في عصر تتداخل فيه المعتقدات والعلوم، يعتبر كثيرون أن علم الفلك هو الأداة الأوثق لتحديد بدايات الأشهر الهجرية، وخاصة شهر رمضان والعيدين.
وفي هذه المقابلة مع الجزيرة نت، يقدم لنا الدكتور زياد علاوي، الأستاذ المشارك في كلية الذكاء الاصطناعي بجامعة بغداد وعضو الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك وصاحب "معيار علاوي العالمي"، نظرة دقيقة على معايير رؤية الهلال، مستعرضا أحدث التطورات العلمية والتطبيقية في هذا المجال، ومتحدثا عن معياره الجديد "معيار علاوي العالمي".
تساعد المعايير الفلكية في التنبؤ بإمكانية رؤية الهلال الجديد، وهو أمر حيوي لتحديد بدايات الأشهر القمرية مثل رمضان وعيد الفطر وموسم الحج.
وتنوّع المعايير يتيح تحسين الدقة، فبينما كانت المعايير القديمة تعتمد على معامل واحد فقط، هو"الاستطالة" (Arc of Crescent Visibility- ARCV)، وهو المسافة المباشرة بين الشمس والقمر في وقت التحري، تطورت في العقود الماضية لتشمل معاملات أخرى، مثل عمر الهلال (Age) ومكثه (Moonset) وسمكه (Crescent Width- W)، وذلك من أجل تقليل الأخطاء في احتمال العثور عليه.
وقد كانت بعض المعايير القديمة مرتبطة بأرصاد في مناطق محددة، مما قلل دقتها عند تطبيقها في خطوط عرض مختلفة، مثل المناطق الاستوائية.
يتميز معيار علاوي بنقاط عدة:
وقد طورت تطبيقا خاصا على الحاسوب لإنشاء تقرير رؤية الهلال ورسم خارطة هذه الرؤية لأربع معايير معتمدة، وهي معيار يالوب ومعيار عودة ومعيار جنوب أفريقيا إضافة لمعياري الخاص.
نعم، يتم الحكم على المعايير بمقارنة نتائجها مع سجلات الرصد التاريخية، فالمعيار الأفضل يعطي أقل نسبة خطأ عند اختباره مقابل قاعدة بيانات ضخمة من الأرصاد الموثقة، مثل بيانات "شيفر" (Schaefer) و"يالوب" (Yallop) و"عودة" (Odeh) إلى جانب العديد من المعايير القديمة أسقطت أو عدلت لأنها لم تتنبأ بشكل صحيح في حالات معينة.
الأهلة الحرجة هي تلك التي تكون خصائص الهلال فيها مثل -الاستطالة أو السمك- قريبة من الحد الأدنى للرؤية. فعلى سبيل المثال هناك ما يعرف بـ"حد دانجون" (Danjgon Criterion) وكان ينص على أن الهلال لا يُرى إذا كانت استطالته أقل من 7 درجات.
لاحظ أنه معيار اعتمد متغيرا واحدا فقط هو الاستطالة، في حين أن المعايير الحديثة مثل معيار علاوي أو عودة أو يالوب تعتمد متغيرين على الأقل، ما يساعد على تفسير هذه الحالات وتحديد إمكانية الرؤية بدقة.
يقسم معيار علاوي الرؤية إلى ست مناطق:
تظهر رسومات معايير رؤية الهلال على شكل أقواس منحنية بسبب طبيعة الأرض الكروية، إذ تختلف زاوية ارتفاع الهلال واستطالته بالنسبة للأفق باختلاف خط العرض والموقع الجغرافي للراصد.
والمعاملان الرئيسيان في هذه الرسومات هما قوس الرؤية وسمك الهلال، ويتغيران مع موقع الراصد.
وعند تحويل هذه القيم الفلكية إلى خريطة ثنائية الأبعاد، تتشكل أقواس تحدد مناطق الرؤية المختلفة. كذلك يؤثر شكل الضوء الساقط من الهلال على الأرض، إذ ينعكس بزاوية مختلفة بين الشمال والجنوب، مما يجعل الحدود مرئية كأنها أقواس.
وفي خطوط العرض القصوى، قد لا تصل الأقواس لأقصى الشمال أو الجنوب لأن القمر قد لا يظهر أو لا يغرب، وهو ما كان يمثل تحديا للمعايير القديمة قبل تطويرها بمعايير حديثة لتغطية مناطق أوسع.
ثمة أربعة معايير عالمية مشهورة ومعمول بها اليوم -سوى معيار علاوي- هي من حيث ترتيب القوة والتحديث كما يلي:
تركز معظم المعايير التقليدية على الرؤية البصرية، ولم تستخدم الأشعة تحت الحمراء معيارا مستقلا، ولكن بعض البحوث الحديثة تحاول تحسين الرؤية باستخدام تقنيات التصوير المتقدمة، وليس منها الأشعة تحت الحمراء بالطبع، لأنها ليست طريقة للرصد وليست ضمن طرق الرؤية الشرعية المقبولة حتى الآن.
نقاء الغلاف الجوي مهم جدا، وتجاهله قد يعطي رؤية وهمية للهلال. فعلى سبيل المثال، أضاف معيار شيفر معاملا خاصا للغلاف الجوي مقارنة بمن سبقه. وأما المعايير الحديثة فتأخذ تأثير الغبار والتلوث بعين الاعتبار، وهي جميعا قيم متغيرة.
تساعد المعايير في بناء تقويم هجري دقيق وموحد، وتساعد على توجيه لجان الرؤية للأماكن والأوقات الصحيحة، وتفادي الرؤية المستحيلة، وتريحهم من عناء التحري في يوم تستحيل فيه الرؤية، بل وتيسر لهم رد شهادة الشهود الذي يخالفون العلم.
نعم، هناك سلطنة عمان والمملكة المغربية، كلاهما يعتمد على هذه المعايير، فإن جاءت موافقة لاحتمالات الرؤية، أنفذت اللجان للتحري، وإلا فإن البيان يصدر بعدم إمكانية الرؤية، ويكون اليوم التالي هو المتمم للشهر.
أما الأردن، فيعتمد معيارا فريدا، إذ يستقرئ المعايير المختلفة، فإن وجد أن الرؤية مستحيلة أو غير ممكنة، فإنه لا يقبل شهادة الشهود بأي حال ومن أي بلد. لكنه يقبلها إن كانت الرؤية ممكنة ضمن مناطق الرؤية التي تشترك مع الأردن في معظم الليل، أي أفريقيا وأوروبا، حتى وإن كانت صعبة في الأردن.
رؤية هلال رمضان يوم الثلاثاء 29 شعبان 1447 هـ الموافق لـ17 فبراير/شباط 2026 ممتنعة كليا بجميع الوسائل البصرية، بما فيها التصوير الفلكي، إذ يقع القمر في النطاق "غير المرئي" وفق معياري الفلكي.
ويبقى العلم والفلك هما السبيل الأوثق لتحديد بدايات الأشهر الهجرية بدقة، فنحن نبني المعايير الحديثة اعتمادا على البيانات الفلكية وسعيا للحماية من الأخطاء البشرية، ولكي تبعدنا عن الأرصاد الخاطئة، وكل ذلك احتراما وخدمة للدين الإسلامي وروح الشرع.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة