آخر الأخبار

8 دولارات للواحد.. لماذا يعتبر صرصور مدغشقر صفقة مربحة؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

يرتبط الصرصور في الأذهان بتلك الحشرة المنزلية المثيرة للاشمئزاز، لكن الوضع يبدو مختلفا مع صرصور مدغشقر الهادر (جرومفادورهينا بورتينتوسا )، الذي أصبح من أشهر الحشرات التي يسعى لاقتنائها هواة تربية الحشرات النادرة، فضلا عن أهميته في الأبحاث العلمية، وهو ما خلق سوق غير شرعية للإتجار في تلك الحشرة.

وأعلنت السلطات الأسترالية أوائل شهر يونيو/حزيران 2026، مصادرة أكثر من 100 ألف صرصور غريب من منشأة تربية في ولاية نيو ساوث ويلز، وكان من بينها أعداد كبيرة من صراصير مدغشقر، بقيمة سوقية قدرت بنحو 200 ألف دولار أسترالي (نحو 142 ألف دولار أمريكي).

ووفقا لمنصة بيع الحشرات والحيوانات الشهيرة "تي سي إنسكتس"، يبلغ سعر الصرصور البالغ سواء أكان ذكراً أم أنثى نحو 8 دولارات، أما الحوريات، وهي الصغار غير البالغة، أي المرحلة التالية للفقس وقبل اكتمال النمو، والتي يتراوح حجمها بين ثلاثة أثمان البوصة ونصف بوصة، فيبلغ سعرها وفق أسعار نفس الموقع، حوالي 3 دولارات للفرد الواحد.

ويقول الدكتور عمرو عبد السميع، أستاذ الحشرات بكلية العلوم جامعة القاهرة للجزيرة نت، إن " هذا الكائن الذي يخلو من الأجنحة ويعيش مسالماً بين أوراق الغابة المتساقطة في جزيرة مدغشقر، يعد بمثابة مختبرا حيا متنقلا يقدم إجابات ثمينة عن أسئلة كبرى في المناعة، والسلوك، والتطور، والتعايش مع الميكروبات، وهو ما يخلق له سوق رائجة في مجتمع البحث العلمي، فضلا عن خصائصه المميزة في التربية والتي تزيد من الطلب عليه في سوق هواة اقتناء الحشرات".

ولا يرتبط هذا الطلب بندرة بيولوجية، بل بسهولة تربيته، وملاءمته للأغراض التعليمية، وقدرته على العيش في مستعمرات مستقرة داخل الأسر، ما يجعله نموذجا مثاليا، مقارنة بكائنات تجريبية أخرى، كما يوضح عمرو.

مصدر الصورة السلوكيات المميزة تجعل صرصور مدغشقر مثيرا لهواه اقتناء الحشرات النادرة (أسوشيتد برس)

عمر أطول.. سمات مميزة

وينتمي صرصور مدغشقر إلى عائلة "بلابيريداي" ضمن رتبة الصراصير" بلاتوديا"، وهو مستوطن حصري لجزيرة مدغشقر، ومن أبرز مزاياه، أنه لا يطير، لأن كلا الجنسين يفتقر للأجنحة ولو في مرحلة البلوغ، ويمتلك الذكر بروزين واضحين خلف الرأس أشبه بقرون صغيرة يستخدمها في النزالات التنافسية.

إعلان

ويتراوح طول الفرد البالغ بين 5 و7 سنتيمترات، ويعيش فترة تطول على كثير من الحشرات، إذ تمتد حياة الحورية خمسة إلى سبعة أشهر حتى النضج، بينما قد يعيش البالغ بين سنة وسنتين ونصف في ظروف المختبر المثالية (حرارة 25–30 درجة مئوية، ورطوبة نسبية تتجاوز 60%) .

وفي الطبيعة، يعد كاسحا للمواد العضوية على أرضية الغابات، فيحلل الأوراق المتساقطة والأخشاب المتعفنة، ويسهم في دورة المغذيات الحرجة لبيئته.

مصدر الصورة يلعب صرصور مدغشقر دورا بيئيا لا يستهان به في الغابات ، حيث يعيد تدوير الكربون والعناصر الغذائية (أسوشيتد برس)

بريد صوتي لا يشبه الآخرين

وحين نسمع مصطلح "تواصل حشري"، تقفز إلى أذهاننا صور الرقص الاهتزازي لنحل العسل أو الفيرمونات الكيميائية التي تبثها العثات، لكن صرصور مدغشقر اختار طريقاً نادراً، وهو الصوت.

ويقول عمرو إنه "لا يصدر الهسهسة باحتكاك أجزاء جسمه كما يفعل الجراد أو الخنافس، بل عبر دفع الهواء بقوة من فتحات تنفسية متخصصة على جانبي البطن تعرف باسم الثغور التنفسية المعدلة".

وتبين من تشريح هذه الثغور ودراسة انسياب الهواء أنها مزودة بعضلات قوية تُمكن الصرصور من إنتاج موجة صوتية عريضة التردد يستخدمها في أربعة سياقات متمايزة، وهي نداء إنذار عند الاضطراب، وهسيس مغازلة للإناث، وصوتيين عدائيين مختلفين بين الذكور خلال المعارك من أجل السيطرة.

والأكثر إثارة أن لهذه الأصوات دلالة "صدق" بيولوجي، فقد أثبت ديبورا كلارك، من قسم الأحياء بجامعة ولاية تينيسي الوسطى، وألين مور، من قسم علم الحشرات بمركز علم البيئة والتطور والسلوك بجامعة كنتاكي، في دراسة سلوكية أن خصائص الهسيس العدائي "شدته ومدته ونقاوته"، ترتبط ارتباطا وثيقا بحجم الذكر وكتلته، ومن ثم برتبته الاجتماعية في القطيع.

فالذكور المهيمنة تصدر هسيسا أطول وأعلى، ما يُعد إشارة موثوقة لا يمكن للذكور الأصغر تزويرها بسهولة، وهذه النوعية من "الإشارات الصادقة" جعلت من هذا الصرصور نظاما مثاليا لدراسة تطور التواصل الصوتي والهيمنة الاجتماعية، وهي ظواهر كثيراً ما تُدرس في الفقاريات لا في الحشرات.

مصدر الصورة يبلغ سعر الصرصور البالغ سواء كان ذكر أو أنثى نحو 8 دولارات (أسوشيتد برس)

مختبر على ستة أرجل

وإضافة لهذه السلوكيات المميزة التي تجعل صرصور مدغشقر مثيراً لهواة اقتناء الحشرات النادرة، فهو بعد بمثابة مختبر حي يمشي على ستة أرجل.

ولعل أكثر ما يسترعي انتباه علماء المناعة أن الحشرات تفتقر إلى المناعة التكيفية (الأجسام المضادة والخلايا البائية والتائية)، وتعتمد كلياً على منظومة فطرية قوية تتشابه في كثير من مبادئها الجزيئية مع نظيرتها في الثدييات.

ويبرز في هذا الإطار صرصور مدغشقر كمنصة تشريح جيدة بفضل حجمه الكبير الذي يسمح بسحب كميات مناسبة من السائل الذي يقوم بدور يشبه الدم في الحشرات ومعظم المفصليات (الهيموليمف) ودراسة مكوناته.

وساهمت دراسات على خلايا الدم الحشرية (الهيموسايتس) في هذا النوع وأنواع قريبة في فهم آليات الالتهام والاستجابة الالتهابية، بما في ذلك تشكيل العقيدات حول الأجسام الغريبة .

ويعد تشكيل العقيدات، إحدى آليات المناعة لدى الحشرات، حيث تتجمع الخلايا المناعية مثل (الهيموسايتس)، حول جسم غريب دخل إلى جسم الحشرة، مثل بكتيريا أو فطر أو طفيلي لتكوين كتلة أو "عقدة" صغيرة تعزله عن بقية الجسم.

إعلان

كما أصبح الصرصور نموذجاً مفيداً لدراسة الاستجابات المناعية الفطرية والتفاعل مع العوامل الممرضة، مما يساعد في تقليل الاعتماد على نماذج الثدييات.

ويتماشى هذا التوجه مع قانون أصدره الاتحاد الأوروبي عام 2010 لتنظيم استخدام الحيوانات في التجارب العلمية، بهدف تقليل الألم والمعاناة قدر الإمكان، ويُلزم الباحثين باستبدال الفقاريات باللافقاريات كلما أمكن ذلك.

حوارات مع الميكروبات

ولا يعيش هذا الصرصور وحده، فداخل أمعائه مجتمع بكتيري شديد التعقيد يضم مئات الأنواع تساعد في الهضم وإعادة تدوير المغذيات.

وفي دراسة رائدة، كشفت أبحاث خوان غوزمان، من معهد فراونهوفر للبيولوجيا الجزيئية والبيئة التطبيقية بألمانيا عام 2022 عن تنوع ميكروبي فريد في أمعاء صرصور مدغشقر، حيث يختلف تركيب المجتمع البكتيري بشكل ملحوظ بين أجزاء الأمعاء المختلفة وبين البيئة المحيطة، مما يشير إلى انتقاء حيوي من قبل العائل.

كما توجد علاقة تعايشية مع بكتيريا " بلاتاباكتيريوم " التي تلعب دورا مهما في توفير الأحماض الأمينية الأساسية، وهذه العلاقة الوثيقة تجعل من "صرصور مدغشقر"، نموذجا مهما لدراسة التكافل التطوري بين الحشرات وميكروباتها.

تجارب مكلفة

وفي حين يبلغ سعر الفرد البالغ من الصرصور " 8 دولارات "، والحورية "3 دولارات" ، فإن إنشاء مزرعة بحثية عالية الجودة أو تنفيذ تجارب معقدة، قد يكون مكلفا للغاية، لأربعة أسباب رئيسية يذكرها عمرو.

وأول تلك الأسباب، أن لهذا الصرصور دورة حياة بطيئة ومتطلبات بيئية صارمة، ففي حين تتكاثر صراصير المنازل خلال أسابيع، تحتاج حوريات صرصور مدغشقر، إلى أكثر من نصف عام كي تنضج، ويجب حفظها عند حرارة مرتفعة نسبياً ورطوبة عالية مع تهوية دقيقة لمنع الأمراض الفطرية، فأي خلل في هذه الشروط يؤدي إلى نفوق المستعمرة، مما يتطلب معدات تحكم مناخي مكلفة وعمالة مراقبة مستمرة.

أما ثاني الأسباب، فهي " أبحاث التعقيم الحيوي"، فدراسة دور البكتيريا المتعايشة، يضطر العلماء إلى إنتاج صراصير خالية من الجراثيم (نوتوبايوتيك) أو عديمة التعايش البكتيري (أبوسيمبيوتيك). ويتطلب ذلك معاملة الحشرات بالمضادات الحيوية لعدة أجيال، وإطعامها أطعمة معقمة داخل عوازل ضغط موجبة، وهو إجراء معقد ومكلف ومحفوف بالفشل، كما وُصف في مراجعات مفصلة لأساليب تربية الحشرات المعقمة .

وثالث الأسباب هو "العوائق التنظيمية والتوزيع"، فاستيراد أو نقل الصراصير الحية بين الدول يخضع لتراخيص صحية نباتية صارمة. ففي الولايات المتحدة مثلاً، تصنف هيئة فحص صحة الحيوان والنبات الحشرات غير المحلية كآفات محتملة، وتفرض تصاريح خاصة ورسوم فحص قد ترفع الكلفة النهائية للدفعة الواحدة إلى مئات الدولارات.

وأخيرا، فإن "ندرة السلالات المعيارية" تزيد من التكلفة، فعلى النقيض من ذبابة الفاكهة التي تمتلك سلالات موحدة وراثيا ومفهرسة منذ عقود، فإن صرصور مدغشقر لا تتوفر منه خطوط مخبرية نقية متاحة تجارياً، فكل مجموعة بحثية تضطر لإنشاء مستعمراتها وإدامتها بنفسها، مما يضاعف النفقات الأولية ويصعب مقارنة النتائج بين المختبرات.

في ميزان العلم والبيئة

وبعيدا عن الهواية و طاولة المختبر، يؤدي هذا الصرصور دورا بيئيا لا يستهان به في الغابات، حيث يعيد تدوير الكربون والعناصر الغذائية بشكل مباشر، كما يوضح عمرو.

وعلى الصعيد المعرفي، يُمثل حلقة وصل تطورية نادرة تسمح بفهم كيفية نشوء نظم التواصل المعقدة والبنى الاجتماعية الهرمية خارج نطاق الفقاريات، مما يساهم في رسم شجرة تطور السلوك على الكوكب.

أما على صعيد الأبحاث الطبية الحيوية، يزداد الرهان على هذا الكائن كمنصة فحص دوائي أولي لدراسة الاستجابات المناعية الفطرية، تجنباً للكلفة الأخلاقية والمادية الباهظة لنماذج الثدييات، فمقارنة بفأر تجارب، لا يحتاج الصرصور إلى مساحات كبيرة أو أطقم بيطرية، ولا يخضع لبروتوكولات رعاية حيوانية معقدة، ومع ذلك يقدم بيانات غنية عن آليات دفاعه الخلوية والكيميائية المحفوظة تطورياً، وقد عزز صدور جينومه الكامل فرص استخدامه في البيولوجيا الوظيفية وعلم الأدوية الانتقالي.

إعلان

وانطلاقا من كل ما سبق، يختم عمرو قائلا: " قد يكون سعر 8 دولارات للصرصور الواحد، أقل بكثير من الفوائد العلمية التي يمكن جنيها من هذا الكائن الصغير، والذي يذكرنا بأن الكنوز العلمية لا تأتي دوما من تعقيد الكائن الحي، بل من قدرته الفريدة على الإجابة عن أسئلة مركزية بأدوات بسيطة نسبياً".

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار