحيطة بالعين، بتفاصيل ثلاثية الأبعاد نادرة، ما وفر للباحثين رؤى نادرة حول بيولوجيا هذا المفترس عن قرب.

ووفقا للباحثة، فإن هذا النمط الاستثنائي من حفظ العينة، أظهر منذ عمليات التحضير بوضوح أن هذه الأحفورة كانت غير اعتيادية، وأتاح فهما تفصيليا لبنى تشريحية نادرا ما وُثقت بهذا الوضوح من قبل.

ومن أبرز ما لفت انتباه الباحثين وجود عدة تعديلات وتشوهات واضحة في الهيكل العظمي، يُعتقد أنها ناجمة عن إصابات خطيرة خاصة في مفاصل الفك والكتف.

وتعتقد ألبرت أن هذه الإصابات أثرت في قدرة الحيوان على التغذي بكفاءة. وكان يفترض أن تجعل صيد الفرائس أمرا بالغ الصعوبة، وتقلل فرص بقائه. ومع ذلك، تمكن من النجاة داخل نظام بيئي بحري قاس وشديد التنافس.

مصدر الصورة بدت كثير من الأسنان متآكلة بشدة، ما يدل على استخدامها لفترات طويلة في ظروف قاسية (متحف أورفيلت-موزيوم أوبرفرانكن)

حجارة المعدة تكشف أسرار البقاء

من أكثر الجوانب إثارة في هذه الأحفورة وجود مجموعة من الحصيات المعدية في منطقة البطن، وهي ظاهرة ترتبط عادة بالطيور أو الديناصورات أو التماسيح، إضافة إلى بعض الثدييات مثل الفقمات والحيتان.

وبحسب ألبرت، نادرا ما تُذكر هذه الحصيات لدى الإكثيوصورات، خاصة المفترسات الضخمة مثل تمنودونتوصور، وهذا ما يجعل هذه العينة غير عادية مقارنة بمعظم اكتشافات الإكثيوصورات.

ووفقا لمتحف علم الحفريات بجامعة كاليفورنيا، فإن هذه الظاهرة تعني حرفيا " حصى المعدة"، وتشير إلى ابتلاع بعض الكائنات لأحجار دون هضمها لمساعدتها في تفتيت الغذاء الصلب داخل الجهاز الهضمي، حيث تؤدي دور الأسنان داخل المعدة.

ويثير وجود هذه الحصيات لدى الإكثيوصور تساؤلات مهمة حول بقاء هذا الحيوان المصاب على قيد الحياة وكيفية تكيفه مع إصاباته التي يرجح أنها حدت بشكل كبير من قدرته على الصيد النشط.

ورغم أن الوظيفة الدقيقة لهذه الأحجار لا تزال موضع نقاش علمي كما تقول ألبرت، إلا أن إحدى الفرضيات الرئيسية تتمثل في أنها عملت كأدوات طحن داخلية تساعد على تكسير الفرائس مثل الأسماك.

وفي هذه الحالة، يشير وجود الحصيات لدى هذا المفترس العملاق إلى أنه ربما اضطر إلى تغيير نظامه الغذائي، واتجه نحو فرائس أكثر ليونة أو أسهل في الاصطياد، لا تتطلب القوة والدقة المعتادتين لدى المفترسات القمية.

كما تدعم حالة الأسنان هذه الفرضية، إذ بدت كثير منها متآكلة بشدة، ما يدل على استخدامها لفترات طويلة في ظروف صعبة.

وبدلا من الكفاءة الحادة المتوقعة من مفترس بحري ضخم، يبدو أن هذا الإكثيوصور اعتمد على وسائل بديلة لمعالجة الطعام، ما يعكس صورة حية عن قدرته على تعويض إصاباته داخل نظام بيئي بحري ديناميكي.

إعادة رسم تاريخ عمالقة البحار. رغم أن موقع ميستلغاو يعد مصدرا غنيا بالأحافير البحرية المحفوظة بصورة استثنائية، خاصة أحافير الإكثيوصورات، منذ بدء الحفريات فيه عام 1998، فإن هذه العينة تتميز بأهمية علمية خاصة.

مصدر الصورة جانب من الفريق البحثي أثناء الكشف (الفريق البحثي)

وتشير ألبرت إلى أن هذه العينة توسع النطاق الجغرافي المعروف لجنس تمنودونتوصور في حوض جنوب غرب ألمانيا ليشمل أواخر العصر التورسي (المرحلة الأخيرة من العصر الجوراسي المبكر)، كما توفر بيانات جديدة حول تشريحه وطريقة حفظه.

إعلان

وتشير الدراسة إلى أن هذا الفرد يعد من أحدث الأمثلة المعروفة لجنس تمنودونتوصور، ما يتحدى التصورات السابقة حول توقيت اختفاء هذه الزواحف البحرية العملاقة من المنطقة.

ويعني ذلك أن آخر ممثلي الإكثيوصورات العملاقة استمر في العيش في هذه المنطقة لفترة أطول مما كان يُعتقد، وهو ما يفتح الباب أمام فهم أوسع للنظم البيئية البحرية في العصر الجوراسي، والتنوع في حفظ ودراسة بيولوجيا الإكثيوصورات.

ولا تقتصر أهمية هذا الاكتشاف على نوع واحد فحسب، بل تساعد إعادة تحديد الجدول الزمني لبقاء الإكثيوصورات على فهم أعمق للعلاقات البيئية القديمة، بما في ذلك الضغوط البيئية، وتوافر الفرائس، والمنافسة مع المفترسات البحرية الأخرى خلال تلك الحقبة.

ويخطط الباحثون لإجراء تحليلات إضافية لأسنان الإكثيوصور وبنيته العظمية بهدف فهم نظامه الغذائي وسلوكه وبيئته بصورة أدق، ما قد يساعد في إعادة بناء النظم البيئية القديمة، والوصول إلى أدلة جديدة على الكيفية التي تكيفت بها الكائنات الحية مع التغيرات البيئية عبر ملايين السنين.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار