في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لم يعد الحديث عن الاستيطان الإسرائيلي يقتصر على وتيرة التوسع في الضفة الغربية، بل أخذ يكتسب أبعادا جديدة مع بروز تحركات لمجموعات إسرائيلية متطرفة تسعى إلى نقل هذا المشروع إلى مناطق خارج الأراضي الفلسطينية، وتحديدا في جنوب سوريا.
وتسلط تقارير أمريكية الضوء على هذه التحولات، مستعرضة تصاعد النشاط الاستيطاني في الضفة الغربية، وعودة الدعوات لإعادة المستوطنات إلى غزة، إلى جانب محاولات مجموعات إسرائيلية إقامة بؤر استيطانية داخل الأراضي السورية.
فكيف تطور المشروع الاستيطاني من الضفة الغربية وغزة إلى جنوب سوريا؟ وما العوامل التي تدفع هذا التوسع؟ وإلى أي مدى تعكس هذه التحركات تحولا في حدود المشروع الاستيطاني الإسرائيلي؟
يرى الكاتب والأكاديمي محمد أيوب -في مقال نشرته مجلة ناشونال إنترست- أن السياسة الإسرائيلية في الضفة الغربية لم تعد تقتصر على استمرار احتلال الأراضي الفلسطينية، بل تتجه بصورة متزايدة إلى إضعاف قدرة الفلسطينيين على البقاء في أرضهم بوصفهم مجتمعا وطنيا متماسكا.
ويوضح أيوب أن إسرائيل لم تعلن ضم معظم أراضي الضفة الغربية رسميا، لكنها تمضي في ضمها تدريجيا من خلال توسيع المستوطنات، وتسجيل الأراضي، وشق الطرق، وإقامة الحواجز والمناطق العسكرية، وإصدار أوامر الهدم، إلى جانب إضفاء الشرعية على البؤر الاستيطانية التي كانت تعد غير مرخصة.
ويستشهد الكاتب بالإجراءات التي اتخذتها الحكومة الإسرائيلية في فبراير/شباط 2026 لتشديد سيطرتها على الضفة الغربية وتسهيل حصول المستوطنين على الأراضي، وهي خطوات وصفها الفلسطينيون بأنها تمثل ضما فعليا.
كما يلفت إلى أن المجلس السياسي الأمني المصغر الإسرائيلي ( الكابينت) خصص في يوليو/تموز الجاري نحو 434 مليون دولار لإنشاء 34 مستوطنة جديدة، ليرتفع عدد المستوطنات التي أُطلقت خلال ولاية وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش إلى أكثر من 100، في خطوة وصفها سموتريتش بأنها تهدف إلى منع قيام دولة فلسطينية.
ويعتبر أيوب أن التوسع الاستيطاني لا يمثل سوى أحد أوجه السياسة الإسرائيلية، إذ يقترن بتهجير الفلسطينيين تدريجيا من المناطق التي تعتزم إسرائيل ضمها، مضيفا أن المستوطنين -ولا سيما المقيمين في المناطق الزراعية المطلة على القرى الفلسطينية- يؤدون دورا رئيسيا في هذه العملية.
ويشير أيوب -مستندا إلى بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية– إلى أن وتيرة عنف المستوطنين تصاعدت بصورة حادة العام الجاري، إذ تجاوز عدد الهجمات التي أسفرت عن إصابات أو أضرار بالممتلكات ألف هجوم بحلول يونيو/حزيران الماضي.
ووفق الكاتب، فإن حركة المستوطنين لم تعد تمارس الضغط على الحكومة من خارج مؤسسات الدولة، بل باتت تستخدم نفوذها داخل مؤسساتها لإزالة ما تبقى من القيود على مشروع ضم الضفة الغربية.
وينتقل الأكاديمي إلى قطاع غزة، معتبرا أن المشروع الاستيطاني بات يشمل إعادة طرح فكرة استئناف الاستيطان في القطاع في ظل ترويج مسؤولين إسرائيليين لما يسمونه "الهجرة الطوعية" لسكان غزة، وهو مصطلح يرى أنه يخفي سياسة تهجير للفلسطينيين، مستشهدا بدعوات وزير المالية الإسرائيلي إلى إعادة إقامة المستوطنات اليهودية في القطاع.
ويرى أيوب أن ما يجري في الضفة لا يمكن فصله عما يحدث في غزة، إذ تختلف الوسائل لكن المنطق الإستراتيجي يكاد يكون واحدا، ويتمثل في حصر الفلسطينيين داخل مساحات جغرافية تتقلص تدريجيا، وتدمير مقومات الحياة الطبيعية اقتصاديا وعمرانيا، بما يجعل مغادرتهم تبدو وكأنها خيار طوعي.
وانطلاقا من هذه الرؤية، فإن غزة تقدم نموذجا يعتمد على الدمار الواسع والنزوح المتكرر لجعل القطاع أقل قابلية للحياة، بينما تمثل الضفة الغربية نموذجا آخر يقوم على الضم البيروقراطي وإرهاب المستوطنين والإكراه العسكري لتحقيق الهدف الديمغرافي ذاته بصورة تدريجية.
ويخلص أيوب إلى أن الاعتماد على القمع والتهجير لن يحسم الصراع، مؤكدا أن ملايين الفلسطينيين لا يمكن إخضاعهم بصورة دائمة لسياسات نزع الملكية من دون أن تتجدد أشكال المقاومة.
ويكشف تقرير لوكالة أسوشيتد برس -نقلته صحيفة لوس أنجلوس تايمز- عن تصاعد نشاط مجموعات استيطانية إسرائيلية متطرفة تسعى إلى إقامة مستوطنات يهودية في جنوب سوريا، إذ نفّذت خلال الأسابيع الأخيرة محاولات اقتحامات متكررة عبر الحدود.
ويشير التقرير إلى أن إحدى هذه المحاولات كادت تنتهي بقصف إسرائيلي بعدما رصد الجيش ليلا مجموعة داخل سوريا، قبل أن يكتشف الجنود أنهم يهود "متدينون"، مما أدى إلى إلغاء الضربة.
وأسهمت هذه الواقعة التي كشفت عنها هيئة البث الإسرائيلية لأول مرة الأسبوع الماضي وأكدها الجيش الإسرائيلي لأسوشيتد برس، في تسليط الضوء على "جماعة هامشية من المستوطنين الإسرائيليين" نفّذت عمليات توغل عديدة داخل سوريا، بهدف إقامة بؤر استيطانية داخل الأراضي السورية.
وتُعد حركة "رواد باشان" أبرز الجماعات التي تقف وراء هذه الاقتحامات، وتأسست مطلع العام الماضي واستمدت اسمها من منطقة باشان التوراتية، وتضم ناشطين إسرائيليين من اليمين يسعون إلى إقامة مستوطنات يهودية في مناطق جنوب غرب سوريا، تشمل القنيطرة ودرعا والسويداء، زاعمين وجود "حق تاريخي" في تلك الأراضي.
ويجادل أعضاء الحركة بأن وجود مستوطنات يهودية في تلك المناطق من شأنه أن "يعزز قدرة إسرائيل على الدفاع عن مرتفعات الجولان" التي استولت عليها من سوريا خلال حرب عام 1967، بحسب أسوشيتد برس.
كما تنقل الوكالة عن عاموس عزاريا، أحد قادة حركة "رواد باشان"، قوله إن "الجماعة تسعى إلى إنشاء ممر إنساني يربط إسرائيل بجيب السويداء الدرزية، عبر إخلاء المناطق السنية المجاورة".
وتسعى الجماعة إلى إنشاء "بؤرة استيطانية يهودية قرب الجولان في جنوب سوريا"، مستهدفة إقامة "مواقع استيطانية أولية في أراض يرغبون في الاستيطان فيها على أمل أن تُضفي عليها الحكومة الإسرائيلية، الشرعيةَ يوما ما"، بحسب أسوشيتد برس.
لكن تلك الخطط لم تنجح حتى الآن، إذ اقتصرت تحركات الجماعة على عمليات توغل قصيرة داخل الأراضي السورية، في حين كان الجيش الإسرائيلي يبعد أفرادها قبل أن يتمكنوا من إقامة أي منشآت، في وقت يؤكد فيه قادة الحركة أنهم يحظون بعلاقات وثيقة مع أعضاء في حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
ولم تعلق دمشق على محاولات جماعات المستوطنين الإسرائيليين التوغل في سوريا، لكن الحكومة السورية تُطالب دائما بانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي توغلت فيها عقب 8 ديسمبر/كانون الأول 2024.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة