بحلول 30 سبتمبر/ أيلول المقبل سينتهي الوجود العسكري الأمريكي على الأراضي العراقية بعد 23 عاماً من وجودها هناك، مع الإبقاء على وجود الشركات الأمريكية وفق تصريحات رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال اجتماع مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في واشنطن يوم الثلاثاء 14 يوليو/ تموز.
وقال ترامب في البيت الأبيض: "حسناً، لا نعتقد أننا بحاجة إلى وجود عسكري هناك بعد الآن"، وأضاف أن الولايات المتحدة كانت هناك لتقديم المساعدة إذا احتاج العراق إليها، لكنه لا يعتقد أن ذلك سيكون ضرورياً.
هذه الخطوة لم تأتِ فجأة، إذ تم تخفيض عدد القوات الأمريكية في الأشهر الأخيرة، وذلك عقب توقيع واشنطن وبغداد اتفاقاً في سبتمبر/ أيلول 2024 الذي يقضي بانسحاب تدريجي للقوات الأمريكية التي بقيت لدعم العمليات الرامية لمكافحة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، بحسب صحيفة نيويورك بوست الأمريكية.
وفي يناير/ كانون الثاني الماضي غادر الجنود الأمريكيون قاعدة عين الأسد الرئيسية بالكامل، وسلموا السيطرة لقوات الأمن العراقية.
وبعد الانسحاب من عين الأسد، بقيت القوات الأمريكية في أربيل بإقليم كردستان، وفي قاعدة قرب مطار بغداد، وفي الحي الحكومي بالعاصمة المعروف بالمنطقة الخضراء، وسابقاً كان يوجد في العراق حوالي 2500 جندي أمريكي، وفقاً للأرقام الأمريكية.
تربط الحكومة العراقية الانسحاب الأمريكي من العراق بنزع سلاح الميليشيات التي تتمتع بنفوذ عسكري وسياسي كبير في العراق وتتلقى دعماً من إيران، وتستهدف منشآت ومصالح أمريكية في العراق.
وتعهدت حكومة الزيدي بحصر السلاح بيد الدولة ، ومن المقرر الانتهاء من نزع السلاح هذا بحلول 30 سبتمبر/ أيلول، وقال الزيدي إن الجماعات المسلحة لن يكون لها حق في الوجود بعد ذلك التاريخ، ومع أن بعض الفصائل قد أعلنت استعدادها للتعاون مع الحكومة، لا تزال مجموعات أخرى ترفض التخلي عن سلاحها.
وخلال حرب إيران شنّت تلك الفصائل مئات الهجمات على قواعد ومنشآت أمريكية داخل العراق دعماً لطهران، وبهذا الصدد صرّح مسؤول عراقي رفض الكشف عن اسمه لوكالة فرانس برس إن بعض الفصائل "لن توافق على نزع سلاحها طالما استمرت الحرب في المنطقة، كما أن إيران لن تقبل بذلك".
ومن جانبها ترى الحكومة العراقية أن فرض احتكار الدولة للسلاح يمثّل شرطاً أساسياً لجذب الاستثمارات الأجنبية وتحقيق الاستقرار الاقتصادي.
وشدّد الزيدي على أن زيارته وهي الأولى له إلى الولايات المتحدة ، ليست "عابرة وإنما إعلان للشراكة الاقتصادية"، لافتا إلى أن "الشراكة المجتمعية هي الشراكة الاقتصادية وليس العسكرية"، وأضاف الزيدي "في 30 سبتمبر/ أيلول سوف تخرج القوات الأميركية وتدخل الشركات الاقتصادية".
ويأمل الزيدي أن زيارته إلى واشنطن ستفتح الباب أمام استثمارات أميركية جديدة، خصوصاً في قطاعات البنية التحتية والطاقة، خاصة وأن العراق بحاجة ماسة إلى مثل هذه الاستثمارات بعد عقود من الحروب والاضطرابات التي مرّ بها، وما تبعه من ضعف في الخدمات العامة وتهالك البنية التحتية والفساد وسوء الإدارة.
ومن جانبه تطرّق ترامب إلى إمكانية إبرام صفقات نفطية مع العراق ، قائلاً "سنُبرم الكثير من الصفقات، سنوفر الكثير من فرص العمل في البلدين، وسنستخرج كميات كبيرة من النفط".
وبالفعل شهدت الأشهر الماضية توقيع اتفاقات عدة بين العراق وشركات أميركية في قطاعَي النفط والغاز، ومن المتوقع توقيع اتفاقات إضافية، بينها مشروع لإنشاء صندوق يودع فيه العراق ما يعادل 500 ألف برميل نفط يومياً مقابل دعم قطاع الكهرباء وزيادة إمدادات الطاقة.
يعود الوجود العسكري الأمريكي في العراق إلى 2003 عندما غزت الولايات المتحدة العراق، بذريعة إخفاء الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين أسلحة دمار شامل، وهي مزاعم ثبت لاحقاً أنها غير صحيحة، وفقاً لصحيفة "واف نيوز "الإخبارية الأمريكية.
خلّفت حملة القصف التي شنّتها الولايات المتحدة على العراق آنذاك دماراً واسع النطاق في أجزاء كبيرة منه، ومهدت الطريق للقوات البرية الأمريكية للزحف نحو بغداد .
ومن ثم توسّع الوجود العسكري الأمريكي في العراق ليصل إلى أكثر من 170 ألف جندي في ذروة عمليات مكافحة التمرد عام 2007.
ومن ثم تفاوضت إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما بشأن خفض عدد القوات، وبناءً عليه غادرت آخر القوات القتالية الأمريكية في ديسمبر/ كانون الأول 2011، ولم يتبقَ سوى عدد قليل من الأفراد العسكريين لتشغيل مكتب للمساعدة الأمنية، بالإضافة إلى مفرزة من مشاة البحرية (المارينز) لحماية مجمع السفارة.
في عام 2014 عادت القوات الأمريكية إلى العراق بناءً على طلب من الحكومة العراقية عقب صعود تنظيم داعش وسيطرته السريعة على مساحات واسعة في العراق وسوريا، وكان الهدف الرئيسي للدخول الأمريكي حينها المساعدة في إعادة بناء وتدريب وحدات الشرطة والجيش التي كانت قد انهارت وانسحبت من مواقعها.
وبعد فقدان تنظيم الدولة الإسلامية لمعظم الأراضي التي كان يسيطر عليها انتهت العمليات العسكرية للتحالف في عام 2021، وأبقت الولايات المتحدة على نحو 2500 جندي في العراق لأغراض التدريب وتنفيذ عمليات مشتركة مع الجيش العراقي لمكافحة التنظيم.
ومع إبرام اتفاق عام 2024 انسحب العديد منهم، ولم يتبقَ سوى مجموعة صغيرة من المستشارين العسكريين وغيرهم من المتخصصين.
المصدر:
DW