ظل كوكب أورانوس، منذ اكتشافه على يد الفلكي البريطاني "ويليام هيرشل" عام 1781، أحد أصعب الكواكب التي يمكن للهواة تمييزها في السماء.
فأورانوس هو أول كوكب اكتُشف بواسطة التلسكوب، وليس بالعين المجردة كما هو حال الكواكب الستة المعروفة منذ فجر التاريخ، ويقع على مسافة هائلة من الشمس، لذلك يبدو خافتا جدا حتى في أفضل ظروف الرصد.
لكن السماء تمنح هواة الفلك هذا الأسبوع فرصة مميزة، إذ يقترب كوكب المريخ من أورانوس اقترابا ظاهريا نادرا، ليؤدي دور "الدليل السماوي" الذي يقود الراصدين مباشرة إلى الكوكب السابع دون الحاجة إلى التنقل بين النجوم الخافتة أو استخدام خرائط معقدة.
وأسفل الثريا مباشرة يبرز المريخ كنقطة حمراء واضحة يسهل تمييزها حتى بالعين المجردة.
وهنا تبدأ الخطوة الأخيرة؛ إذ يكفي توجيه النظر قليلا فوق المريخ مباشرة للعثور على أورانوس، الذي يبدو كنقطة باهتة تميل إلى اللون الأزرق المخضر بدون أي تلألؤ، ولا يحتاج الراصد إلى تلسكوب كبير، فبمجرد تحديد موقع المريخ يمكن استخدام منظار ميداني صغير مثل 10×50 أو تلسكوب صغير لإظهار أورانوس بوضوح أكبر.
ولو تتبع الراصد بعينه المجردة في سماء معتمة حقيقية، فإنه سيلمح الكوكب، إذ يلمع بالقدر 5.8 الذي هو على حدود القدرة البصرية لعين الإنسان. وتُعد رؤية أورانوس بالعين المجردة تحديا يتنافس فيه هواة الفلك.
عادة ما يكون العثور على أورانوس من أصعب المهمات أمام هواة الفلك، لأنه لا يختلف كثيرا عن النجوم الخافتة المحيطة به، ويضطر الراصد إلى القفز بين حقول نجمية متشابهة حتى يصل إليه.
لكن خلال هذا الاقتران، سيقوم المريخ بهذه المهمة بدلا من الراصد، إذ يقع الكوكبان قريبين جدا من بعضهما في السماء، بفاصل ظاهري لا يتجاوز نحو درجة واحدة (ما يعادل سمك الإصبع الصغير)، وهو تقارب يسمح برؤيتهما معا داخل مجال رؤية معظم المناظير الثنائية.
ولهذا ينصح الخبراء بالبحث أولا عن المريخ، ثم رفع النظر قليلا فوقه للعثور على أورانوس، وهي طريقة أسهل بكثير من البحث التقليدي الذي يعتمد على الخرائط الفلكية.
يرى خبراء الرصد أن مثل هذه الاقترانات تُعد أفضل وسيلة لتعليم الهواة التعرف على السماء عمليا، لأن استخدام جرم لامع مثل المريخ لاكتشاف جرم خافت مثل أورانوس يختصر كثيرا من صعوبة الملاحة بين النجوم.
كما تمنح هذه الظواهر فرصة لفهم الحركة الحقيقية للكواكب، إذ يتحرك المريخ بسرعة كبيرة في مداره مقارنة بأورانوس، ولذلك يتكرر اقترانهما تقريبا كل عامين.
ويؤكد المختصون أن النجاح في رصد أورانوس يمنح الهاوي ثقة أكبر في استكشاف بقية الأجرام السماوية الخافتة، ويشكل خطوة متقدمة في تعلم الرصد الفلكي.
ففي عالم يمتلئ بالشاشات والخرائط الرقمية، ما زالت السماء تمنح الإنسان متعة الاكتشاف بنفسها. فكل جرم نعثر عليه بأعيننا يحمل شعورا لا تمنحه الصور الجاهزة ولا التطبيقات الذكية.
وربما تكون رحلة البحث عن أورانوس درسا بسيطا في أن أجمل الاكتشافات تبدأ بخطوة، أو بنجمة، أو بكوكب يقودنا إلى عالم أبعد مما كنا نتخيل.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة