كشفت دراسة جديدة أن مجتمعات الأسماك البحرية الحديثة بدأت تتشكل في المحيطات بعد أقل من 4 ملايين سنة فقط من الانقراض الكبير الذي أنهى عصر الديناصورات قبل نحو 66 مليون سنة، وذلك استنادا إلى موقع حفري استثنائي في الصحراء الشرقية بمصر يعود عمره إلى نحو 62 مليون سنة.
وبحسب الدراسة، التي نشرت في دورية "ساينس أدفانسز" (Science Advances)، فقد وثق فريق بحثي دولي واحدا من أندر المواقع الأحفورية المعروفة من أوائل العصر الباليوسيني، وهي الفترة التي أعقبت مباشرة انقراض نهاية العصر الطباشيري، حين اختفى نحو 75% من أشكال الحياة على الأرض.
ويقدم الموقع المصري نافذة نادرة على مرحلة شديدة الأهمية من تاريخ البحار، وهي لحظة تعافي النظم البيئية البحرية وبدء ظهور الملامح الأولى لمجتمعات الأسماك التي تملأ محيطات العالم اليوم.
وقاد العمل فريق دولي بقيادة مصرية من سلام لاب بمركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية، حيث تمكن الباحثون من توثيق مئات الحفريات لأسماك بحرية محفوظة بدرجة استثنائية، من بينها أكثر من 20 نوعا جديدا.
وتكمن أهمية الموقع في أنه لا يضم مجرد بقايا متناثرة، بل هياكل شبه مكتملة لأسماك عاشت في بحر مفتوح قديم، ما يجعله من نوعية المواقع المعروفة علميا باسم "لاغريشتات" (Lagerstätten)، وهي مواقع نادرة تتميز بقدرتها على حفظ تفاصيل دقيقة من الحياة القديمة.
وتشير نتائج الدراسة إلى أن هذه الأسماك لم تكن مجرد امتداد لمجتمعات البحار التي سبقت الانقراض، بل كانت تمثل مجتمعًا بحريا جديدا يحمل سمات واضحة من العالم الحديث. فبدلا من هيمنة السلالات المرتبطة ببحار عصر الديناصورات، وجد الباحثون أن كثيرا من الحفريات تنتمي إلى مجموعات قريبة من السلالات التي تضم اليوم أسماكا مألوفة مثل التونة والماكريل وفرس البحر وأسماك القمر.
وتقول الباحثة بمركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية سناء السيد، وهي المدرس المساعد بجامعة المنصورة، وطالبة الدكتوراه بجامعة ميشيغان، والمؤلفة الأولى للدراسة، إن اللافت في الموقع لم يكن فقط العدد الكبير من الأسماك المحفوظة، بل الطابع الحديث للمجتمع السمكي نفسه.
وتوضح سناء أن معظم هذه الأسماك تنتمي إلى مجموعة البركومورفا، وهي واحدة من أكبر مجموعات الأسماك العظمية الحية اليوم، وتشمل عددًا هائلًا من الأنواع المنتشرة في محيطات العالم.
وبحسب الدراسة، يوفر الموقع المصري أقدم سجلات هيكلية معروفة لعدد من هذه السلالات، وهو ما يجعله دليلا حاسمًا على أن بعض ملامح التنوع السمكي الحديث كانت قد بدأت بالفعل في الظهور سريعا بعد الانقراض الجماعي.
ويعني ذلك أن تعافي البحار لم يكن مجرد عودة بطيئة للحياة، بل شهد أيضا إعادة تشكيل عميقة للمجتمعات البحرية، مع صعود مجموعات جديدة واندثار مجموعات قديمة.
ويقول الأستاذ الدكتور هشام سلام، عالم الحفريات المصري وقائد الفريق البحثي، إن أهمية الاكتشاف لا تقتصر على إضافة موقع حفري جديد إلى السجل العالمي، بل تمتد إلى تقديم إجابة محتملة عن سؤال طالما شغل علماء الحفريات: متى وأين بدأت المجموعات الرئيسية من الأسماك التي نراها اليوم في محيطات العالم؟
ويضيف هشام أن النتائج تشير إلى أن مجتمعات الأسماك البحرية الحديثة بدأت في وقت مبكر وبوتيرة أسرع مما كان يعتقد سابقا، وفي منطقة جغرافية لم تكن في قلب هذا النقاش العلمي من قبل.
ويؤكد أن العمل على الدراسة استغرق أكثر من 6 سنوات من البحث الميداني والمعملي، وأنها تمثل جزءا من أطروحة الدكتوراه الخاصة بالباحثة سناء السيد ضمن بعثة حكومية مصرية للحصول على الدرجة العلمية من جامعة ميشيغان.
ومن جانبه، يلفت الأستاذ الدكتور مات فريدمان، عالم الحفريات بجامعة ميشيغان والمؤلف المشارك في الدراسة، إلى أنه على الرغم من وفرة العينات وجودة حفظها، يغيب عن الموقع عدد من المجموعات المفترسة التي كانت شائعة في بحار العصر الطباشيري.
وبحسب مات، فإن هذا الغياب يدعم الفرضية القائلة إن تلك السلالات القديمة تراجعت أو اختفت بفعل أزمة الانقراض الكبرى، بينما توسعت مجموعات الأسماك الحديثة سريعا لتشغل الأدوار البيئية التي تركتها الكائنات المنقرضة.
ويؤكد الباحثون أن هذا الاكتشاف ليس نهاية القصة، بل بدايتها. فما تزال هناك عينات كثيرة من الموقع قيد التحضير والدراسة، ومن المتوقع أن تكشف مزيدا من التفاصيل عن كيفية تعافي البحار بعد واحدة من أعظم الأزمات البيولوجية في تاريخ الأرض.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة