آخر الأخبار

حماس تضع سلاحها على الطاولة.. فلماذا ترفض إسرائيل الانسحاب؟

شارك

وصلت حركة حماس إلى أبعد نقطة منذ بدء الحرب في ملف سلاحها: اتفاق مع مجلس السلام والوسطاء على صيغة من 15 بندًا لتنظيم نزع السلاح وتخزينه وتسليمه إلى جهة فلسطينية، بالتوازي مع ترتيبات للانسحاب الإسرائيلي ووقف العمليات العسكرية وإدارة قطاع غزة وإعادة إعماره. لكن الخطوة التي يفترض أن تحقق واحدًا من أبرز أهداف الحرب الإسرائيلية لم تدفع إسرائيل إلى قبول الاتفاق، بل كشفت، وفق دراسة الباحث مهند مصطفى الباحث بمركز الجزيرة للدراسات، أن الخلاف الحقيقي لم يعد يدور حول سلاح حماس بقدر ما يدور حول بقاء إسرائيل في قطاع غزة.

وتنطلق الدراسة من أن الاتفاق الجديد يمثل محاولة لوضع خطة تنفيذية واضحة لخطة ترمب، بعد أن أتاحت صياغاتها السابقة لإسرائيل تقديم تفسيرها الخاص لالتزاماتها وترتيب تنفيذ بنودها. لكن الباحث يتوقع ألا توافق إسرائيل على جوهر الاتفاق، حتى إذا تعاملت بصورة شكلية مع بعض عناصره، لأن القضية الأساسية بالنسبة إليها أصبحت عدم الانسحاب من القطاع.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 قواعد جديدة للفوز في أمريكا..هل بدأ "خريف أيباك"؟
* list 2 of 2 كيف تصدعت رواية الإعلام الأمريكي؟ end of list

آخر أوراق حماس

لم تأت موافقة حماس على الاتفاق بصورة مفاجئة. فقد أظهرت الحركة خلال يوليو/تموز مرونة متزايدة بدأت باستقالة لجنة الطوارئ الحكومية وانتهت بالتوصل إلى اتفاق مع مجلس السلام بشأن السلاح وتسليمه إلى لجنة التكنوقراط الفلسطينية.

والنتيجة العملية لهذا المسار، كما تشرح الدراسة، أن حماس لن تبقى قوة حكومية أو عسكرية في قطاع غزة. ووصف غازي حمد، عضو وفد الحركة المفاوض، ما قدمته الحركة بأنه «تنازلات من أجل الشعب الفلسطيني»، هدفها إنقاذ سكان القطاع من استمرار الإجراءات الإسرائيلية والمخططات التي تستهدفهم.

وجاء الاتفاق بعد جولات من المفاوضات في القاهرة بمشاركة الوسطاء، وبعد انتخاب خليل الحية رئيسًا للمكتب السياسي لحماس. ووصفه ترمب بأنه اتفاق «تاريخي» يضمن نزع سلاح حماس والفصائل الفلسطينية.

إعلان

لكن السؤال هو: لماذا قبلت حماس بما ظلت قضية السلاح تمثل فيها واحدة من أعقد نقاط التفاوض؟

تحدد الدراسة عدة عوامل. أولها استمرار إسرائيل في رفض تنفيذ الانسحاب من قطاع غزة وربط ذلك بنزع السلاح، في الوقت الذي واصل فيه الجيش الإسرائيلي التوسع حتى بات يسيطر، وفق الورقة، على نحو 60 إلى 70% من مساحة القطاع.

وفي الوقت نفسه، استمرت عمليات القتل والاغتيالات بصورة شبه يومية رغم اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في أكتوبر/تشرين الأول 2025. وتنقل الدراسة عن وزارة الصحة الفلسطينية أن إسرائيل قتلت نحو 1225 فلسطينيًا منذ توقيع الاتفاق، وأصابت أكثر من أربعة آلاف، بينما بلغ عدد القتلى خلال يوليو/تموز وحده 150 فلسطينيًا.

وكان العامل الثاني هو تقلص أوراق الضغط التي تملكها حماس. فقد مثل الأسرى الإسرائيليون أقوى هذه الأوراق، وساعدوا الحركة على دفع إسرائيل إلى قبول وقف إطلاق النار، إلى جانب ضغوط ترمب. لكن بعد استعادة إسرائيل جميع أسراها، ولاسيما الأحياء، تغير ميزان التفاوض.

وبحسب الدراسة، بدأت إسرائيل بعد ذلك في العودة تدريجيًا إلى القصف والاغتيالات، وتراجعت عن بعض التزامات المرحلة الأولى، ومنها الإدخال الكامل للمساعدات الإنسانية، ورفضت الانتقال إلى المرحلة الثانية قبل نزع سلاح حماس والقطاع.

مصدر الصورة خليل الحية رئيس المكتب السياسي لحركة حماس (الفرنسية)

وهكذا بقي السلاح الورقة الأخيرة.

لكن الدراسة تميز هنا بين السلاح وورقة الأسرى: فالسلاح لم يعد أداة ضغط تستطيع حماس استخدامها لإجبار إسرائيل على تقديم تنازل مماثل لما فعلته ورقة الأسرى، وإنما أصبح الذريعة التي تقول إسرائيل إنها تمنعها من الانسحاب.

ومن هنا راهنت حماس على التخلي عن هذه الورقة مقابل تعهد مجلس السلام والجانب الأمريكي بأن يؤدي نزع السلاح إلى زيادة الضغط على إسرائيل للانسحاب، بعدما تكون قد حققت هدفيها المعلنين: إنهاء حكم حماس ونزع سلاحها. لكن حماس لم توافق على تسليم سلاحها بلا شروط وضمانات. وهنا تكمن أهمية الصيغة التي انتهت إليها مفاوضات القاهرة.

أول هذه الضمانات أن الاتفاق يتحدث عن تخزين السلاح لا تدميره. كما أن السلاح لا يسلم إلى إسرائيل أو إلى جهة أجنبية، وإنما إلى لجنة التكنوقراط الفلسطينية التي تتولى حصره وتخزينه.

والضمان الثاني أن العملية، وفق الصيغة التي وافقت عليها حماس، لا تسير في اتجاه واحد؛ إذ يفترض أن يكون نزع السلاح والانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة عمليتين متوازيتين، مع وقف العمليات العسكرية والاغتيالات.

والثالث يتعلق بالميليشيات المسلحة التابعة لإسرائيل داخل القطاع، إذ يقضي الاتفاق بتفكيكها ومنع دمج عناصرها في أجهزة الأمن بعد تولي اللجنة الوطنية الفلسطينية المهام الحكومية والأمنية.

أما الرابع فيشمل تنفيذ البروتوكول الإنساني وإدخال المساعدات، ودخول لجنة التكنوقراط لإدارة القطاع، وفتح الطريق أمام إعادة الإعمار.

ويضاف إلى ذلك بند سياسي يتجاوز الترتيبات الأمنية المباشرة، وهو اعتراف الخطة بحق الفلسطينيين في تقرير المصير وإقامة دولة فلسطينية.

خمسة أيام من الصمت الإسرائيلي

قبل إعلان الاتفاق، وافق المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر على دخول مجلس السلام إلى غزة، بما في ذلك السماح بدخول قوة الاستقرار الدولية للإشراف على منطقة تجريبية في جنوب القطاع. وكان إيتمار بن غفير المعارض الوحيد للقرار.

إعلان

ثم عاد نتنياهو من واشنطن، وفي 31 يوليو/تموز أعلن ترمب التوصل إلى الاتفاق مع حماس.

وكان اللافت أن إسرائيل التزمت الصمت رسميًا طوال الأيام الخمسة التالية.

صدرت اعتراضات من وزراء ومسؤولين إسرائيليين، لكن الحكومة نفسها لم تعلن موقفًا. وتفسر الدراسة ذلك باعتباره تكتيكًا من نتنياهو؛ فالرفض الفوري بعد احتفاء ترمب بالاتفاق بوصفه إنجازًا تاريخيًا كان يمكن أن يفتح مواجهة مباشرة مع الإدارة الأمريكية ويقلص قدرة نتنياهو على محاولة تعديل الاتفاق.

وزاد الموقف حساسية أن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، الذي تصفه الدراسة بأنه مقرب من إسرائيل وداعم لها، أشاد هو الآخر بالاتفاق واعتبره إنجازًا دبلوماسيًا كبيرًا للإدارة الأمريكية.

وفي الداخل الإسرائيلي ظهرت تقديرات تدعو إلى قبول الاتفاق، ليس فقط لتجنب الصدام مع واشنطن، وإنما لأن موافقة حماس على نزع سلاحها تحقق مطلبًا إسرائيليًا ظل طوال الحرب واحدًا من أهدافها المعلنة.

لكن الرفض كان واسعًا أيضًا. فقد طالب بن غفير بالعودة إلى الحرب وتهجير سكان غزة، بينما طالب وزراء «الصهيونية الدينية» نتنياهو بإلغاء قرار السماح بدخول مجلس السلام وقوة الاستقرار الدولية. وحتى المعارضة الإسرائيلية انتقدت الاتفاق، بحجة أن تخزين السلاح لا يعني نزعه، وأن بقاءه تحت إشراف لجنة التكنوقراط قد يترك لحماس إمكانية الوصول إليه واستخدامه.

مصدر الصورة تنازل حماس عن سلاحها لم يعد يرضي غرور إسرائيل(رويترز)

إسرائيل تغير معادلة الاتفاق

ثم بدأت الصيغة نفسها تتغير.

ففي 3 أغسطس/آب التقى نيكولاي ملادينوف نتنياهو لمناقشة خطة مجلس السلام، وطالب بوقف القصف والاغتيالات الإسرائيلية في غزة.

لكن ما أعقب اللقاء كشف تحولًا مهمًا: أوضح مجلس السلام أن الانسحاب الإسرائيلي سيكون بعد نزع سلاح حماس، بدلًا من أن يجري بالتزامن معه، كما تغير الحديث من «الانسحاب الكامل من غزة» إلى «انسحابات في غزة».

وهنا أصاب التعديل إحدى الضمانات الأساسية التي دفعت حماس أصلًا إلى قبول الاتفاق: التوازي بين التخلي عن السلاح والانسحاب الإسرائيلي.

وفي الرابع من أغسطس/آب، وبعد خمسة أيام من إعلان ترمب، خرج نتنياهو بموقفه العلني: إسرائيل ترفض الاتفاق بصيغته المطروحة.

وأرسلت الحكومة الإسرائيلية ملاحظاتها، وكان في مقدمتها تدمير السلاح بدلًا من تخزينه، ورفض الانسحاب قبل التأكد من نزع سلاح حماس كاملًا، ورفض مشاركة تركيا وقطر في لجنة التحقق من تنفيذ الاتفاق، فضلًا عن رفض الوقف الكامل للعمليات العسكرية الإسرائيلية بعد 14 يومًا من المصادقة عليه.

وعلق نتنياهو بنبرة ساخرة على الرهان الأمريكي قائلًا إن «ترمب وفريقه يعتقدون أنهم قادرون على نزع سلاح حركة حماس، نحن نفحص ذلك».

إذا لم يعد السلاح المشكلة.. فما المشكلة؟

هنا تنتقل الدراسة إلى استنتاجها المركزي.

فلو كان نزع سلاح حماس هو القضية الأساسية لإسرائيل، فإن الاتفاق الجديد يمنحها، من وجهة نظر الباحث، جزءًا كبيرًا مما طالبت به: حصر السلاح، وجمعه، وتخزينه في مكان معلوم، ووضعه تحت إشراف لجنة فلسطينية تابعة لمجلس السلام.

بل إن معرفة أماكن تخزينه ستتيح لإسرائيل رصده، وحتى تدميره لاحقًا إذا أرادت.

ولهذا تعتبر الدراسة موافقة حماس على التخلي عن سلاحها – حتى تحت تسمية «التخزين» – تحولًا تاريخيًا بالفعل. لكن رفض إسرائيل الاتفاق رغم ذلك يدفع الباحث إلى نتيجة مختلفة: المشكلة لم تعد السلاح، وإنما الانسحاب الإسرائيلي من غزة.

وتدعم الدراسة هذا الاستنتاج بمراجعة أهداف الحرب الإسرائيلية الأربعة المعلنة.

فإسرائيل استعادت جميع أسراها مع تنفيذ المرحلة الأولى من اتفاق أكتوبر/تشرين الأول. والاتفاق الجديد يحقق هدف نزع سلاح حماس. كما انتهى حكم الحركة للقطاع باستقالة لجنة الطوارئ الحكومية في يوليو/تموز. أما هدف إزالة التهديد الأمني من غزة، فترى الدراسة أنه تحقق منذ احتلال رفح في مايو/أيار 2024.

إعلان

وبذلك تكون الأهداف الأربعة الأصلية للحرب قد تحققت، أو أصبح تحقيقها متاحًا بموجب الاتفاق الجديد. ومع ذلك يرفض نتنياهو الانسحاب.

لماذا تريد إسرائيل البقاء في غزة؟

تحدد الدراسة ثلاثة دوافع.

الأول أيديولوجي. فالحرب، بحسب الباحث، تجاوزت لدى اليمين الإسرائيلي مسألة الأمن وأحداث السابع من أكتوبر، وأصبحت مرتبطة بمشروع إعادة احتلال قطاع غزة والاستيطان فيه، واستعادة المشروع الاستيطاني الذي انتهى بالانسحاب الإسرائيلي عام 2005.

والثاني أمني، لكنه يتصل بعقيدة مختلفة عن مجرد نزع سلاح حماس: إقامة مناطق عازلة واسعة حول إسرائيل، خالية من السكان ومن البنية التحتية المدنية والعسكرية.

أما الثالث فهو انتخابي. فنتنياهو لا يريد عشية الانتخابات الإسرائيلية أن يقدم لجمهور اليمين خطوة تبدو انسحابًا من غزة أو انتقالًا إلى مرحلة سياسية يدخل فيها التكنوقراط الفلسطينيون ويتولون إدارة القطاع. فهذا الجمهور يريد استمرار الاحتلال والاستيطان، وأي تراجع عن هذا الهدف يمكن أن تكون له كلفة انتخابية على نتنياهو.

ومن هنا تصل الدراسة إلى خلاصتها: نزع السلاح تحول، في الموقف الإسرائيلي، من هدف إلى ذريعة.

فحتى عندما وافقت حماس على صيغة تنهي وجودها قوة عسكرية وحاكمة، لم يؤد ذلك إلى قبول إسرائيل الانتقال إلى المرحلة السياسية أو الانسحاب. وترى الورقة أن السبب هو السعي إلى تحويل الوجود العسكري الإسرائيلي في غزة إلى حالة ثابتة، تمهد مستقبلًا للاستيطان.

وبذلك تقلب الدراسة السؤال الذي رافق المفاوضات طوال الشهور السابقة. لم يعد السؤال: هل تنزع حماس سلاحها كي تنسحب إسرائيل؟ وإنما أصبح، بعد قبول حماس بالتسوية: إذا وُضع السلاح جانبًا، فما الذي يمنع إسرائيل من الانسحاب؟

وإجابة الدراسة حاسمة: إسرائيل نفسها لا تريد الانسحاب.

______________

للاطلاع على الدارسة (اضغط هنا)

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا إيران اسرائيل تركيا

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا