استوحى الفيلسوف الفرنسي ألان باديو حوارات سقراط، واتخذ لكتابه عنوان حوارات أفلاطون، كي تستعيد المعاني مدلولها؛ لأن المعنى يتبدد حين تختلط الغاية والوسيلة، والدال والمدلول، والضروريات والكماليات.
يكون المجتمع سليما حين لا تختلط الغاية والوسيلة، ولا يمتزج الدال والمدلول، وحينما لا تطغى الكماليات على الضروريات، وحين تُدار أمور الحكم باسم الأغلبية ولصالحها، وليس من لدن أوليغارشية تفرض رؤيتها، وتُخضع المجتمع لهيمنتها.
غاية الفكر تحرير المفاهيم وقد غيّرها التوجه النيوليبرالي الذي شيَّأ كل شيء، وبضّع كل شيء، إن صح هذا التعبير -أي جعل كل شيء بضاعة- وحوّل المال إلى قيمة القيم، مثلما يقول الفيلسوف الألماني جورج سيمل، صاحب كتاب "فلسفة المال".
لم يعد المال وحدة قياس، بل قيمة، وحينما يصبح المال "قيمة"، تتحلل كل القيم، والنتيجة التي يخلص لها باديو هي أنه لا يمكن الجمع بين عبادة المال، في أي دولة كانت، وبين حياة عامة، وأن الطبقات المتوسطة، وقد تآكلت قدرتها الشرائية، مستعدة لكل أشكال المغامرات السياسية.
أصابنا لظى تلك التوجهات، أضحينا مجتمعات من غير معنى، يختلط لدينا الدال والمدلول، ونحسب مثلا أن الانتخابات هي الديمقراطية، وأن مظاهر الثراء هي التقدم، وأن انعدام الغاية يبرر الوسيلة، وأن الكماليات تغني عن الضروريات
تحولت الدولة، وفق التوجه النيوليبرالي، إلى شركة مساهمة غايتها أن تكون مُسهّلة، في مصطلح مغرٍ، وغدت المرافق الاجتماعية مجالا للاستثمار، وقطاعات تخضع لمعيار الربح والخسارة، ولا يُنظر إليها إلا بمقدار ما قد تُدره من ربح، والحال أنه ليس هناك مجتمع من أجل أن يقوم ويستمر، يمكنه أن يستغني عن قيم، منها التضامن، والانتماء، والتضحية.
كان التكنوقراط كهنوت التوجه العالمي، وحوّلوا نظام السوق إلى أصولية، حسب الاقتصادي جوزيف ستغليتز الحاصل على جائزة نوبل، وتحول الاقتصاد من خادم إلى ربة بيت.
أصبح الذيل ما يحرك الكلب، وليس الكلب ما يحرك الذيل، كما يقتضي منطق الأشياء، وأضحت السياسة بالتبعية تمثيلا، وقضايا المجتمع حينما يحتدم التوتر أعراض سوء تدبير تُحل بـ"مقاربة حوارية" (كذا). وكانت هذه النظرة التي لم تكن تخلو من قصور، السبب في كثير من الاهتزازات في بقاع عدة من العالم.
وأصابنا لظى تلك التوجهات، أضحينا مجتمعات من غير معنى، يختلط لدينا الدال والمدلول، ونحسب مثلا أن الانتخابات هي الديمقراطية، وأن مظاهر الثراء هي التقدم، وأن انعدام الغاية يبرر الوسيلة، وأن الكماليات تغني عن الضروريات.
نحن جزء من العالم، والتحولات التي تجري فيه لا تتخطانا، وتؤثر فينا بدرجات متفاوتة كالإعصار، والحكمة ليست في التجني على من يشير إلى الإعصار، ويوحي بوضع الموانع التي تحمي من هَوجه.
نحن مجتمعات تشكو ما أسماه دوركايم، انعدام القواعد (Anomie) في ترجمة حرفية، أو تحلل الروابط في مدلول المصطلح؛ لأنها تعيش مراحل انتقالية.
وهذا التحلل هو ما يفضي إلى أشكال عدة من الانحراف الاجتماعي؛ فالأرقام علامات، ولكن لا ينبغي للأرقام أن تحجب الحالات.
تفيدنا رواية البؤساء لفيكتور هوغو للوقوف على حجم المعاناة الإنسانية، في فرنسا القرن الـ19، والأزمنة الصعبة لديكنز في إنجلترا، أكثر مما تفيدنا بيانات الإحصاءات والمنحنيات.
الإنسان حامل لذاكرة تسكنه، وإن ضاعت منه هام على وجهه من غير هُدى. وهذا ما تذهل عنه مرجعية السوق، ولا تستطيع المقاربات التكنوقراطية- أيا كانت- أن تحيط به
ومن الطريف أن الاقتصادي الفرنسي توماس بيكتي، جعل مادة بحثه حول تاريخ مقتضب للمساواة، وهو عنوان كتاب له، ما كتبه أدباء عن مظاهر الفقر والخصاصة، في القرن الـ19 في أوروبا، وعزف عن لغة الأرقام، التي هي مجرد مؤشر، وتحتاج إلى قراءة، بل قراءات، وقد لا تفصح عن شيء.
غاية الفكر التنبيه والتحذير؛ لأنه يُذكر أن الظلال ليست هي الحقيقة، كما في أول درس يتعلمه المتعلم في دروس الفلسفة، ولا يمكن للامعنى أن يكون بديلا عن المعنى، أو أن يحجب الشكل الجوهر.
كيف الخروج من حالة اللامعنى إلى المعنى؟ ومن مجتمعات بلا قواعد، إلى مجتمعات بروابط، يشد لحمتها وعي جمعي؟ لأن المجتمعات من غير انتماء، كطوب على جدار من غير رابط ولا لحام، يمكن أن يهوي لأدنى هبّة.
لا يمكن التصدي لهذا الزيغ، أي عالم بلا معنى، إلا من خلال طموح جماعي؛ إذ لا يرتبط الإنسان بالحاضر فقط، ولكن بالمستقبل، من أمل يستحثه، له ولذريته، ولمجتمعه.
والإنسان حامل لذاكرة تسكنه، وإن ضاعت منه هام على وجهه من غير هُدى. وهذا ما تذهل عنه مرجعية السوق، ولا تستطيع المقاربات التكنوقراطية- أيا كانت- أن تحيط به .
تظل المقاربات التقنية مرتبطة بالحاضر، مقترنة بالأداء، وتجعل الشأن العام شأنا تقنيا يتم تدبيره ميكانيكيا، بمقاربة حوارية أو ما يسمى في كثير من الترخص بعلم دولة، لا ترتبط بوجدان ولا بمشاعر عامة ولا ذاكرة. وكان نفوق هذه المقاربة في الغرب، ما بعث الاتجاهات اليمينية، وما منح المدد للتوجهات الشعبوية، لكن الشعبوية جواب على قلق وخوف، ولا يستحثها أمل.
لا يمكن أن يُختزل الإنسان في اللحظة الصفر، أو "ديكتات" اللحظة، إلى ما قد يجنيه، وما قد يخسره؛ لأن للإنسان ذاكرة ووجدانا ويحمل آمالا، يتشوف إلى مستقبل لنفسه وذريته ومجتمعه، ويؤمّل بغد أفضل.
وحينما يُنزع من ذاكرته، ويُحال بينه وبين الأمل، يُنزع من إنسانيته، يمكن أن يتحول إلى آلة تُنتج، تَستهلك وتُستهلك، ولا ترتبط بأي انتماء، عدا المردودية والربح، ويمكن أن يصير، وفق هذا التوجه، وحشا ضاريا.
النخبة أو الصفوة، ليس أن تتصدر عناصر المواقع، بل أن تكون حاملة لتصور، أو لطموح جماعي وأن تمثل قدوة يُحتذى بها، وذلك من أجل القطع مع اللامعنى.. "وفي ذلك فليتنافس المتنافسون"
حينما يصدح طفل مغربي، وهو يطأ سبتة المحتلة، (عاشت إسبانيا) بالإسبانية، فمعناه أن كل المنظومة التربوية والمرجعية القيمية، التي كان من المفترض أن تُنشِّئه، في بلاده، بها مشاكل، وهل تكون الوطنية مجرد تسجيل في دفتر الحالية المدنية، أو ورقة ثبوتية، تضاف إلى أوراق ثبوتية أخرى، تُستعمل حسب الحالات، أيها أجدى؟
تعرّض العالم العربي إلى تحد وجودي، حين جثم عليه الاستعمار، واستولى على أرضه، وتولى أموره يدبرها، باسم رسالة حضارية، وراغ إلى وجدانه يوجهه، وكان للعالم العربي المناعة كي ينتفض، ليسترجع أرضه، ويتولى أمره، ويستعيد ذاكرته.
ولكن تلك الهبّة تحللت، إلا فيما ندر، ويواجه العالم العربي اليوم تحديا أكبر من تحدي الاستعمار، لأنه لم تعد له المناعة التي كانت له، لأنه ضحية اللامعنى، واهتزاز القيم، وسيادة الضحالة، فيما يترجمه البعض عن الفيلسوف الكندي ألان دونو بالتفاهة، في هذا الخلط المريب بين الغاية والوسيلة، والدال والمدلول، وتغليب الكماليات على الضروريات، وتولي الأوليغارشية تدبير الشأن العام، لأن عبادة المال، أو "قيمة" المال، تقلب القيم رأسا على عقب، بل تجهز عليها.
ولا مندوحة من أمرين، بهما تماسك المجتمعات، يقدّمان على كل شيء، الأسرة والتربية، شريطة عدم استنساخ نماذج من سياق مغاير، لأن الأسرة ليست مجرد متن قانوني لمتعاقدين، ولكن ظاهرة مجتمعية وأنثروبولوجية معقدة.
والتربية تتجاوز التعليم، ولا تنفصل عن طموح جماعي، وهي بالأساس عملية تحول، ولا يمكن لتربية ناجحة أن تستغني عن القدوة الحسنة.
أليس ذلك ما صدح به فيلسوف في القرن الـ19: ومن يربي المربين؟ أليس ذلك ما قاله شاعر قديم، في هذا البيت الذي ذهب مذهب الأمثال:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم …. ولا سراة إذا جُهالهم سادوا
والنخبة أو الصفوة، ليس أن تتصدر عناصر المواقع، بل أن تكون حاملة لتصور، أو لطموح جماعي وأن تمثل قدوة يُحتذى بها، وذلك من أجل القطع مع اللامعنى.. "وفي ذلك فليتنافس المتنافسون".
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة