تخيل أن لديك ساعة مثالية، لا تتأثر بالحرارة ولا بالاهتزاز ولا بأي شيء وتعمل بدقة تتجاوز أفضل الساعات الذرية، هنا قد تفترض أنها ستعمل بدقة لا نهائية، لكن دراسة حديثة في فيزياء الكم تقترح أن هذه فرضية خاطئة، ليس لأن الساعة رديئة، بل لأن الزمن نفسه قد يحمل مقدارا بالغ الصغر من "الضبابية" أو اللايقين.
تنطلق القصة، التي تناقشها دراسة نشرت مؤخرا في دورية "فيزيكال ريفيو ريسيرش" من واحدة من أعمق مشكلات ميكانيكا الكم، وهو التساؤل عن كيفية تحويل الاحتمالات إلى واقع محدد، ففي العالم الكمومي، لا يكون الجسيم دائما في حالة واحدة واضحة، بل قد يوجد في "تراكب" من احتمالات متعددة في نفس الوقت.
لفهم الفكرة تخيل أنك تلقي بعملة للأعلى وتتركها تسقط، فقد تكون في حالة من اثنتين، "صورة" أو "كتابة"، لكن هذا المنطق البديهي يغيب تماما في ميكانيكا الكم، لأنه على المستوى دون الذري، قد تكون الحالتان موجودتين في نفس الوقت، أي أن العملة تكون "صورة وكتابة" معا. طبعا ما سبق من تشبيه غرضه فقط تقريب الفكرة.
تظل الحالة الكمية متراكبة (حالة صورة وكتابة معا) حتى نحاول قياسها، وهنا نحصل على نتيجة واحدة، إما صورة أو كتابة، هذه اللحظة تسمى عادة "انهيار الدالة الموجية"، لكنها تثير سؤالا محيرا: هل يحدث هذا الانهيار بسبب القياس فقط، أم أن الطبيعة تمتلك آلية تجبر الأنظمة الكمومية على اختيار حالة محددة؟
الفريق البحثي القائم على الدراسة، درس نموذجين مهمين من النماذج التي تحاول الإجابة عن السؤال سالف الذكر: نموذج ديوسي-بنروز، الذي يربط بين الجاذبية وانهيار الدالة الموجية، ونموذج "التوضع التلقائي المستمر"، والفكرة العامة أن المادة، لأنها تمتلك كتلة، ترتبط بمجال الجاذبية. وإذا كانت عملية الانهيار الكمومي مرتبطة بتوزيع الكتلة، فقد تظهر معها تقلبات صغيرة في الجهد الجذبوي، أي في الخلفية التي تؤثر في الزمن.
بحسب الدراسة، فإن بعض نماذج الانهيار الكمومي هذه قد تؤدي إلى وجود "ضبابية" صغيرة للغاية في الزمن، يسميها الباحثون في بيان صحفي "أخطاء صغيرة"، أي أن هناك حدا أساسيا لدقة قياس الوقت، حتى لو امتلكنا ساعة مثالية.
لا يعني ذلك أن الزمن يتوقف أو يتشقق أو يضطرب كما في الخيال العلمي، بل يعني أن الطبيعة قد لا تسمح، في أعمق مستوياتها، بقياس الزمن بدقة غير محدودة.
هذا الأثر ضئيل جدا، فهو أصغر بكثير من قدرة أفضل الساعات الذرية الحالية على الرصد، لذلك لا توجد أي نتيجة عملية مباشرة على حياتنا اليومية، ولا على أنظمة الملاحة، ولا على الاتصالات مثلا.
إلا أن أهمية الدراسة لا تأتي من أثرها العملي القريب، بل من موقعها داخل سؤال أكبر عن القدرة على التوفيق بين ميكانيكا الكم والنسبية العامة، فميكانيكا الكم تصف عالم الجسيمات والذرات، بينما تصف النسبية العامة الجاذبية والزمكان والكون بمجراته هائلة الضخامة. كل نظرية منهما ناجحة في مجالها، لكن الجمع بينهما في نظرية واحدة ما زال من أصعب تحديات الفيزياء الحديثة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة