بين حظر روسي وتلويح ترمب.. كيف ضاقت سوق الديزل على بريطانيا؟
في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لم يعد ارتفاع سعر الديزل في بريطانيا مجرد أثر جانبي لصعود النفط بسبب الحرب على إيران. ما يحدث في سوق الوقود يكشف أزمة أضيق وأكثر حساسية؛ فالضغط لا يقع على النفط الخام وحده، بل على إمدادات الديزل المكرر الذي تحتاج إليه الشاحنات والمزارع والمصانع وخدمات التوصيل.
في موسكو، مددت روسيا حظر تصدير الديزل حتى نهاية أكتوبر/تشرين الأول المقبل، في إطار سياسة تعطي الأولوية للسوق المحلية. وفي مداخلة لمراسل الجزيرة أمين درغامي، ربطت السلطات الروسية الخطوة بزيادة الطلب الداخلي خلال موسم الحصاد، وبضغوط شملت المصافي وعمليات الإنتاج والإمداد والتصدير.
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 حادث مميت ونهاية مفاجئة.. وفاة قائد شباب إنجلترا السابق عن 32 عاما
* list 2 of 2 "سألقيها في سلة المهملات".. أسطورة مانشستر يونايتد يفتح النار على السيتي (فيديو) end of list
وفي الوقت نفسه، زاد اضطراب إمدادات الطاقة ومسارات الشحن المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط الضغط على سوق المنتجات النفطية. وحذر "نادي السيارات الملكي البريطاني" من أن أسعار الوقود في بريطانيا تبقى شديدة التأثر بالأحداث البعيدة عن شواطئها وباستمرار اضطراب الإمدادات.
ثم جاء عامل ثالث يثير القلق، هو تلويح الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بتقييد صادرات الديزل من أمريكا في محاولة لخفض أسعار الوقود محليا.
مصدر الصورة
ليست أزمة نفط فقط
في محطة للوقود وسط لندن، رصد مراسل الجزيرة حافظ مريبح تجاوز سعر لتر الديزل جنيهين. وهو مشهد يعكس ما وصلت إليه السوق البريطانية بعد ارتفاع متوسط السعر على مستوى البلاد إلى مستوى قياسي، متجاوزا ذروة أزمة الطاقة في عام 2022.
وبحسب "نادي السيارات الملكي البريطاني"، بلغ متوسط سعر لتر الديزل في بريطانيا 199.18 بنسا في 28 سبتمبر/أيلول، وهو أعلى متوسط مسجل في تاريخ البلاد، متجاوزا الرقم السابق المسجل في يونيو/حزيران 2022.
لكن رقم المحطة لا يشرح الأزمة وحده، فالديزل ليس وقودا عاديا في الاقتصاد البريطاني؛ فهو ما يحرك الشاحنات التي تنقل الطعام، والمركبات التي توزع السلع، والآليات التي تعمل في البناء والزراعة. لذلك، حين يتراجع المعروض أو ترتفع تكلفة وصوله، لا تبقى الفاتورة عند مضخة الوقود، بل تبدأ بالانتقال عبر سلاسل النقل إلى تكلفة المعيشة.
وفي النافذة الاقتصادية للجزيرة، لخص الأستاذ الممارس في كلية ووريك للأعمال ديفيد إلمس جوهر المشكلة بقوله إن القلق لا يتعلق بالسعر وحده، بل بالتوريد أيضا. وهذا هو الفارق بين ارتفاع في سعر النفط وسوق ديزل مضغوطة يصعب تعويض نقصه بسرعة.
مصدر الصورة
روسيا.. حظر قائم
يُعَد حظر تصدير الديزل الروسي عاملا مباشرا في المعادلة الجديدة، فروسيا من كبار موردي الديزل عالميا، وقرارها إعطاء الأولوية للسوق المحلية يسحب كميات من سوق تبحث أساسا عن بدائل.
وفي مداخلة أمين درغامي من موسكو، ربطت السلطات الروسية الحظر بزيادة الطلب الداخلي خلال موسم الحصاد، وبمشكلات واجهت المصافي وعمليات الإمداد. وهذا يعني أن جزءا من الأزمة لا يرتبط فقط بمسار الشحن أو بسعر الخام، بل بقدرة المصافي على إنتاج الوقود الذي يصل جاهزا إلى الشاحنات والسيارات.
عندما يغيب مورد كبير عن سوق الديزل، لا تنتقل الدول ببساطة إلى مورد آخر، فالبديل يحتاج إلى فائض إنتاج وناقلات وموانئ ومسارات شحن آمنة، وهذه الحلقات تتعرض كلها للضغط في الوقت نفسه.
مصدر الصورة
ترمب: مقترح لم يُنفذ
تزيد تصريحات ترمب صعوبة المشهد، فالولايات المتحدة الأمريكية من أبرز موردي الديزل في السوق العالمية، وأي تقييد لصادراتها قد يدفع المشترين في أوروبا وآسيا إلى التنافس على كميات أقل من الموردين الآخرين.
لكن الفارق مهم بين ما هو قائم وما هو محتمل، فروسيا تطبّق حظرا فعليا على صادرات الديزل، أما أمريكا فلا تزال عند مستوى الفكرة والتلويح السياسي من دون قرار نافذ.
ولا يوجد قرار أمريكي نافذ بإيقاف الصادرات حتى الآن. وقد أيد ترمب فكرة الحظر، بينما نفى البيت الأبيض أنه يُعِد حظرا شاملا لمدة 90 يوما، رغم استمرار الجدل داخل الإدارة وقطاع النفط بشأن هذا الخيار.
وقد يبدو تقييد التصدير حلا سياسيا لخفض السعر على المستهلك الأمريكي، لكنه قد ينقل جزءا من الضغط إلى السوق الدولية. فالدول المستوردة لن تواجه فقط فقدان كميات من الديزل الأمريكي، بل منافسة أكبر على الإمدادات المتاحة من مناطق أخرى.
مصدر الصورة
قد يبدو غريبا أن تتأثر بريطانيا بهذا القدر، وهي تنتج النفط والغاز من بحر الشمال. لكن النفط الخام لا يتحول تلقائيا إلى ديزل في محطة الوقود، فالمسافة بينهما تمر عبر المصافي وشبكات التوزيع وسوق المنتجات المكررة. وتبقى بريطانيا، رغم إنتاجها، مستوردا صافيا للنفط والغاز على المدى الطويل، بحسب هيئة انتقال بحر الشمال البريطانية.
وهنا تظهر نقطة الضعف البريطانية. فبحسب رويترز، انخفض عدد المصافي العاملة في البلاد إلى 4 مصاف بقدرة إجمالية تبلغ نحو مليون برميل يوميا، مقارنة بـ6 مصاف بقدرة 1.27 مليون برميل يوميا في وقت سابق، ويعادل ذلك تراجعا يقارب الخمس في القدرة على التكرير.
كما تستورد بريطانيا نحو 55% من الديزل الذي تستهلكه، وفق رويترز التي استندت إلى أحدث بيانات الطاقة البريطانية. لذلك لا تحميها وفرة النفط الخام من صدمة الوقود المكرر، بل تجعلها أكثر حساسية لما يحدث في المصافي والموانئ وطرق الشحن خارج حدودها.
من فاتورة النقل إلى تكلفة المعيشة
لا يحتاج القارئ إلى حفظ متوسطات الأسعار اليومية كي يفهم حجم الأثر، فالفكرة أبسط: كلما ارتفع الديزل ارتفعت تكلفة تحريك البضائع.
تبدأ الزيادة عند سائق الشاحنة أو شركة التوصيل، ثم تظهر في فاتورة المزرعة والمصنع والمخزن والمتجر. ولا يعني ذلك أن كل ارتفاع في سعر الغذاء سببه الديزل، لكنه يضيف تكلفة جديدة إلى سلسلة تعاني اضطراب الطاقة والشحن.
وحذر "نادي السيارات الملكي البريطاني" من أن ارتفاع سعر الديزل يضغط على الأسر والشركات، وأن تكلفة النقل المعتمدة على شاحنات وفانات الديزل تنتقل في النهاية إلى أسعار السلع والخدمات.
الأزمة التي كشفتها المضخة
الارتفاع الحالي لا تصنعه الحرب وحدها، ولا حظر روسيا وحده، ولا تصريحات ترمب وحدها. إنه نتيجة التقاء عوامل عدة: اضطراب إمدادات الطاقة والشحن، ومورد روسي يوقف تصدير الديزل، واحتمال أن تحتفظ أمريكا بجزء أكبر من ديزلها داخل سوقها المحلية.
أما في بريطانيا، فتتضاعف حساسية الصدمة بسبب تراجع قدرة التكرير والاعتماد على الواردات. لذلك لا تكشف لوحة الأسعار في محطة لندن غلاء الوقود فقط، بل تكشف هشاشة اقتصاد يحتاج إلى الديزل كي يواصل الحركة، لكنه لا يملك سيطرة كاملة على مصدره أو طريق وصوله.