في تحليل نشرته صحيفة "جيروزاليم بوست"، يرى كبير مراسلي شؤون الشرق الأوسط والمحلل سيث فرانتزمان أن الجدل الدائر قد ينطلق من قراءة غير دقيقة لطبيعة الاتفاق، الذي يبدو أقرب إلى تدشين مسار طويل الأمد للتعاون والتنسيق الدفاعي، وفق تقديره، وليس إنشاء آلية تتيح الانتشار العسكري السريع للدول المشاركة على أراضي شركائها.
ويشير فرانتزمان إلى أن تقدم الحوثيين في اليمن باغت السعودية والمنطقة، في وقت كانت الرياض تعمل على ترسيخ تحالفها الدفاعي الجديد مع تركيا وباكستان.
ومع تصاعد المواجهات، برزت قراءات إعلامية تشكك في قدرة الاتفاق على التعامل مع الاختبار اليمني، فيما تساءلت تقارير أخرى عن أسباب عدم تحرك أنقرة وإسلام آباد عسكرياً لمساندة الرياض.
ويلفت التحليل إلى أن النقاش بشأن مستقبل الاتفاق يأتي بعدما كانت تقارير تتحدث عن احتمال انضمام دول أخرى إليه، قبل التصعيد الأخير، ما عزز التصورات بشأن تحوله إلى إطار أمني إقليمي أوسع، وصل في بعض القراءات إلى مقارنته بحلف شمال الأطلسي "الناتو".
بحسب فرانتزمان، فإن افتراض أن "اتفاق مكة" يقتضي دخول تركيا وباكستان في حرب ضد الحوثيين قد يكون ناتجاً عن فهم مبالغ فيه لطبيعة التحالف، فالاتفاق دفاعي في جوهره، بينما كانت الحرب في اليمن قائمة أصلاً عند توقيعه، ولم تظهر مؤشرات في ذلك الوقت إلى أن الرياض تعتزم مطالبة شريكَيها بإرسال قوات إلى اليمن أو نشر منظومات دفاع جوي داخل المملكة.
ويضيف أن التعاون الدفاعي بين السعودية وباكستان سبق الاتفاق الجديد من دون أن يقود إلى مشاركة إسلام آباد في حرب اليمن، وهو ما يدعم فكرة أن التعاون العسكري بين الدول لا يعني بالضرورة التدخل المباشر في كل نزاع يخوضه أحد الأطراف.
ولشرح هذه الفكرة، يستحضر فرانتزمان تجربة "الناتو"، الذي تأسس على مبدأ الدفاع الجماعي، لكنه لم يشارك في جميع الحروب التي خاضتها دوله الأعضاء، فالتحالف لم يدخل حرب فيتنام إلى جانب الولايات المتحدة، كما لم يشارك في حرب فوكلاند أو النزاع في أيرلندا الشمالية.
يرى فرانتزمان أن الرياض قد تستفيد من الخبرات العسكرية التركية والباكستانية، ولا سيما أن البلدين خاضا تجارب طويلة في مواجهة حركات مسلحة، لكنه يعتبر أن حدود هذه الاستفادة تبقى مرتبطة بطبيعة الصراع وبالسياسة التي ستقرر السعودية اتباعها في المرحلة المقبلة.
ويشير في هذا السياق إلى أن باكستان، رغم امتلاكها جيشاً كبيراً، خاضت مواجهات طويلة مع حركات تمرد، فيما راكمت تركيا بدورها خبرة عسكرية خلال مواجهتها مع حزب العمال الكردستاني، معتبراً أن التجربة التركية حققت نتائج أكبر في هذا المجال مقارنة بالتجربة الباكستانية.
وفي خلاصة التحليل، يضع فرانتزمان تحديد الرياض لخياراتها المقبلة في صلب أي دور محتمل لشريكَيها، إذ يصعب على تركيا وباكستان تقديم دعم عملي قبل اتضاح السياسة السعودية نفسها.
ومن هنا، يرى أن الاختبار الحالي لا يعني بالضرورة فشل "اتفاق مكة"، بقدر ما يكشف أن الاتفاق لا يزال أقرب إلى بداية مسار للتنسيق والتعاون الدفاعي بين الدول الثلاث، وليس تحالفاً قائماً على التدخل العسكري الفوري كلما دخل أحد أعضائه في مواجهة.
المصدر:
يورو نيوز
مصدر الصورة