وقعت باكستان والسعودية وتركيا "اتفاقية مكة" وأشارت تقارير إلى أن جوهرها يتفق مع المادة الخامسة من معاهدة "الناتو"، بحيث يُنظر لأي هجوم على دولة اعتداء على الدول الثلاث.
ويقول ستيفن كوك، الخبير في "مجلس العلاقات الخارجية" الأمريكي، إن هذا الضمان الأمني يكتسب أهمية كبيرة، "إذ يُلزِم السعودية وتركيا بالدفاع عن باكستان حال اندلاع حرب في جنوب آسيا. ومن المفترض أيضا أن تنضم القوات السعودية والباكستانية للقتال إذا ما اندلع صدام بين إسرائيل وتركيا في سوريا أو شرق البحر المتوسط".
وبعد 48 ساعة فقط من التوقيع، واجهت هذه الالتزامات أول اختبار لها، عندما أطلق الحوثيون هجوما على مصفاة تابعة لشركة أرامكو السعودية في مدينة جازان بجنوب غرب المملكة. ورغم تعرض السعودية لهجمات الحوثيين منذ 13 يوليو، لم يطلب قادتها المساعدة من شريكيهم الجديدين.
ويشير كوك، الخبير في شؤون السياسة العربية والتركية وأمريكا، في تحليل نشره المجلس، أن ذلك "ربما يعود إلى أنهم لا يرون أن التهديد الحوثي خطير. لكن الأرجح، أن القادة السعوديين، رغم الإعلان اللافت عن اتفاق أمني جديد، لم يعتقدوا أن القادة الأتراك والباكستانيين متحمسون للانخراط في القتال بشبه الجزيرة العربية".
ولا يقلل ذلك من أهمية اتفاقية مكة، لأن أهميتها لا تكمن في ضماناتها الأمنية، بل في أنها تعكس تحولا جذريا في النظام الإقليمي، "، يقلص الدور القيادي لأمريكا في المنطقة طوال عقود".
ونجحت واشنطن بشكل عام في تحقيق هذه الأهداف، رغم بعض الانتكاسات البارزة، مثل حظر النفط العربي عام 1973 والثورة الإيرانية عام 1979.
وربما بلغ هذا النظام الإقليمي ذروة قوته عندما شكلت أمريكا تحالفا للدفاع عن السعودية واستعادة سيادة الكويت بعد غزو العراق لها في 1990.
وتعرض هذا النظام لضغوط متزايدة بسبب الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، ودعم واشنطن للمحتجين خلال "الربيع العربي"، وإحجامها عن اتخاذ إجراءات حاسمة للإطاحة بنظام الرئيس السوري بشار الأسد، فضلا عن دعم واشنطن الفاتر، في أفضل الأحوال، لتدخل السعودية في الحرب الأهلية اليمنية، ورفض الرئيس دونالد ترامب تقديم دفاع مباشر عن المملكة بعد هجوم إيران على منشآت نفطية سعودية في 2019، وكذلك الحملة الإسرائيلية في قطاع غزة عقب هجمات 7 أكتوبر 2023.
ويقول الخبير، صاحب كتاب "نهاية الطموح: ماضي أمريكا وحاضرها ومستقبلها في الشرق الأوسط" إنه في أعقاب الحروب غير الحاسمة في أفغانستان والعراق، انصب النقاش داخل دوائر صنع السياسات بأمريكا، حول مسألتي الانسحاب وتقليص الانخراط الأمريكي في المنطقة.
وأضاف: "تزامنت فكرة أن الشرق الأوسط لم يعد يحظى بنفس الأهمية، مع الاعتقاد بأن ضمان تدفق موارد الطاقة من المنطقة سرعان ما بات جزءا من الماضي.واستند أحد أوجه هذا الطرح إلى الزيادة الكبيرة في إنتاج النفط والغاز محليا، ما دفع البعض إلى القول إن أمريكا، بعد أن أصبحت أقل اعتمادا على موارد الطاقة من الشرق الأوسط، بات بإمكانها الانسحاب من المنطقة".
وذهب طرح آخر، بصورة مبسطة إلى حد كبير، إلى أن حماية حقول النفط في المنطقة لم تعد ضرورية مع المضي قدما في التحول إلى مصادر الطاقة البديلة.
ولكن الطرح الأول "تجاهل، بشكل مريح، حقيقة أن أسواق الطاقة عالمية، وأن أي تهديد لها في جزء من العالم يؤثر في المستهلك الأمريكي.
أما الطرح الثاني، فقلل إلى حد كبير من صعوبة خفض الانبعاثات الكربونية في منظومة الطاقة، والمجتمع على نطاق أوسع".
وعزز عدم القدرة على التنبؤ بالسياسة الأمريكية، التي اتخذت شكلين مترابطين حالة التباين والاضطراب خلال العقد الثاني من القرن 21، ففي عام 2015، وافق الرئيس الأمريكي الأسبق، باراك أوباما، على الاتفاق النووي مع إيران- خطة العمل الشاملة المشتركة. ولكن خلفه، ترامب، ألغى الاتفاق بعد ثلاث سنوات.
وروجت أمريكا للديمقراطية في المنطقة، ثم تراجعت عن ذلك، قبل أن تعود إلى طرحها مجددا عقب الانتفاضات العربية، "ثم تخلت عنها في نهاية المطاف".
وكان بإمكان قادة المنطقة في السابق الاعتماد على قدر من الاستمرارية في السياسة الخارجية الأمريكية، لكنهم اضطروا خلال العقود القليلة الماضية إلى التعامل مع سياسة تعتمد على "كل ما يخالف ما فعله الرئيس السابق"، بغض النظر عن مدى صواب هذه السياسة أو الحكمة من ورائها.
وعزز أسلوب ترامب الدبلوماسي، "الذي يعتمد على ما يمليه عليه حدسه والإبقاء على خياراته مفتوحة، من حالة عدم القدرة على التنبؤ بالسياسة الأمريكية".
وغالبا لا يتلقى الشركاء الإقليميون لواشنطن تحذيرا مسبقا من تحولات ترامب وتقلباته، "وقد دفعوا ثمنا باهظا جراء ذلك، تمثل في استعداد إيران لاستهدافهم ردا على التحركات الأمريكية".
وأثار "ما يبدو أنه اندفاع من جانب ترامب تساؤلات لدى بعض الأطراف في المنطقة عما إذا كانت أمريكا ستتركهم بمفردهم في مواجهة إيران، التي أصبحت أكثر قوة".
ويرى كوك أنه كانت هناك لحظات بدا فيها أنه يمكن تعزيز النظام القديم الذي تقوده أمريكا، وتطويره. فقد فتحت "الاتفاقيات الإبراهيمية"، مسارا محتملا لذلك.
وأفضت الاتفاقيات إلى تشكيل تجمع "مصغر متعدد الأطراف"، يضم أمريكا والهند وإسرائيل والإمارات، وهو ما دفع بدوره إلى طرح فكرة "ممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا الاقتصادي"، بالتزامن مع مساعي التطبيع بين إسرائيل والسعودية، التي لم تفلح.
وأدى هجوم حماس على إسرائيل، والتوترات السعودية-الإماراتية بشأن إسرائيل والسودان واليمن، والحرب التي خاضتها واشنطن وتل أبيب ضد إيران، إلى انقسام المنطقة.
ويشير كوك إلى أنه في الوقت الراهن، "نجد أن السعودية، التي باتت تشعر بوضوح بقلق متزايد بشأن موثوقية أمريكا، تبحث الآن عن خيارات أخرى، ومن بينها /اتفاقية مكة للدفاع المشترك/.
ويري أن "السعودية تسعى، وشريكاها الأمنيان الجديدان، إلى إقامة نظام إقليمي جديد يتيح لهم، وليس لواشنطن، لعب دور في تشكيل ملامح المنطقة وتحديد مسارها".
أما بالنسبة لباكستان وتركيا فإن اتفاقية مكة،"تعزز.. نفوذهما في منطقة الخليج على حساب خصميهما، الهند وإسرائيل، على الترتيب".
كما أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لديه التزام أيديولوجي بهذا الاتفاق الأمني الجديد، في ظل الاهتمام الإسلامي-التركي طويل الأمد بفكرة إقامة "ناتو إسلامي".
ويؤكد كوك أن السعوديين والأتراك ذهبوا خطوة أبعد، حيث اقترحوا تغيير مسار خط السكك الحديدية الذي يشكل جزءا من "ممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا الاقتصادي"، فبدلا من أن "يمتد الخط من الأردن إلى إسرائيل، ثم يرتبط بأوروبا عبر قبرص واليونان، سوف تتجاوز البضائع إسرائيل لتواصل طريقها من السعودية عبر الأردن شمالا إلى سوريا، ثم إلى تركيا، قبل شحنها إلى أسواق أوروبا".
وفي ختام تحليله، يؤكد الخبير السياسي كوك أن المسار الذي سلكته باكستان والسعودية وتركيا، يمثل رؤية "تنافس بشكل مباشر الاتفاقيات الإبراهيمية،" مضيفا أن ذلك "يمثل تحولا كبيرا يصعب المبالغة في أهميته. فبعد خمسة عقود، لم يعد من الممكن الحديث عن نظام إقليمي في الشرق الأوسط تقوده أمريكا".
المصدر: وكالات
المصدر:
روسيا اليوم