في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بدأ وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر -اليوم الأربعاء- جولة تشمل كولومبيا والإكوادور، في وقت تبحث فيه تل أبيب تعزيز علاقاتها مع دول في أمريكا الجنوبية تقودها حكومات يمينية، لكن في منطقة لا تزال تقليديا تُعد ساحة نضال فلسطيني.
وأصبح ساعر أول وزير خارجية إسرائيلي يزور الإكوادور منذ 44 عاما. كما سيحضر -الجمعة- مراسم تنصيب الرئيس الكولومبي المنتخب أبيلاردو دي لا إيسبرييا، المنتمي إلى أقصى اليمين. وكان قد أجرى كذلك اتصالا برئيسة البيرو الجديدة كيكو فوجيموري.
وتأتي جولة الوزير الإسرائيلي في وقت تشهد فيه التيارات اليسارية انحسارا في المنطقة المعروفة تقليديا بحكم اليسار ومناهضة السياسات الإسرائيلية في الشرق الأوسط، بعد إطاحة الولايات المتحدة بحكم نيكولاس مادورو في فنزويلا والحصار الاقتصادي المطبق على النظام في كوبا.
وقال ساعر في تصريحاته إن الجهود الدبلوماسية الأخيرة أسهمت في تعزيز علاقات إسرائيل في جميع أنحاء أمريكا اللاتينية، مضيفا "من خلال العمل الدبلوماسي الدؤوب والمنهجي، نجحنا في تعزيز وتجديد العلاقات مع العديد من دول أمريكا اللاتينية. ونحن نواصل عملية تقريب أمريكا اللاتينية من إسرائيل. وستستفيد إسرائيل ومواطنوها من ذلك على جميع المستويات السياسية والاقتصادية والسياحية".
وبينما تواجه إسرائيل انتقادات حادة من العديد من دول العالم -بما في ذلك بلدان أوروبية كبرى- بسبب حرب الإبادة في قطاع غزة، تعمل حكومتها على الاستفادة من تحولات المنطقة في ظل صعود التيارات اليمينية، عبر انتخابات لم تَخلُ من اتهامات صريحة لتل أبيب بمحاولات التأثير على الناخبين.
وسبق أن اتهم الرئيس الكولومبي المنتهية ولايته غوستافو بيترو شركة الاستخبارات الإلكترونية الإسرائيلية "بلاك كور" بتنفيذ حملة تضليل رقمية واسعة النطاق للتأثير في نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة في البلاد.
وصدرت تلك الاتهامات في أعقاب تقرير رسمي صدر حديثا عن هيئة مكافحة التضليل الفرنسية "فيجينوم"، اتهمت فيه "بلاك كور" باستخدام حسابات وهمية منسقة لاستهداف شخصيات مؤيدة للفلسطينيين وتعطيل العمليات الديمقراطية في جميع أنحاء العالم.
لطالما أعربت حكومات في دول -مثل الأرجنتين وباراغواي وغواتيمالا- عن دعمها القوي لإسرائيل، وتعزيز أمن المؤسسات اليهودية. لكن هذه المواقف تتناقض مع المشاعر المعقدة وحالات الاستقطاب بشأن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني في عموم المنطقة اللاتينية، وهو واقع يجد صداه أيضا في منابر التحليل الإسرائيلية.
ففي حين شدد إعلان نوفمبر/تشرين الثاني 2024 لدول أمريكا اللاتينية على مكافحة معاداة السامية، كانت لحكومات يسارية مؤيدة للفلسطينيين في دول -مثل البرازيل وكولومبيا وتشيلي وبوليفيا- مواقف منتقدة بشدة للسياسات الإسرائيلية، حيث اعتبر قادة مثل الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا والرئيس الكولومبي المنتهية ولايته غوستافو بيترو الأعمال الإسرائيلية في غزة انتهاكات للقانون الدولي و" إبادة جماعية".
وتقول صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" إن التوجه العام في أمريكا اللاتينية يسير نحو مزيد من الانتقادات لإسرائيل، لا سيما في أعقاب الصراع الأخير في غزة. ومع ذلك، فإن تنامي الحركة الإنجيلية في بعض الدول قد يزيد من الدعم لإسرائيل في المستقبل.
وتعمل إسرائيل على دعم تلك الحركة لتعميم نقل السفارات الأجنبية إلى القدس. ففي أعقاب حرب الإبادة التي شنها الجيش الإسرائيلي على الفلسطينيين في غزة، سحبت دول بأمريكا اللاتينية -هي تشيلي وكولومبيا وهندوراس- سفراءها ودبلوماسييها من تل أبيب.
في حين ذهبت بوليفيا خطوة أبعد عام 2023 بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل للمرة الثانية، بعد أن كانت قد أقدمت على الخطوة نفسها عام 2009 قبل استئناف العلاقات لاحقا، لتنضم بذلك إلى فنزويلا التي قطعت علاقاتها مع إسرائيل عام 2009، وكوبا التي أنهتها عام 1973.
وتاريخيا، فإن التباين اللاتيني بشأن إسرائيل ليس أمرا مستجدا، فهو يعود حتى إلى بدايات تأسيسها عام 1947، حيث انقسمت المواقف بين 12 دولة مؤيدة لقرار التقسيم مقابل 5 دول امتنعت عن التصويت، وكانت كوبا الدولة الوحيدة التي صوتت ضد القرار 181. لكن بحلول عام 1949، اعترفت جميع دول المنطقة بإسرائيل.
والآن يرى المحلل المتخصص في شؤون منطقة أمريكا اللاتينية شيس هاريسون -العضو في "مؤسسة الأمريكتين ومجلس الأمريكتين" وهو مركز أبحاث في الولايات المتحدة- أن أحد أبرز أهداف التحرك الدبلوماسي الحالي لحكومة بنيامين نتنياهو في المنطقة هو دفع مزيد من دول أمريكا اللاتينية إلى تبني قرار نقل سفاراتها إلى القدس، بعد خطوة أولى للولايات المتحدة الأمريكية عام 2018 قبل أن تتبعها غواتيمالا وهندوراس وباراغواي.
ويُعد الرئيس الكولومبي المنتخب حديثا أبيلاردو دي لا إيسبرييا -الحليف للرئيس الأمريكي دونالد ترمب– من أبرز المؤيدين لإسرائيل، وقد أعلن عزمه نقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى القدس.
ويمثل موقف أبيلاردو دي لا إيسبرييا تحولا كبيرا مقارنة بسلفه المنتهية ولايته اليساري غوستافو بيترو الذي قطع علاقات كولومبيا مع إسرائيل بسبب حرب الإبادة في قطاع غزة.
وفي الأرجنتين، يُعد الرئيس خافيير ميلي أيضا من أبرز الداعمين لإسرائيل، وتعهد بنقل السفارة إلى القدس، لكن هذه الخطوة لم تُنفذ حتى الآن، وسط تقارير تشير إلى وجود خلاف بشأن خطط شركة إسرائيلية للتنقيب في جزر فوكلاند الخاضعة للإدارة البريطانية، والتي تطالب بها الأرجنتين وتطلق عليها اسم جزر مالفيناس.
لكن أبعد من التحرك الدبلوماسي، تعتمد إسرائيل أيضا على تجارتها المتنامية مع دول أمريكا اللاتينية لتعزيز علاقاتها الاقتصادية والسياسية عبر صفقات السلاح وبرامج المراقبة ومنتجات الاستخبارات السيبرانية، حيث بلغ حجم مبادلاتها مع دول المنطقة في عام 2022 على سبيل المثال 6 مليارات دولار، وفق مركز الأبحاث الأمريكي.
وتشكل الصناعات الدفاعية والأمنية أحد أبرز مجالات التعاون بين إسرائيل وعدد من دول أمريكا اللاتينية، في امتداد لعلاقات عسكرية تعود إلى حقبة الحرب الباردة، عندما زودت إسرائيل حكومات في المنطقة بالأسلحة والتدريب العسكري، لا سيما خلال النزاعات الداخلية والحروب الأهلية التي شهدتها أمريكا الوسطى وأجزاء من أمريكا الجنوبية في السبعينيات والثمانينيات.
وفي عام 2022، بلغت قيمة مبيعات الأسلحة الإسرائيلية إلى أمريكا اللاتينية 381 مليون دولار، مقارنة بـ342 مليون دولار في العام السابق، و473 مليون دولار في عام 2018.
ورغم المحاولات المكثفة لتعزيز النفوذ الإسرائيلي سواء دبلوماسيا أو عبر صفقات السلاح في الفناء اللاتيني، فإن الحضور الفلسطيني لا يزال يستأثر بحضور قوي في وجدان الجماهير والرأي العام في عدد من الدول، حيث تُرفع الأعلام الفلسطينية في الشوارع منددة بسياسات الحكومة اليمينية الإسرائيلية.
وحتى الآن تحظى فلسطين باعتراف 19 دولة في أمريكا اللاتينية باستثناء المكسيك وبنما. كما تحتفظ العديد من هذه الدول بقنصليات في فلسطين، معظمها في رام الله، وتنتشر جاليات فلسطينية كبيرة في المنطقة تُقدَّر بنحو 800 ألف شخص، مدعومة بجاليات عربية خصوصا من أصول سورية ولبنانية، ما يُبقي على زخم القضية الفلسطينية في دول المنطقة.
ويشير تقرير لموقع "ريسبونسبل ستيت كرافت" الأمريكي -الذي يشرف عليه "معهد كوينسي لفن الحكم المسؤول" وهو مؤسسة فكرية أمريكية أُسست عام 2019 ومقرها واشنطن- إلى ثلاثة عوامل تفسر تأييد زعماء دول أمريكا اللاتينية للقضية الفلسطينية إلى حد لافت للانتباه، وهي تحديدا:
ووفق التقرير، يبرز الشتات العربي في أمريكا اللاتينية بوصفه قوة دفع رئيسية وراء النشاط المؤيد لفلسطين، إذ تضم البرازيل وحدها نحو 16 مليون مواطن من أصل عربي، وتضم تشيلي أكبر عدد من الفلسطينيين مقارنة بأي دولة أخرى خارج الشرق الأوسط.
ويتمتع هذا الشتات الضخم بنفوذ سياسي كبير في جميع أنحاء المنطقة، حيث يشغل السياسيون العرب مناصب عليا في العديد من الحكومات. ووفقا لصحيفة واشنطن بوست، فإن 10% من أعضاء البرلمان البرازيلي من أصول عربية بدءا من عام 2016.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة