تحلّ الذكرى الخامسة لأحداث 25 يوليو/تموز 2021، في وقتٍ تعيش فيه تونس واحدة من أصعب أزماتها، بين انقطاعات واسعة في التيار الكهربائي ، وأزمة عطش حادة تتزامن مع موجة حرّ استثنائية. وقبل أيام، أعلنت منظمة الأطباء الشبان في تونس تسجيل ما بين 150 و200 حالة وفاة منذ بداية موجة الحر وانقطاعات الكهرباء قبل أكثر من أسبوع.
ارتبط تاريخ 25 يوليو في الذاكرة الوطنية التونسية بإعلان الجمهورية عام 1957، وقد ظلّ لعقود كثيرة مناسبةً للاحتفاء بقيام الدولة الحديثة. لكن ومنذ عام 2021، فإن نفس هذا التاريخ بات يُنظر إليه، منذ عام 2021، من زاويتين متباينتين: فريقٌ يعتبره محطة لـ"تصحيح مسار الدولة" وإنهاء مرحلة من الشلل السياسي، وفريقٌ آخر يراه "انقلابًا على الدستور والمؤسسات المنتخبة". فماذا حدث في ليلة 25 يوليو 2021؟
في ذلك التاريخ، أعلن الرئيس التونسي قيس سعيّد اتخاذ سلسلة من التدابير الاستثنائية، مستندً إلى الفصل 80 من دستور 2014، وذلك في ظل أزمة سياسية واقتصادية وصحية خانقة، تفاقمت بفعل جائحة كورونا ، إضافة إلى احتجاجات شعبية عمّت عدة مدن في البلاد.
وشملت تلك الإجراءات تجميد اختصاصات مجلس نواب الشعب (البرلمان) لمدة 30 يومًا، ورفع الحصانة عن جميع أعضائه. كما أقال قيس سعيّد رئيس الحكومة آنذاك هشام المشيشي، وتولّي مهام السلطة التنفيذية بمساعدة حكومة ورئيس وزراء معيّن من قبل سعيّد نفسه، فضلًا عن إشرافه المباشر على شؤون النيابة العامة.
وقد مهّدت هذه القرارات لمسار سياسي جديد، تُوّج في عام 2022 بإقرار دستور جديد أرسى نظامًا رئاسيًا.
1. سياسيا
أعادت قرارات 25 يوليو/تموز رسم العلاقة بين مؤسسات الدولة، وغيّرت طبيعة النظام السياسي الذي قام بعد ثورة 2011. فبعد سنوات من نظام يقوم على توزيع الصلاحيات بين رئاسة الجمهورية والحكومة والبرلمان، أصبحت مؤسسة الرئاسة صاحبة الدور المركزي في إدارة القرار السياسي، فيما تراجعت أدوار بقية المؤسسات.
ويرى أنصار الرئيس قيس سعيّد أن المرحلة السابقة لحكمه، اتّسمت بصراعات حزبية متواصلة وتعطّل في عمل مؤسسات الدولة بسبب الخلافات بين مختلف مراكز السلطة، معتبرين أن الإجراءات المتّخذة منذ 25 يوليو جاءت بهدف "استعادة فاعلية الدولة، وإنهاء حالة الجمود السياسي". في المقابل، ترى قوى معارضة ومنظمات حقوقية أن هذه الإجراءات مثّلت "إضعافًا لمبدأ الفصل بين السلطات".
ومنذ إعلان التدابير الاستثنائية، أصبح رئيس الجمهورية يدير شؤون البلاد عبر إصدار مراسيم رئاسية خلال فترة غياب البرلمان، شملت مجالات سياسية واقتصادية وقضائية. كما باتت الحكومات الجديدة تُعيَّن بقرار رئاسي، بعدما فقد البرلمان دوره الرقابي والتشريعي لأشهر عدة، قبل أن يُحَلّ نهائيًا في مارس/آذار 2022.
وفي سبتمبر/أيلول 2021، عزّز الرئيس سعيّد موقعه السياسي عبر الأمر الرئاسي رقم 117، الذي منح رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة، إذ أصبحت الحكومة تعمل تحت إشرافه المباشر، كما تولّى سعيّد ممارسة السلطة التشريعية عبر المراسيم، في وقتٍ عُلّقت فيه أجزاء واسعة من النظام الدستوري السابق.
لاحقًا، انطلق مسار سياسي جديد تُوّج بإعداد دستور 2022، الذي أحدث تغييرًا جذريًا في طبيعة النظام السياسي التونسي. فقد منح الدستور الجديد رئيس الجمهورية صلاحيات أوسع مقارنة بدستور 2014، وجعله المسؤول الأول عن تحديد السياسات العامة للدولة، مع صلاحيات واسعة في تعيين رئيس الحكومة وأعضائها، في حين تقلّص دور البرلمان بشكل كبير.
وبموجب النظام الجديد، لم يعد البرلمان يتمتّع بالصلاحيات نفسها التي كانت له في ظلّ دستور 2014، إذ أصبحت قدرته على مراقبة الحكومة محدودة، كما فقد أدوات سياسية كانت تُتيح له التأثير في عمل السلطة التنفيذية. وباتت العلاقة بين مؤسسات الدولة تميل بشكل واضح نحو مركزية القرار في مؤسسة الرئاسة.
وجاء تمرير دستور 2022 عبر استفتاء شعبي في 25 جويلية من العام نفسه، وسط نسبة مشاركة ضعيفة، مقارنة بالاستحقاقات الانتخابية السابقة، بعدما قاطعت المسارَ غالبيةُ القوى المعارضة، معتبرة أنه لم يكن قائمًا على "توافق سياسي واسع". في المقابل، دافع أنصار مسار الرئيس عن الدستور الجديد باعتباره استجابة لمطالب شعبية بإنهاء ما وصفوه بسنوات "الفوضى السياسية"، في إشارة إلى فترة ما بعد الثورة.
وامتدت التحولات إلى المؤسسة القضائية، إذ أعلن الرئيس حلّ المجلس الأعلى للقضاء وهو قرار أثار انتقادات واسعة من القضاة والمعارضة والمنظمات الحقوقية. كما شهد صيف 2022 إعفاء عشرات القضاة بقرار رئاسي، في خطوة وُصفت بأنها مساس باستقلال السلطة القضائية، بل ذهب بعض المنتقدين إلى وصفها بـ"المذبحة"، فيما برّر الرئيس قراراته بوجود تجاوزات وضرورة تطهير القطاع.
ومع إعادة تشكيل المؤسسات، نظّمت تونس انتخابات تشريعية جديدة في نهاية 2022، غير أنها سجّلت في الدور الأول نسبة مشاركة ضعيفة لم تتجاوز 9%. وأسفرت تلك الانتخابات عن برلمان محدود التأثير السياسي مقارنة بالمجلس السابق.
وبالتوازي مع هذه التحولات المؤسساتية، دخلت تونس منذ مطلع عام 2023 مرحلة من التوتر السياسي، مع اتساع دائرة الملاحقات القضائية بحق عشرات الشخصيات المعارضة والسياسية البارزة، إضافة إلى رجال أعمال وإعلاميين. وشملت هذه القضايا ملفات مرتبطة بما يُعرف بقضية "التآمر على أمن الدولة"، إلى جانب قضايا مالية وأخرى تتعلق بمخالفات انتخابية.
وكان من بين أبرز الموقوفين زعيم حركة النهضة الثمانيني راشد الغنوشي، والمعارِضة السياسية البارزة شيماء عيسى، والمعارض جوهر بن مبارك، إلى جانب عشرات الشخصيات الأخرى، إذ صدرت بحق عدد منهم أحكام بالسجن وصفتها المعارضة ومنظمات حقوقية محلية ودولية بأنها "قاسية وذات طابع سياسي وانتقامي". في المقابل، تؤكد السلطات التونسية أن هذه الملفات لا ترتبط بالنشاط السياسي، وإنما تتعلق بأفعال تعتبرها "جرائم تمسّ أمن الدولة أو تخالف القانون".
ومنذ ذلك التاريخ، باتت الأخبار السياسية في تونس مرتبطة بشكل متزايد بالاعتقالات والمحاكمات والأحكام القضائية، في ظلّ خطاب رئاسي متكرّر يحذّر من وجود "مؤامرات" تحيكها أطراف داخلية وخارجية تسعى إلى زعزعة استقرار البلاد.
وفي انتخابات رئاسية جرت في أكتوبر/تشرين الأول 2024، اتسمت بغياب التنافس الحقيقي، حسم الرئيس قيس سعيّد ولاية ثانية بعد حصوله على 90.69% من الأصوات، ليواصل قيادة البلاد بعد احتكاره معظم السلطات منذ قرارات 25 جويلية/يوليو 2021. وجاءت هذه النتيجة بعدما استُبعد عدد من المترشحين المحتملين، فيما صدرت بحق بعضهم بطاقات إيداع بالسجن.
ودخل سعيّد السباق الانتخابي في مواجهة مرشحين اثنين فقط، هما العياشي زمال الذي كان موقوفًا خلال الحملة الانتخابية هو ومسؤولة حملته سوار البرقاوي، إضافة إلى المرشح زهير المغزاوي، بعدما رفضت هيئة الانتخابات ملفات عدد من الشخصيات الأخرى، رغم صدور قرار عن المحكمة الإدارية بتونس يأمر بإعادة 3 مرشحين إلى السباق الرئاسي.
2. اقتصاديا
يواجه الاقتصاد التونسي منذ سنوات ضغوطًا متراكمة تتمثل في ضعف معدلات النمو، وتراجع الاستثمار، إضافة إلى صعوبات متزايدة في تمويل ميزانية الدولة وتوفير الموارد اللازمة لتحقيق التنمية. ورغم الوعود التي رافقت التحولات السياسية منذ صيف 2021، لا تزال المشاكل الاقتصادية تُلقي بثقلها على البلاد.
فعندما أعلن الرئيس قيس سعيّد إجراءاته الاستثنائية في 25 يوليو/جويلية 2021، ربط أنصاره هذه الخطوة بضرورة إنقاذ الدولة من حالة الجمود الاقتصادي التي عرفتها خلال السنوات السابقة، مؤكدين أن المرحلة الجديدة ستكون مدخلًا لمكافحة الفساد، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وإعادة بناء الاقتصاد على أسس أكثر استقلالية.
غير أنه بعد مرور سنوات، بقيت المؤشرات الاقتصادية تعكس استمرار الصعوبات، فيما لا يزال المواطنون ينتظرون تحسنًا في قدرتهم الشرائية وفي فرص العمل المتاحة.
وعلى المستوى الاقتصادي العام، لم تحقق تونس منذ 2021 التحسن المنتظر الذي يعكس حجم الوعود السياسية التي رافقت المرحلة الجديدة، إذ ظل النمو الاقتصادي محدودًا، بينما بقي الاستثمار الخاص والأجنبي يواجه حالة من الحذر في ظلّ مناخ اقتصادي وسياسي يتّسم بعدم اليقين.
ويرى خبراء اقتصاديون أن استمرار التعقيدات الإدارية والبيروقراطية، إضافة إلى غياب إصلاحات هيكلية واضحة، قد ساهم في الحدّ من قدرة الاقتصاد التونسي على خلق الثروة واستقطاب الاستثمارات وتوفير مناصب شغل. كما يعتبر هؤلاء أن معالجة الأزمة تتطلب إصلاحات عميقة تشمل الإدارة، والمؤسسات العمومية، ومناخ الأعمال، إلى جانب وضع رؤية اقتصادية قادرة على تحقيق نمو مستدام.
في المقابل، تؤكد السلطات التونسية أن توجهها الاقتصادي يقوم على استعادة القرار الوطني وتقليص الارتهان للخارج، من خلال ما تسمّيه سياسة "التعويل على الذات"، مع التركيز على تعبئة الموارد الداخلية وتعزيز دور الدولة في إدارة الاقتصاد. ويأتي ضمن هذا التوجه مشروعُ الشركات الأهلية، الذي تشير التقارير إلى عدم تحقيقه أي تقدم يُذكر حتى الآن، في حين تُصرّ الدولة على إنجاح المشروع، وتضخّ فيه أموالًا هائلة لإنعاشه، في وقتٍ يعيش فيه البلد أزمة اقتصادية حادة.
كما بقيت المديونية العامة من أكبر الملفات التي تواجه تونس، إذ تحذر مؤسسات مالية دولية من أن استمرار ارتفاع الدين العمومي وضعف النمو قد يقلصان قدرة الدولة على توجيه الموارد نحو الاستثمار ودعم القطاعات المنتجة.
ورغم هذه الصعوبات، تمكّنت بعض القطاعات من الحفاظ على قدرتها على الصمود، خصوصًا قطاع السياحة وبعض الصادرات الفلاحية. غير أن هذه النتائج بقيت محدودة مقارنة بحجم الأزمة العامة، في ظلّ استمرار مشاكل الإنتاجية، وضعف الاستثمار، وارتفاع تكاليف الإنتاج.
3. اجتماعيا
تركت إجراءات يوليو 2021 آثارًا عميقة على المجتمع الذي وجد نفسه في مواجهة أزمات متراكمة تمس الحياة اليومية للمواطنين. فبين ارتفاع نسب البطالة والفقر، وتراجع القدرة الشرائية، وتزايد الرغبة في الهجرة، برزت مظاهر اجتماعية جديدة عكست حجم الإحباط والقلق داخل فئات واسعة من التونسيين.
في بداية تلك الفترة، عبّرت فئات واسعة عن أملها في أن تؤدي المرحلة الجديدة إلى تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، غير أن مرور السنوات دون تغيرات ملموسة جعل جزءًا من المجتمع يشعر بتراجع الآمال واستمرار الصعوبات.
وكان ارتفاع الأسعار من أبرز مظاهر الأزمة التي واجهها التونسيون خلال المرحلة الأخيرة، إذ تضافرت عوامل داخلية وخارجية في تعميق الضغوط على الاقتصاد، من بينها تداعيات جائحة كورونا، واضطرابات الأسواق العالمية، وارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأساسية. ورغم الإجراءات الحكومية الرامية إلى الحدّ من التضخم، الذي تجاوز 5% هذا العام، بقي المواطن يرزح تحت وطأة ارتفاع كلفة المعيشة، خصوصًا في المواد الغذائية والخدمات الأساسية، في وقتٍ لم تتمكن فيه الأجور من مواكبة وتيرة ارتفاع الأسعار، ما أدى إلى تراجع القدرة الشرائية لشرائح واسعة من المجتمع التونسي.
وكانت البطالة، التي بلغت نسبتها 15% خلال الثلاثي الأول من عام 2026، خصوصًا بين الشباب وحاملي الشهادات العليا، من أبرز التحديات التي واصلت الضغط على المجتمع. فرغم مرور أكثر من عقد على الثورة التي رفعت شعار "الشغل والحرية والكرامة الوطنية"، بقيت فرص العمل محدودة، ما دفع آلاف الشباب إلى البحث عن بدائل خارج البلاد.
وتواصلت محاولات الهجرة غير النظامية عبر البحر رغم المخاطر الكبيرة، فيما ارتفع عدد الراغبين في مغادرة تونس بحثًا عن فرص عمل وحياة أكثر استقرارًا في الخارج.
كما انعكست الأزمات الاقتصادية والاجتماعية على الوضع الأمني والاجتماعي، مع بروز مؤشرات على ارتفاع بعض أشكال العنف داخل المجتمع. فقد شهدت تونس خلال السنوات الأخيرة تزايدًا في الجرائم المرتبطة بالعنف الفردي والعائلي، إضافة إلى انتشار ظواهر مثل العنف في الفضاءات العامة والمدارس، وارتفاع حالات الانتحار التي باتت في تصاعد مستمر. وعلى سبيل المثال، رُصدت 65 حالة انتحار ومحاولة انتحار في تونس خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2025.
كما بقيت الفوارق بين الجهات الداخلية والساحلية من أبرز مصادر التوتر الاجتماعي، إذ لا تزال العديد من المناطق الداخلية تعاني من ضعف التنمية، ونقص الاستثمارات، وفرص العمل المحدودة، رغم مرور سنوات على المطالب المتعلقة بالعدالة بين الجهات.
4.دبلوماسيا
بعد إعلان الرئيس قيس سعيّد تدابيره الاستثنائية في 25 يوليو/جويلية 2021، دخلت السياسة الخارجية مرحلة جديدة اتّسمت بإعادة تموضع تونس في علاقاتها الدولية والإقليمية. ففي الأشهر الأولى، واجهت السلطة انتقادات واسعة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، إضافة إلى منظمات دولية وحقوقية، اعتبرت أن القرارات تمثّل تراجعًا عن المسار الديمقراطي الذي تأسّس بعد ثورة 2011. ودعت تلك الأطراف إلى احترام الدستور واستقلال القضاء والحريات العامة والعودة إلى المؤسسات المنتخبة. في المقابل، رفض الرئيس قيس سعيّد تلك الانتقادات، مؤكّدًا أنها تدخّل في الشؤون الداخلية، ومشدّدًا على أن قراراته جاءت لمكافحة الفساد ولحماية الدولة من الانهيار وفق رأيه.
وانعكس هذا التوتر على العلاقة مع الشركاء الغربيين والمؤسسات المالية الدولية، إذ تعثّرت المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، وتباطأت برامج الدعم المالي، كما باتت المساعدات الأوروبية والأمريكية مرتبطة بالإصلاحات الاقتصادية والسياسية واحترام الحقوق والحريات.
غير أن المشهد بدأ يتغيّر تدريجيًا منذ عام 2023، مع تزايد اهتمام الاتحاد الأوروبي بتونس باعتبارها شريكًا أساسيًا في إدارة ملف الهجرة غير النظامية وأمن الضفة الجنوبية للمتوسط. وشكّل توقيع مذكرة التفاهم للشراكة الاستراتيجية بين تونس والاتحاد الأوروبي في يوليو/تموز 2023 نقطة تحوّل في العلاقات، إذ شملت مجالات التعاون الاقتصاد والاستثمار والطاقة المتجددة والهجرة، وأعادت فتح قنوات الحوار السياسي بين الجانبين، رغم استمرار الانتقادات بشأن أوضاع حقوق الإنسان.
أما العلاقات مع المغرب، فقد دخلت في أزمة دبلوماسية، بعدما استقبلت تونس زعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي خلال مؤتمر طوكيو الدولي للتنمية في إفريقيا (تيكاد) في أغسطس/أوت 2022 . واعتبرت الرباط الخطوة خروجًا عن موقف الحياد التقليدي لتونس في قضية الصحراء الغربية، فسحبت سفيرها من تونس، وردّت الأخيرة بالإجراء نفسه.
كما واجهت تونس توترًا مع عدد من الدول الإفريقية، خصوصًا بعد خطاب الرئيس قيس سعيّد في فبراير/فيفري 2023 بشأن المهاجرين غير النظاميين من دول إفريقيا جنوب الصحراء ، والذي تحدّث فيه عن وجود "ترتيب إجرامي" لتغيير التركيبة الديمغرافية للبلاد. وأثارت تلك التصريحات انتقادات من الاتحاد الإفريقي وعدد من الحكومات الإفريقية، واعتُبرت ذات طابع تمييزي، كما دفعت عدة دول، من بينها ساحل العاج وغينيا ومالي، إلى تنظيم عمليات لإجلاء رعاياها من تونس عقب تعرّض مهاجرين لاعتداءات ومضايقات.
وفي الوقت ذاته، سعت تونس إلى تنويع شراكاتها الدولية عبر تعزيز التعاون مع الصين وروسيا.
5. الحريات
بعد ثورة 2011، عاشت تونس مرحلة من الانفتاح في مجال الحريات العامة، بعد عقود من الحكم الاستبدادي الذي اتسم بتقييد حرية التعبير، وملاحقة المعارضين، وإخضاع وسائل الإعلام لرقابة مشددة. فقد تحولت البلاد خلال السنوات التي تلت الثورة إلى نموذج إقليمي في مجال حرية الصحافة والتعددية السياسية، وحق التظاهر والتنظيم، كما احتلت مراتب متقدمة في عدد من التصنيفات الدولية المتعلقة بالحريات، مقارنة بما كانت عليه خلال فترة حكم الرئيسين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي.
غير أن المشهد بدأ يتغيّر عقب إجراءات 25 يوليو/جويلية 2021، إذ ما فتئت منظمات حقوقية ونقابية وصحفية تحذّر من تراجع هامش الحريات، خصوصًا مع توقيف نشطاء وصحفيين ومدوّنين. و بلغ الأمر حدّ صدور حكم بالإعدام بحق أحد الأشخاص على خلفية تدوينة ، قبل أن تتراجع السلطات عن ذلك الحكم إثر تدخّل الرئيس.
كما أثارت مراسيم وقوانين صدرت خلال الفترة اللاحقة، وعلى رأسها المرسوم 54 المتعلق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال، جدلًا واسعًا، إذ اعتبر منتقدوه أنه قد يؤدي إلى تقييد حرية التعبير وملاحقة الصحفيين بسبب أعمالهم، في حين تؤكد السلطات أن الهدف منه هو مكافحة الأخبار الزائفة وحماية الأمن العام.
المصدر:
يورو نيوز
مصدر الصورة
مصدر الصورة