كشفت دراسة جديدة عن تفاصيل غير مسبوقة حول النظام الغذائي لسكان بلاد الرافدين القدماء، مستخدمة تقنية حديثة تعتمد على تحليل نظائر الزنك في مينا الأسنان.
سمحت هذه الطريقة للباحثين بإعادة بناء نمط الحياة الغذائية لسكان جنوب العراق خلال الألفية الثالثة قبل الميلاد، وهي الفترة التي شهدت ازدهار المدن السومرية التي تعد من أقدم المراكز الحضرية في تاريخ البشرية.
ركزت الدراسة التي نشرت يوم 9 مارس في مجلة "بروسيدنجس أوف ذا ناشونال أكاديمي أوف ساينسز" (PNAS)، على موقع تل أبو طبيرة الأثري قرب مدينة أور في جنوب العراق، وهو موقع يعود إلى العصر السومري المبكر.
ويتميز هذا الموقع بأنه يمثل مجتمعا حضريا من الطبقات غير النخبوية، ما يتيح للباحثين فهم حياة عامة الناس في المدن السومرية، وليس فقط النخب التي تركز عليها النصوص التاريخية غالبا.
يعتمد علماء الآثار الحيوية عادة على تحليل الكولاجين في العظام لمعرفة نوع الغذاء الذي كان يتناوله البشر في الماضي، وذلك عبر قياس نظائر عناصر مثل النيتروجين والكربون التي تعكس موقع الكائن في السلسلة الغذائية.
لكن هذه الطريقة تواجه مشكلة كبيرة في جنوب بلاد الرافدين، فالظروف البيئية في المنطقة – مثل الجفاف الشديد وملوحة التربة ووجود القار الطبيعي – تؤدي إلى تحلل المواد العضوية بسرعة، ما يجعل الحفاظ على الكولاجين في العظام أمرا نادرا للغاية، حسب المؤلف الرئيسي للدراسة ماتيو جياكاري، باحث الدكتوراه في علم الآثار في جامعة سابينزا الإيطالية.
في موقع تل أبو طبيرة، نجح الباحثون في استخراج كولاجين صالح للتحليل من ثلاث عينات فقط من أصل 48 عينة في دراسات سابقة، وهو عدد غير كاف لإعادة بناء صورة واضحة للنظام الغذائي للسكان.
ويقول يقول جياكاري، في تصريحات للجزيرة نت: "وللتغلب على هذه المشكلة، لجأ الفريق إلى تقنية مختلفة تعتمد على تحليل نظائر الزنك في مينا الأسنان، وهي مادة معدنية شديدة الصلابة تتشكل في الطفولة وتبقى محفوظة لآلاف السنين حتى في البيئات القاسية".
تعتمد هذه الطريقة على مبدأ بسيط في علم الكيمياء الحيوية، فالنسب المختلفة لنظائر الزنك – وهي أشكال مختلفة للعنصر نفسه تختلف في الكتلة الذرية – تتغير تبعا لموقع الكائن في السلسلة الغذائية، فعادة ما تمتلك الحيوانات العاشبة قيما أعلى من نظائر الزنك الثقيلة مقارنة بالحيوانات آكلة اللحوم.
أما لدى البشر، فتظهر القيم تبعا لنوع الغذاء الذي يتناولونه، سواء كان يعتمد على النباتات أو اللحوم أو كليهما. وعندما تدمج هذه البيانات مع تحليلات أخرى – مثل نظائر الكربون والأكسجين أو نسب عناصر مثل السترونتيوم والباريوم – يصبح بإمكان العلماء إعادة بناء النظام الغذائي للسكان بدقة كبيرة.
كما كشفت البيانات أن السكان كانوا يستهلكون كميات محدودة من البروتين الحيواني، ما يشير إلى أن اللحوم لم تكن عنصرا أساسيا في غذائهم اليومي.
وتشير الأدلة أيضا إلى أن لحم الخنزير كان المصدر الأكثر شيوعا للحوم في الموقع؛ إذ أظهرت تحليلات نظائر الزنك والكربون أن الخنازير كانت تتغذى غالبا على بقايا الطعام داخل المستوطنات البشرية، وهو ما يعكس نمطا بسيطا من تربية الحيوانات داخل المدن.
ويلفت جياكاري، إلى إحدى النتائج المهمة للدراسة، وهي أن الأسماك، خصوصا البحرية، لم تكن عنصرا رئيسيا في النظام الغذائي لسكان الموقع، رغم قربه من الساحل القديم للخليج العربي ومن شبكة الأنهار والمستنقعات في جنوب العراق.
ويرى الباحثون أن استهلاك الأسماك ربما كان محدودا أو موسميا، أو أن بعض الأنواع مثل المحار قد يكون من الصعب رصدها في التحليل النظائري إذا كانت تستهلك بكميات صغيرة.
كما تشير الدراسة إلى أن العوامل الثقافية أو الاقتصادية – مثل قيمة الأسماك في التجارة أو تفضيلات الطعام لدى السكان – ربما لعبت دورا في تحديد ما كان يأكله الناس بالفعل.
وكشفت الباحثون عن بعض الاختلافات الفردية في النظام الغذائي داخل المجتمع، إذ أظهرت بعض الهياكل العظمية مؤشرات على استهلاك أكبر للمنتجات الحيوانية مثل اللحوم أو منتجات الألبان.
وحسب الفريق، تعكس هذه الفروق اختلافات في المكانة الاجتماعية أو طبيعة العمل داخل المجتمع الحضري؛ ومع ذلك، تشير الصورة العامة إلى أن سكان الموقع كانوا يشتركون في نمط غذائي متشابه نسبيا، وهو ما يتوافق مع مجتمع حضري من الطبقات غير الثرية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة