آخر الأخبار

بين فاجعة "بن قردان" وأزمة الماء والكهرباء.. صيف تونس تحت وطأة الحرّ والغضب الشعبي

شارك

بقي أحد الناجين يصارع الموت في البحر لنحو 48 ساعة، قبل أن تعثر عليه سفينة تجارية وتتمكن من إنقاذه، فيما تداول تونسيون فيديو يظهر مؤثر لحظة تعرّف أحد الأشخاص على جثة شقيقه في البحر.

أدى غرق مركب كان يقلّ 15 مهاجرا غير شرعي، قبالة سواحل بن غردان جنوب شرقي تونس، إلى اندلاع موجة من الغضب والاحتجاجات. وقد تزامنت هذه الفاجعة مع أزمة مياه خانقة، وموجة حر شديدة، و انقطاعات متكررة للتيار الكهربائي تضرب مناطق عدة من البلاد.

وغادر المركب سواحل بن غردان نهاية الأسبوع الماضي، قبل أن يختفي أثره في عرض البحر. وتمكّن الناجي الوحيد من مصارعة الأمواج والبقاء نحو 48 ساعة في المياه، إلى أن عثرت عليه سفينة تجارية وأنقذته، فيما تواصلت خلال الأيام التالية عمليات تمشيط السواحل والبحث عن المفقودين وانتشال الجثامين.

وخلفت المأساة ألمًا واسعًا في منطقة بن قردان، لا سيما بعدما تبيّن أن سبعة من ركاب المركب ينتمون إلى عائلة واحدة، وفق ما نقله رئيس المرصد التونسي لحقوق الإنسان مصطفى عبد الكبير، استنادًا إلى المعطيات المتوفرة بشأن الحادث.

ولم تبق مأساة البحر داخل البيوت.

فقد تحوّلت إلى غضب في الشارع، حيث خرج محتجون في بن قردان وأضرم بعضهم النار في الإطارات المطاطية وأغلقوا طرقًا، قبل أن تتدخل قوات الأمن بالغاز المسيل للدموع لتفريق المحتجين.

وفي خضم الحزن الذي خيّم على المدينة، انتشر على منصات التواصل الاجتماعي فيديو مؤثر لشاب يتعرف على جثمان شقيقه الذي لفظته أمواج البحر. وأعيد تداول اللحظة في منشورات ورسومات كاريكاتورية عبّرت عن الصدمة التي تركها الحادث في نفوس التونسيين.

تعاني بن قردان منذ عدة سنوات من تداعيات تراجع النشاط التجاري المرتبط بالمعبر الحدودي مع ليبيا، الذي كان يمثل شريانًا اقتصاديًا رئيسيًا ومصدرًا لرزق آلاف السكان في المدينة الحدودية.

ومع تراجع النشاط الاقتصادي، واشتداد الضغوط الاجتماعية والمالية، وتقلص فرص العمل، اتجه عدد من أبناء المنطقة خلال السنوات الماضية إلى ركوب قوارب متهالكة في محاولة للوصول إلى أوروبا.

وتشير المعطيات الأخيرة إلى تراجع حاد في أعداد الرحلات المنطلقة من تونس خلال العامين الماضيين، بالتزامن مع تشديد الرقابة البحرية والحدودية، بدعم أوروبي، ولا سيما من إيطاليا. غير أن هذا التراجع لم يضع حدًا لظاهرة الهجرة غير النظامية، ولم ينهِ المخاطر التي يواجهها المهاجرون خلال محاولات العبور.

الماء.. أزمة أخرى من أزمات تونس

جاءت فاجعة بن قردان في وقت تعيش فيه تونس صيفًا لم تشهد قبله مثيلًا، حيث تتزامن فيه أزمة المياه مع ارتفاع في درجة الحرارة واضطرابات التزود بالكهرباء وتراجع القدرة على الوصول إلى بعض الخدمات الأساسية.

وخلال شهر يوليو/تموز وحده، سجّل المرصد التونسي للمياه مئات التبليغات المتعلقة بشحّ وعدم انتظام إمدادات المياه، وهي أعلى حصيلة شهرية يسجّلها المرصد، معتبرًا أن البلاد دخلت مرحلة حرجة من حالة الطوارئ المائية، بالتزامن مع ذروة الصيف واشتداد موجة الحر.

فقد شهدت الأسواق التونسية تراجعاً في المعروض من المياه المعبأة، التي باتت المصدر الرئيسي لمياه الشرب لدى كثير من التونسيين، في ظل تراجع جودة مياه الصنابير، وتكرار انقطاعات التزويد بالمياه في عدد من مناطق البلاد، إضافة إلى شكاوى من تلوث مياه الحنفية. وفي بعض المناطق، يضطر السكان، عند توفر قوارير المياه، إلى شرائها من محال البقالة بأسعار تفوق المعتاد.

وعلّق الرئيس قيس سعيّد على الوضع، واصفًا إياه بـ"غير الطبيعي"، من دون أن يعلن عن إجراءات أو حلول محددة للأزمة.

وكانت منظمة "آلارت" وهي جمعية اقتصادية مستقلة، قد نشرت في وقت سابق توضيحات بشأن أسباب شحّ قوارير المياه المعدنية في الأسواق التونسية، مرجعةً ذلك إلى ما وصفته بـ"أزمة مركبة تلوح في الأفق".

وقالت المنظمة إن النقص المسجّل يعود، في الوقت الراهن، إلى الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي، التي أثرت بشكل مباشر في وتيرة الإنتاج داخل مصانع تعبئة المياه، ما انعكس على حجم المعروض في الأسواق.

انقطاع الكهرباء في عز القيظ

تشهد تونس منذ منتصف الصيف موجة حرّ شديدة، ترافقت مع انقطاعات متكررة للتيار الكهربائي في عدد من المناطق، ما أثّر بشكل مباشر على الحياة اليومية للمواطنين حيث لا إمكانية لاستعمال المراوح والمكيفات إن وُجدت.

وكانت البلاد قد شهدت خلال الصيف موجة حرارة قوية تزامنت مع انقطاع للطاقة استمر ساعات طويلة، وأثّر في عمل عدد من الخدمات الأساسية، كما أودت بحياة مواطنين بسبب تعطل أجهزة طبية تعتمد على الكهرباء.

وبعد أن عاد الوضع تدريجيًا إلى نسقه الطبيعي وتراجعت حدة الانقطاعات، عادت الاضطرابات مجددًا مع ارتفاع درجات الحرارة خلال الفترة الأخيرة.

قضية أمام القضاء بسبب شعار في الشارع

وكانت العاصمة التونسية قد شهدت الخميس 20 آب/أغسطس خروج مئات الأشخاص في مسيرة دعا إليها تحرك "نَفَس"، وتجمع المشاركون في ساحة الجمهورية قبل التوجه نحو شارع الحبيب بورقيبة. ورُفعت خلال المظاهرة لافتات تنتقد تدهور ظروف المعيشة، وارتفاع الأسعار، والخدمات العمومية، والحريات، إلى جانب الدعوة إلى تحسين التزود بالماء والكهرباء وإنهاء أزمة نقص بعض المواد الأساسية والأدوية.

ورفع المحتجون شعارات تنتقد أداء السلطة وتطالب برحيل الرئيس قيس سعيّد ، بينما ردد آخرون شعارات تدعو للإفراج عن المعتقلين السياسيين وتندد بما يعتبرونه "تراجعًا في الحريات".

وتأتي هذه التحركات بعد خمس سنوات من الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها سعيّد في يوليو/تموز 2021، والتي أعاد على إثرها تشكيل المشهد السياسي والمؤسساتي في البلاد.

ومنذ ذلك التاريخ، تعرضت تونس لانتقادات من منظمات حقوقية على خلفية ملاحقات طالت معارضين ونشطاء وصحفيين، في وقت تصر السلطات على أن إجراءاتها تستهدف محاسبة من تعتبرهم متورطين في قضايا أو مخالفات قانونية.

ومن أبرز الوقائع التي أثارت جدلًا خلال الأيام الأخيرة قضية الناشط سيف الدين العرفاوي، الذي أوقف يوم الجمعة 21 أوت/أغسطس، واحتجازه لمدة 48 ساعة.

وكان من بين الشعارات التي أثارت الجدل عبارة باللهجة التونسية، صيغت بطريقة مجازية، وتعني في العرف الشعبي بأن "المصيبة تحتاج إلى مستشفى للأمراض العقلية"، من دون تسمية الشخص المقصود بصورة مباشرة.

وبعد يومين من احتجازه، أصدرت النيابة العامة بالمحكمة الابتدائية لتونس، في 24 آب/أغسطس، أمرا بالسجن في حق العرفاوي، وحددت جلسة لمحاكمته يوم 27 آب أغسطس أمام محكمة الجنح، بموجب الفصل 86 من قانون الاتصالات، على خلفية ما وُصف بأنه إساءة إلى الغير عبر مواقع التواصل.

وأثار القرار رد فعل جمعية "نَفَس"، التي اعتبرت أن ملاحقة العرفاوي تندرج في سياق ما وصفها بـ"التضييق على حرية التعبير والتنكيل بالنشطاء السياسيين"، وأكدت أن الملاحقة القضائية بحقه مرتبطة بتعبيره عن مواقفه ومشاركته في تحرك مدني سلمي.

وقالت الجمعية إن "حرية التعبير ليست امتيازًا تمنحه السلطة، والاحتجاج السلمي ليس جريمة"، ورأت أنه لا يجب أن تتحول النصوص القانونية إلى أدوات لمعاقبة النشطاء بسبب مواقفهم السياسية والمدنية.

يورو نيوز المصدر: يورو نيوز
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا إيران اسرائيل

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا