في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
"إسبانيا سيئة للغاية، شعبها عظيم، لكن قيادتها تفتقر إلى الكفاءة"
بواسطة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، اليوم 8 يوليو/ تموز، أنه وجه وزير الخزانة سكوت بيسنت بقطع جميع العلاقات التجارية مع إسبانيا، واصفا مدريد بأنها "شريك سيئ" في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وجاءت تصريحات ترمب خلال ظهوره إلى جانب الأمين العام للحلف مارك روته، خلال انعقاد قمة للحلف في العاصمة التركية أنقرة. تعد هذه التصريحات ذروة التوتر في العلاقات الأمريكية الإسبانية التي بلغت أدنى مستوياتها منذ عودة ترمب للبيت الأبيض مطلع العام الماضي، لكن جذور هذه التوترات تعود إلى أبعد من ذلك.
ففي أكتوبر/تشرين الأول 1781 كان القائد البريطاني البارز تشارلز كورنواليس على موعد مع هزيمة مفجعة أمام القوات الأمريكية الثائرة على الاستعمار البريطاني بقيادة جورج واشنطن في يوركتاون بولاية فرجينيا. لم تُلطخ الهزيمة تاريخه العسكري فحسب، بل فتحت الباب أيضا أمام سلسلة تحولات تاريخية غيَّرت مسار التاريخ العالمي. فعلى إثر تلك الهزيمة استسلمت الجيوش البريطانية في الأراضي التي عُرِفَت لاحقا بـ"الولايات المتحدة الأمريكية"، فاتحة الباب أمام استقلال الدولة الوليدة.
ولكن ثمَّة طرف منسي دوما في حرب الاستقلال الأمريكية، وهو إسبانيا التي قدَّمت، إلى جانب فرنسا، الإمدادات والذخيرة للقوات الأمريكية الثائرة، لا سيما في معركة يوركتاون الحاسمة والأخيرة، ما يجعل المسؤولين الإسبان يذكّرون العالم بين حين وآخر بأن إسبانيا كانت من بين الدول القليلة التي أرسلت قوات لمساعدة الولايات المتحدة على بناء دولتها ونيل استقلالها. وهكذا يظهر اسم إسبانيا في صفحات تاريخ الولايات المتحدة مضيئا كحليف تاريخي ساهم في استقلال البلاد وتأسيسها، لكن المفارقة أن الولايات المتحدة لا تظهر بالصورة نفسها في صفحات التاريخ الإسباني.
يعتقد الكثير من الإسبان أن الولايات المتحدة ردت المساعدة الإسبانية التاريخية بالكثير من الجحود والنكران. وهم يعتقدون أن بلادهم خسرت ممتلكاتها الاستعمارية في منطقة الكاريبي والمحيط الهادئ لصالح الولايات المتحدة في الحرب الإسبانية الأمريكية (عام 1898)، كما أن إسبانيا بعد الحرب العالمية الثانية لم تستفد من خطة مارشال التي دشنتها الولايات المتحدة في أوروبا، وأسهمت في تنمية العديد من الدول الأوروبية بعد الحرب.
"دعمت الولايات المتحدة عقودا من الفاشية والديكتاتورية في إسبانيا بعد الحرب العالمية الثانية"
أكثر من ذلك، دعمت الولايات المتحدة عقودا من الفاشية والديكتاتورية في إسبانيا بعد الحرب العالمية الثانية، حيث قدَّمت المساعدات العسكرية والاقتصادية لنظام فرانكو الاستبدادي لأنه كان معارضا للشيوعية في سياق الحرب الباردة. كل تلك الأسباب التاريخية تضع أمريكا في صورة غير إيجابية بالكلية بالنسبة لقطاعات واسعة من الإسبان، وربما تلعب هذه الأسباب التاريخية دورها في كون السخط الإسباني على الولايات المتحدة سخطا عابرا للأطياف السياسية في البلاد.
فمواقف رئيس وزراء إسبانيا اليساري بيدرو سانشيز التي تحدَّى فيها الهيمنة الأمريكية مؤخرا، تجد قبولا واسعا في الشارع الإسباني رغم انخفاض نسبة تأييد سانشيز في استطلاعات الرأي داخل بلاده، ولذا ظهرت مدريد على مدار الأعوام الأخيرة باعتبارها شريكا مشاكسا للولايات المتحدة، ثم معارضا صريحا لسلوكها السياسي على المسرح الدولي بالأخص تحت قيادة دونالد ترمب.
مثلت الحرب الإسرائيلية الإبادية على غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 بداية وقوف الولايات المتحدة وإسبانيا على طرفي نقيض بصورة علنية، يمثل كل منهما قيما وتوجهات دولية مخالفة للآخر، وهي توجهات تضاربت بالفعل على أرض الواقع، ودفعت الولايات المتحدة لانتقاد إسبانيا بقوة، وجعلت المحللين يتساءلون عن مستقبل التعاون الدفاعي بين الحليفين.
في إسبانيا كان الشارع صريحا في استهجانه لحرب إسرائيل على غزة. وبحسب دراسة لمعهد "الكانو" الملكي في إسبانيا في مايو/أيار 2024، فإن 78% من الإسبان يرون أنه على الدول الأوروبية الاعتراف بدولة فلسطينية ذات سيادة، وهو الرأي السائد في معظم الأحزاب السياسية القائمة بإسبانيا. وبخلاف ذلك يذهب 37% من الذين تم استطلاع آرائهم من الإسبان إلى حل أكثر جذرية، وهو إقامة دولة واحدة ديمقراطية يتمتع فيها المسلمون واليهود بحقوق متساوية على أرض فلسطين الواحدة.
"في إسبانيا كان الشارع صريحا في استهجانه لحرب إسرائيل على غزة"
وقد انعكس موقف الشارع الإسباني من القضية الفلسطينية على موقف حكومة بيدرو سانشيز في سياستها الخارجية، فقد كان سانشيز أول زعيم أوروبي (والوحيد أيضا) يصف ما يحدث في غزة بـ"الإبادة الجماعية"، كما انضمت إسبانيا إلى الدعوة التي تقدمت بها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، ودعت إلى التعليق الفوري لاتفاقية الشراكة الأوروبية مع دولة الاحتلال الإسرائيلي.
وفي مايو/أيار 2024، اعترفت إسبانيا رسميا بفلسطين كدولة، ومعها أيرلندا والنرويج، وهو قرار وصفته دولة الاحتلال حينها بأنه يمثل دعما لـ"إرهابيي حماس وإيران" على حد زعمها. وقد شجع القرار دولا أخرى بعد ذلك، مثل فرنسا وبريطانيا وكندا وأستراليا، على اتخاذ خطوة مماثلة، واعتبر سانشيز أن اتخاذ هذه الخطوة ليس مسألة عدالة تاريخية فقط، بل شرط أساسي لتحقيق السلام. وجدير بالذكر استناد إسبانيا في اعترافها بفلسطين إلى حدود ما قبل عام 1967، مع اعتبار القدس الشرقية عاصمة فلسطين، في تناقض حاد مع الولايات المتحدة التي اعترفت بالقدس عاصمة لإسرائيل خلال ولاية ترمب الأولى.
ولم تكتف إسبانيا بذلك، بل وصلت في سبتمبر/أيلول 2025 إلى فرض حظر شامل على توريد الأسلحة إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي، وشمل هذا الحظر جميع صادرات الأسلحة والتكنولوجيا ذات الاستخدام المزدوج والمعدات العسكرية. فضلا عن منع مدريد السفن التي تحمل وقودا لجيش الاحتلال من استخدام الموانئ الإسبانية، ومنع الطائرات التي تنقل مواد عسكرية إلى إسرائيل من استخدام المجال الجوي الإسباني، وحظر الاستيراد من المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومنع الأفراد الإسرائيليين المتورطين في الإبادة من دخول إسبانيا، بما يشمل وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير ووزير المالية سموتريتش.
"أنهت إسبانيا عقودا عسكرية مع شركات إسرائيلية بقيمة مليار دولار تقريبا"
وقد صرَّحت وزيرة الدفاع في إسبانيا مارغريتا روبلز بأنه لم يعد هناك أي اتفاق أو عقد أو علاقة بين القوات المسلحة في بلادها ودولة إسرائيل، وذلك بعد أن أنهت إسبانيا عقودا عسكرية مع شركات إسرائيلية بقيمة مليار دولار تقريبا. وشمل ذلك إلغاء عقد بقيمة 700 مليون يورو (نحو 756 مليون دولار) لتوريد قاذفات صواريخ "سيلام" الإسرائيلية، وصفقة بقيمة 287.5 ملايين يورو (نحو 310.5 ملايين دولار) لتوريد صواريخ سبايك المضادة للدبابات. وقد أثار قرار حظر الأسلحة الذي فرضته إسبانيا على إسرائيل استياء الولايات المتحدة، إذ أعربت الخارجية الأمريكية عن قلقها إزاء الموقف الإسباني وقالت إن تلك الإجراءات تشجع من وصفتهم بالإرهابيين.
وحتى بعد انتهاء الحرب في غزة (اسميا)، ظل بيدرو سانشيز ينتقد تل أبيب، وهاجمها بعد قرار البرلمان الإسرائيلي إقرار قانون فرض عقوبة الإعدام على الفلسطينيين المدانين بارتكاب هجمات من قبل المحاكم العسكرية الإسرائيلية، وكتب حينها سانشيز على موقع التواصل الاجتماعي "إكس": "إنه إجراء غير متكافئ لا يُطبق على الإسرائيليين الذين يرتكبون الجرائم نفسها. الجريمة ذاتها لكن العقوبة مختلفة. إنها خطوة أخرى نحو الفصل العنصري. لا يمكن للعالم أن يصمت".
وفي مارس/آذار 2026 قررت إسبانيا سحب سفيرتها نهائيا من إسرائيل مع إبقاء السفارة في تل أبيب مفتوحة على أن يديرها "القائم بالأعمال"، وذلك على خلفية استمرار دولة الاحتلال في انتهاكاتها بحق الفلسطينيين في قطاع غزة بالإضافة إلى مشاركة تل أبيب في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
يظهر سانشيز إذن بوصفه نقيض الرئيس الأمريكي ترمب، الداعم الأكبر لإسرائيل. فقد انتهج ترمب منذ ولايته الأولى سياسات غير مسبوقة لصالح دولة الاحتلال، واعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية لها، كما أغلق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، واعترف بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان السورية المحتلة، وأكد على أن المستوطنات لا تتعارض مع القانون الدولي.
"هدد ترمب أثناء حرب غزة بأن الولايات المتحدة ستسيطر على القطاع وستمتلكه ملكية طويلة الأمد"
أما ولايته الثانية فقد تزامنت بدايتها مع استمرار الحرب الإبادية الإسرائيلية على غزة، التي دعمتها إدارة ترمب على مدار شهور طويلة. وقد هدَّد ترمب أثناء الحرب بأن الولايات المتحدة ستسيطر على قطاع غزة وستمتلكه ملكية طويلة الأمد، وبأنها ستعيد توطين الفلسطينيين في مناطق أخرى وتطردهم من أراضيهم الأصلية، قبل أن تحول أراضيهم إلى "ريفييرا الشرق الأوسط". وقد أصدر ترمب هذا التهديد بعد محادثات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، كما شاركت إدارة ترمب دولة الاحتلال الإسرائيلي في حرب الاثني عشر يوما التي شُنَّت على إيران في يونيو/حزيران 2025.
وقد وصل دعم ترمب لرئيس الوزراء الإسرائيلي إلى حد أنه طالب الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ بإصدار عفو عن نتنياهو الذي يواجه تُهم الفساد، مؤكدا أن هرتسوغ عليه أن يخجل من نفسه لأنه لم يمنح نتنياهو العفو الذي يستحقه، كما أن ترمب اعتبر أن نتنياهو أبلى بلاء عظيما في الحرب على قطاع غزة.
هكذا ظهر التناقض جليا بين الحليفين، الولايات المتحدة وإسبانيا، فيما يتعلق بملف الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وقد برز هذا التناقض بوضوح في التعامل مع فرانشيسكا ألبانيزي، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في فلسطين، التي حثَّت المحكمة الجنائية الدولية على التحقيق مع الشركات والأفراد الأمريكيين والإسرائيليين المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان في غزة. فبينما قامت إدارة ترمب بتوقيع عقوبات على فرانشيسكا ألبانيزي، كرَّمتها إسبانيا ومنحها سانشيز وسام الاستحقاق المدني في مايو/أيار الماضي.
لم يكن الاختلاف حول التعامل مع الصراع في فلسطين إلا واجهة لخلافات أعمق بين البلدين. فقد باتت إسبانيا تتحدى الهيمنة الأمريكية في العديد من الملفات منذ صعود ترمب إلى سدة الحكم. وبدأ ذلك حين رفضت إسبانيا عام 2025 خطة الناتو التي تلزم الدول الأعضاء بإنفاق 5% من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع، وهي خطة جاءت نتيجة ضغوط ترمب.
فقد ضرب سانشيز بعرض الحائط ضغوط واشنطن، وأكد أن هذه الزيادة في الإنفاق تتعارض مع رؤية إسبانيا للعالم، وتتعارض مع مبدأ "دولة الرفاه" في إسبانيا، وهو مبدأ يعني أن يكون النظام السياسي والاقتصادي للدولة قائما بمسؤولية حماية وتعزيز الرفاه الاجتماعي والاقتصادي للمواطنين، ما يتعارض مع توسيع الإنفاق على الدفاع، لأنه في تلك الحالة يقتطع من الأموال المخصصة للخدمات الاجتماعية للمواطنين. وزاد سانشيز من نبرته المتحدية للولايات المتحدة وقال إنه "بات من الواضح أن أوروبا وحدها هي من تعرف كيف تحمي أوروبا"، مما تسبب في غضب الإدارة الأمريكية.
"مضت إسبانيا في تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع الصين على خلاف رغبة واشنطن"
علاوة على ذلك، مضت إسبانيا في تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع الصين، في تجاهل لتوجهات الولايات المتحدة الراغبة في أن يفك حلفاؤها ارتباطهم القوي مع بكين، إذ أصبحت الصين مؤخرا أكبر شريك تجاري لإسبانيا خارج الاتحاد الأوروبي، ورابع أكبر شريك تجاري لها على مستوى العالم، وفي عام 2024 استوردت إسبانيا سلعا من الصين بقيمة 45 مليار يورو (نحو 48.6 مليار دولار).
وقد زار سانشيز الصين 4 مرات خلال 3 سنوات، ووقع معها سبع اتفاقيات لتسهيل صادرات الأغذية الإسبانية لبكين وتعزيز التعاون بين البلدين في مجالات العلوم والتعليم والثقافة، كما تضع إستراتيجية العمل الخارجي لإسبانيا لعام 2025 الصين في نفس مستوى أهمية الولايات المتحدة، ما يُعَد تحولا جوهريا في السياسة الخارجية الإسبانية. وقد استدعت تحولات السياسة الخارجية الإسبانية في اتجاه الصين انتقادات لاذعة من الإدارة الأمريكية الحالية، إذ انتقد وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت نهج إسبانيا تجاه الصين، وقال إن تحقيق تقارب أكبر بين الاتحاد الأوروبي والصين بمثابة إعدام إسبانيا لنفسها.
وبحسب صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية، فإن سانشيز تجرأ على الخوض فيما يخشى معظم القادة الأوروبيون الخوض فيه، حين انتقد سياسة ترمب الداخلية فيما يخص ملف الهجرة، إذ هاجم حملة القمع التي تشنها إدارة ترمب على المهاجرين، وقارن بين نهج إدارة ترمب ونهج إدارته هو في إسبانيا الذي اختار أن يمنح وضعاً قانونياً لما يصل إلى نصف مليون مهاجر.
وقد كتب سانشيز في مقال رأي بصحيفة نيويورك تايمز قال فيه: "لقد اختار بعض القادة ملاحقة المهاجرين -يقصد ترمب- وترحيلهم عبر عمليات غير قانونية وقاسية، أما حكومتي فقد اختارت طريقا مختلفا: مسارا سريعا وبسيطا لتسوية أوضاعهم القانونية". كما قال سانشيز إنه على استعداد لشرح الأرقام وتوضيح كيف أسهمت الهجرة في تعزيز اقتصاد إسبانيا وزيادة الإنفاق الاجتماعي، وأكد أن الهجرة في بلاده تمثل 25% من نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، و10% من إيرادات الضمان الاجتماعي، و1% فقط من الإنفاق العام"، وأن المجتمعات الغربية في ظل انخفاض عدد السكان أمامها إما الانفتاح والنمو أو الانغلاق والانكماش.
"عبر سانشيز الخطوط الحمراء بالهجوم على السياسات الداخلية للإدارة الأمريكية"
في السياق ذاته، شن سانشيز في حوار إذاعي هجوما لاذعا باللغة الإنجليزية على الإدارة الأمريكية وقال "إن أحد أكبر الأخطاء التي يرتكبها ترمب والإدارة الأمريكية الحالية هو إغلاق الحدود ومساواة الهجرة بالجريمة والعنف، والحقيقة هي عكس ذلك تماما. ففي إسبانيا، على سبيل المثال، تمثل الهجرة 10% من إيرادات نظام الضمان الاجتماعي، بينما لا تستهلك سوى 1% من الإنفاق العام"، وفي الواقع لا يقتصر الخلاف الحاد بين نهج الإدارتين الإسبانية والأمريكية على ملف الهجرة، فبينما يرفض ترمب الاستثمار في الطاقة المتجددة، أشرف سانشيز على مضاعفة إنتاج الطاقة الشمسية وطاقة الرياح في إسبانيا منذ عام 2019.
أما النقطة الأهم في ملف الخلافات بين الولايات المتحدة وإسبانيا حاليا، فهي تصور كل منهما عن الشكل الذي ينبغي أن يكون عليه العالم. إذ ترى إسبانيا بوضوح أن الولايات المتحدة التي أنشأت في السابق النظام الدولي بعد عام 1945، هي نفسها التي تقوض هذا النظام في عهد ترمب. وتعتبر إسبانيا أن تقويض النظام العالمي والمؤسسات الدولية لن يكون أمراً إيجابياً لا بالنسبة للعالم ولا بالنسبة للولايات المتحدة نفسها، ولذلك رفضت مدريد دعوة ترمب للانضمام لمبادرته المعروفة بـ"مجلس السلام"، كما أنها تدافع بضراوة عن نظام الأمم المتحدة وعن القواعد الليبرالية التي سيَّرت العالم في أعقاب الحرب العالمية الثانية.
"قبل 23 عاما، زجت بنا إدارة أمريكية في حرب بدعوى القضاء على أسلحة الدمار الشامل العراقية، وضمان الأمن العالمي، لكنها في الواقع أشعلت أكبر موجة انعدام أمن شهدتها قارتنا منذ سقوط جدار برلين"
بواسطة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز
لم تحتج إسبانيا الكثير من الوقت حين أقدمت الولايات المتحدة ودولة الاحتلال الإسرائيلي على شن حربهما على إيران في 28 فبراير/شباط 2026، لكي تأخذ موقفا صارما وناقدا للحرب، إذ سرعان ما أعلن رئيس الوزراء الإسباني حينها أن بلاده ترفض العمل العسكري الأحادي الجانب من ناحية واشنطن وتل أبيب، محذرا من أن التصعيد الذي قامت به الدولتان قد يؤدي إلى نظام دولي أكثر عدائية، وظل سانشيز في تصريحاته يصف الحملة بأنها تدخل عسكري خطير وغير مبرر. وفي وقت نأى فيه القادة الأوروبيون الآخرون بأنفسهم عن انتقاد إدارة ترمب وقرارها بالحرب، منعت إسبانيا الولايات المتحدة من استخدام قواعدها العسكرية في أثناء الحرب على إيران.
وصل الخلاف بين الرجلين إذن إلى ذروته في الحرب الأخيرة، إذ هدَّد ترمب إسبانيا بقطع كل أشكال التجارة معها وتعليق عضويتها في حلف الناتو، وقال إن إسبانيا "كانت سيئة للغاية لرفضها السماح لواشنطن باستخدام قاعدتي مورون وروتا لشن ضربات على إيران". ولكن إسبانيا بقيادة سانشيز لم تخضع للتهديدات الأمريكية، وأكَّد رئيس الوزراء في خطاب متلفز لشعبه أن إسبانيا لن تكون متواطئة مع شيء سيئ يحدث في العالم ويتعارض مع قيمها ومصالحها خوفاً من انتقام شخص ما. وحتى حين وافقت الولايات المتحدة على وقف إطلاق النار مع إيران في أبريل/نيسان الماضي، استمر سانشيز في لهجته الهجومية على ترمب وقال: "لن نشيد بأولئك الذين أشعلوا النار في العالم".
لقد أظهرت إسبانيا "سانشيز" تحدياً فريدا لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في العديد من الملفات، ووصلت ذروة التحدي في حرب الولايات المتحدة على إيران، وفيما ظل الصراع بين البلدين لأشهر محصورا في نطاق التهديدات الكلامية، تهدد قرارات ترمب الأخيرة بنقله إلى مرفع الفعل. وهو ما ينذر بعواقب وخيمة ليس على صعيد العلاقات الثنائية فحسب، ولكن على مستقبل حلف الناتو والعلاقات التاريخية عبر ضفتي الأطلسي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة