في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
غزة– في خيمة متواضعة بمدينة دير البلح وسط القطاع الفلسطيني، تحاول حبات صغيرة من البذور البلدية أن تحفظ ما تبقى من ذاكرة الأرض.
وهنا في منطقة المشاعلة الزراعية أعيد افتتاح بنك القرارة للبذور المحلية، بعد أن دمر جيش إسرائيل البنك الرئيسي بكل ما كان يحتويه من بذور بلدية وآلات ومعدات.
ولا تبدو الخيمة، التي اتخذ منها القائمون على البنك مقرا مؤقتا، شبيهة بما كان عليه الحال قبل اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، لكنها تحمل مهمة أكبر من حجمها: حماية البذور البلدية من الانقراض، وإعادة إكثارها، ومساعدة المزارعين على مواصلة الزراعة في ظل ظروف استثنائية أخرجت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية من الخدمة.
يقول المسؤول عن بنك البذور سلامة مهنا للجزيرة نت إن البنك مؤسسة غير ربحية، جاءت في وقت يواجه فيه الغزيون أوضاعا سيئة للغاية ويكافحون من أجل الاستمرار في الزراعة وسط التدمير والتجريف والقيود المشددة على إدخال مدخلات الزراعة.
ويختصر الواقع المأساوي في غزة، على إثر سنوات من الحرب والحصار والتدمير بعبارة "المزارع مستهدف" في إشارة لحجم الضرر الهائل الذي أصابهم بشريا وماديا.
قبل اندلاع الحرب كان بنك البذور يضم نحو 42 نوعا من البذور البلدية، تقدر كمياتها بنحو 70 طنا، تمثل مخزونا محليا من الأصناف الزراعية التي اعتاد المزارعون في غزة زراعتها وتناقلها، بعيدا عن الاعتماد الكامل على البذور المستوردة.
لكن الحرب دمرت مبنى البنك الرئيسي بصورة كاملة، بما فيه من بذور ومعدات وآلات، لتبدأ إعادة بنائه من الصفر في خيمة، وبات الوضع البائس هناك يشكل سمة الحياة القاسية في غزة.
وبعد سلسلة من الصعوبات والتعقيدات، وبدعم من اللجنة الدولية للصليب الأحمر نجح القائمون على بنك البذور في توفير 28 نوعا من البذور، في محاولة لاستعادة جزء من المخزون الذي فقد خلال الحرب.
ويشير مهنا إلى أن البذور البلدية التي يعمل البنك على تجديدها وإكثارها لم تكن مجرد مادة زراعية، بل كان لها دور في التخفيف من وقع المجاعة المتكررة خلال سنوات الحرب، بعدما شكلت الزراعة المحلية أحد منافذ توفير جزء من الغذاء في ظل قيود جيش الاحتلال على توريده من الخارج.
لا تتعلق معركة هذا البنك بالبذور وحدها، فالمشكلة الأكبر -بحسب أحد القائمين عليه المزارع يوسف الأسطل- أن المساحات التي يمكن للمزارعين الوصول إليها وزراعتها تقلصت بصورة هائلة نتيجة الدمار والتجريف واستيلاء الخط الأصفر على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية الواقعة على امتداد حدود شرق القطاع.
ويقول الأسطل للجزيرة نت إن القطاع بحاجة ماسة إلى بنك البذور، نظرا لصغر مساحته الجغرافية وسهولة إغلاقه وتقييد سكانه، وهو ما تمارسه قوات الاحتلال فعليا منذ اندلاع الحرب، خاصة فيما يتعلق بقيودها ومنعها إدخال البذور ومدخلات الزراعة.
ويحذر من أن كثيرا من أصناف البذور باتت تواجه خطر الانقراض نتيجة القيود وتقلص المساحات الزراعية. وبحسب تقدير الأسطل، لم يعد متاحا للمزارعين سوى ما بين 1.5% و2% من إجمالي المساحة المخصصة للزراعة، بسبب الدمار الهائل الذي خلفته الحرب، إضافة إلى المساحات التي باتت خارج نطاق الوصول الزراعي بفعل الخط الأصفر.
ومع ذلك، لا يرى الأسطل أن الزراعة في غزة أصبحت مستحيلة، رغم كل ما أحدثته آلة الحرب والتدمير، ويؤكد "هذه أرضنا، وهذا وطننا، والزراعة أحد أهم أوجه صمودنا وإصرارنا على البقاء".
ويشدد المزارع الفلسطيني على أن أهل غزة لا يعرفون المستحيل، ويقول إن الغزاويين سيواصلون الزراعة رغم التحديات والمعوقات، باعتبارها جزءا من مقاومتهم وصمودهم في مواجهة الاحتلال.
تروي هنادي مهنا، المختصة بالزراعة وعضو إدارة بنك البذور، جانبا آخر من قصة إعادة إحياء البنك، وتقول للجزيرة نت إن إعادة افتتاحه لم تكن مهمة سهلة، إذ اضطر القائمون عليه إلى البدء من الصفر تقريبا.
واستعان القائمون على البنك بمزارعين كانوا يتعاملون معهم قبل الحرب، للحصول على أنواع مختلفة من البذور، بهدف تجديدها وإكثارها والحفاظ على ما يمكن إنقاذه من الأصناف المحلية، كما توضح هنادي.
وتقول أيضا إن البنك افتتح في خيمة غير مهيأة لهذا النوع من العمل، لكن الحاجة كانت أكبر من انتظار الظروف المثالية. وتحدد المختصة بالزراعة الهدف الرئيسي للبنك بالحفاظ على البذور البلدية الأصلية وحمايتها من الانقراض، لأن فقدها لا يعني فقط فقد محصول زراعي بل خسارة جزء من التنوع الزراعي المحلي الذي تراكم عبر سنوات طويلة.
وبالنسبة لمزارعي غزة لا يمثل البنك مخزنا لأصناف البذور المحلية فحسب، بل بات وسيلة لمساعدتهم على العودة إلى الزراعة في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج وصعوبة الحصول على مستلزماتها.
وتوضيحا لقيمة بنك البذور، يقول المزارع راسم فياض للجزيرة نت "إننا نعيش ضائقة تعصف بنا وبحياتنا نتيجة منع إدخال مدخلات الزراعة والبذور والوقود والأسمدة" فضلا عن الارتفاع الكبير في أسعار كل ما يرتبط بالزراعة واستمراريتها.
وفي ظل هذا الواقع المتردي في القطاع المحاصر والمدمر، يشكل بنك البذور منفذا يساعد المزارع على البقاء والصمود والاستمرار -كما يوضح فياض- ويشرح أن البنك يقرض المواطنين البذور التي يستخدمونها في الزراعة، ثم يعيد المزارع جزءا من البذور التي ينتجها إلى البنك، في حين يحتفظ بجزء آخر لزراعته في الموسم التالي.
ولا يكتفي فياض، الذي نشأ في عائلة تتوارث مهنة الزراعة، بما يحصل عليه من بنك البذور، ويقوم بإكثار ما يتوفر من بذور وتخزينها لنفسه، ويصنع الأسمدة يدويا، وبإصرار يقول "الزراعة تحفظ ذاكرة الأرض".
وهكذا تتحول البذرة الواحدة إلى دورة حياة متكاملة: من البنك إلى الأرض، ومن الأرض إلى المزارع، وتتكاثر وتعود بذورا للبنك من جديد.
ويمتدح القائمون على بنك البذور ظاهرة لجوء نازحين إلى استغلال مساحات صغيرة محيطة بخيامهم وزراعتها، وزراعة الحدائق المنزلية، في مشهد يعكس إرادة الحياة.
أماني الناعوق : الزراعة تواجه واقعا صعبا للغاية والتربة مدمرة ومنهكة (الجزيرة)تدعم اللجنة الدولية لمنظمة الصليب الأحمر هذا البنك من أجل المساهمة في إكثار البذور البلدية المحلية، في ظل النقص الحاد في توفر المدخلات الزراعية ومن ضمنها البذور.
وتقول الناطقة باسم اللجنة أماني الناعوق للجزيرة نت إن البنك يهدف كذلك للمحافظة على البذور الأصيلة البلدية من الاندثار.
وتوضح أن المشروع يشمل كذلك تشجيع 36 مزارعا على تخصيص مساحة من أراضيهم لإكثار البذور البلدية مثل الخضار الورقية والحبوب، كما يشجع المزارعين على توريد 10% من البذور المنتجة للبنك.
ويساهم توفر البذور البلدية لحد ما في تغطية احتياجات بعض المزارعين والحدائق المنزلية في الظروف الصعبة الحالية -بحسب الناطقة باسم الصليب الأحمر- وتشير إلى أن البذور البلدية المتوفرة حاليا في القطاع لا تشمل العديد من المحاصيل الأساسية مثل الطماطم والخيار والباذنجان.
أحد الأصناف التي نجح بنك البذور بقطاع غزة في تجديدها (الجزيرة)ويستفيد حاليا من بنك البذور نحو 200 صاحب حديقة منزلية وبعض المزارعين، وتوضح الناطقة باسم الصليب الأحمر أنه رغم أهمية بنك البذور المحلية لحفظ الأنواع والاستدامة فإنه يمثل نقطة في بحر، في ظل حجم الأضرار التي لحقت بالقطاع الزراعي، وحجم احتياجات القطاع الزراعي للانتعاش والعودة إلى القدرة الانتاجية السابقة.
وتؤكد المسؤولة بالصليب الأحمر أن الزراعة في غزة تواجه وضعا بالغ الصعوبة في الوقت الراهن، حيث إن المساحات المتاحة محدودة للغاية، والتربة المتوفرة قد استُخدمت مرارا وتكرارا حتى أصبحت فقيرة جدا، إذ تعاني التربة نفسها من الإنهاك، تماما كما يعاني المزارعون.
هذا علاوة على القيود على المواد التي يمكن إدخالها لدعم الزراعة في غزة، حيث لا تتوفر بذور، ولا أسمدة، ولا تربة مشاتل لدعم زراعة بذور جديدة، كما توضح الناطقة باسم الصليب الأحمر.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة