تعطشٌ للانتقام، وغيابٌ للقيود، وهوسٌ بالديكور الداخلي، واندفاعٌ لترك بصمات دائمة في مكتبه، بهذه العبارة الموحية استهل الكاتب تيم بالك تقريره في صحيفة نيويورك تايمز .
واعتبر الكاتب تلك الأوصاف هي الصورة التي ترتسم للرئيس ترمب في ولايته الثانية، كما تتجلى في كتاب جديد بعنوان "تغيير النظام: داخل الرئاسة الإمبراطورية لدونالد ترمب"، من تأليف اثنين من مراسلي صحيفة نيويورك تايمز، هما ماغي هابرمان وجوناثان سوان.
وقدّم الكتاب -وفق تقرير الصحيفة- رواية تفصيلية عن رئيس يرى نفسه أشد قوة وتأثيرا من أي وقت مضى، ويعمل بصورة منهجية على إعادة تشكيل الدولة الأمريكية وفق رؤيته الخاصة.
واستعرض تيم بالك في تقريره أبرز ما ورد في الكتاب الجديد، الذي يصدر الأسبوع المقبل، ويستند إلى عشرات المقابلات مع مسؤولين ومقربين من الإدارة الأمريكية الحالية.
ويرسم الكتاب صورة لرئيس يصفه المؤلفان بأنه "أقوى رئيس في حياتنا" يقود البلاد مدفوعا بالمظالم الشخصية والحدس السياسي أكثر من أي اعتبارات أخرى، لدرجة أنه شوهد في إحدى المرات وهو يعيد تزيين البيت الأبيض بنفسه مستخدما أنبوبا من الصمغ السريع لتثبيت الديكورات المذهبة فوق مدفأة المكتب البيضاوي الرخامية، في مشهد لم يفاجئ أحدا من دائرته المقربة التي اعتادت على ولعه بفرض لمسته الجمالية الخاصة.
وضمن ثنايا التقرير الذي عرضه بالك، يؤكد الكتاب أن ترمب كان يتلذذ برؤية قادة شركات التكنولوجيا العمالقة وهم يحاولون التودد إليه واستعادة حظوتهم لديه بعد فوزه بانتخابات عام 2024.
ويبرز الكتاب مباهاة ترمب أمام زواره بمنتجعه الخاص في مارالاغو بولاية فلوريدا بكيفية تحول هؤلاء الذين قاطعوه وحظروه سابقا إلى خطب وده بكل الطرق الممكنة، لاسيما جيف بيزوس مؤسس شركة أمازون، ومارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الذي كان قد منعه من منصتي فيسبوك وإنستغرام عقب اقتحام أنصاره لمبنى الكونغرس ( الكابيتول) في 6 يناير/كانون الثاني 2021.
بل إن ترمب ذهب إلى حد إطلاع ضيوفه على رسالة من أحد أطفال زوكربيرغ يعبر فيها عن تطلعه لـ"العصر الذهبي لأمريكا" مع عودة ترمب إلى السلطة.
وتنقل الرواية عن ترمب إعجابه بما اعتبره تحولا جذريا في مواقف هؤلاء، إذ كان يعرض على ضيوفه رسائل تلقاها من قادة شركات التكنولوجيا.
وحظيت علاقة ترمب بمؤسس أمازون بمساحة من الرصد؛ إذ يذكر الكتاب أنهما تشاركا الإحباط خلال حفل عشاء من التغطية الإعلامية لصحيفة واشنطن بوست التي يملكها بيزوس، حيث اشتكى الأخير من أن الصحيفة كانت أسوأ استثماراته التجارية على الإطلاق، على عكس بقية شركاته الناجحة التي تنصاع لأوامره.
هذا المشهد من التقارب والتحول المفاجئ في مواقف أباطرة التكنولوجيا علّق عليه ترمب في حديث دار بينه وبين الملياردير إيلون ماسك قائلا: "لقد كانوا يكرهونني"، في إشارة إلى زوكربيرغ وبيزوس، قبل أن يرد عليه الأخير ساخرا: "إنه تملق من الدرجة الأولى".
من الجوانب اللافتة في الكتاب اهتمام ترمب المستمر بمسألة من سيحمل راية الحركة الترمبية بعده. فالكتاب يكشف أن الرئيس كان يطرح بصورة متكررة على حلفائه سؤالا مباشرا: من الأفضل، نائب الرئيس جيه دي فانس أم وزير الخارجية ماركو روبيو؟
ولم تقتصر الإثارة على كواليس قطاع التكنولوجيا، بل امتدت لتشمل ما يدور داخل غرفة العمليات بالبيت الأبيض، وهي المكان الحصري المخصص عادة لإدارة أزمات الأمن القومي الكبرى والخطيرة.
ويخصص الكتاب فصلا كاملا تقريبا للجدل المرتبط بالجرائم الجنسية التي ارتكبها رجل الأعمال المدان جيفري إبستين، كاشفا أن كبار مسؤولي الإدارة عقدوا سلسلة اجتماعات مطولة داخل غرفة العمليات بالبيت الأبيض لمناقشة التداعيات السياسية للقضية.
وتصف الرواية تلك الاجتماعات بأنها كانت استثنائية، نظرا لأن غرفة العمليات تستخدم عادة لإدارة الأزمات العسكرية والأمنية الكبرى. لكن المسؤولين انشغلوا، بحسب الكتاب، بتقدير حجم تأثير القضية على قاعدة ترمب الانتخابية، وناقشوا سبل التعامل مع مطالب الكونغرس بنشر وثائق إضافية مرتبطة بإبستين.
كما أثارت بعض الادعاءات القديمة وغير المؤكدة المتعلقة بترمب قلق المسؤولين، الذين خشوا أن يؤدي إدراجها في قواعد بيانات حكومية إلى منحها قدرا أكبر من المصداقية.
وينقل الكتاب عن أحد المشاركين وصفه لتلك الاجتماعات بأنها كانت "سريالية"، لأنه وجد نفسه داخل أهم مركز لإدارة الأزمات الأمنية في الولايات المتحدة يناقش قضايا شخصية مرتبطة بالرئيس.
ومن الجوانب اللافتة في الكتاب التي تبرزها نيويورك تايمز أيضا اهتمام ترمب المستمر بمسألة من سيحمل راية الحركة الترمبية بعده. فالكتاب يكشف أن الرئيس كان يطرح بصورة متكررة على حلفائه سؤالا مباشرا: من الأفضل، نائب الرئيس جيه دي فانس أم وزير الخارجية ماركو روبيو؟
وبحسب الرواية، وصل هذا السؤال إلى إمبراطور الإعلام روبرت مردوخ خلال عشاء جمع الطرفين في البيت الأبيض. وعندما سأله ترمب عن رأيه، كان رد مردوخ "دبلوماسيا" معتبرا أن فانس يمتلك "إمكانات ليصبح عظيما"، لكنه كان أكثر حسما عندما تحدث عن روبيو قائلا: "ماركو رائع".
وشكلت الرغبة في الانتقام وتصفية الحسابات المحرك الأساسي لتصرفات ترمب في ردهات السلطة، حتى وإن غابت عن ذاكرته الأسماء أحيانا بسبب كثرة الخصوم.
وفي هذا الصدد، يروي هابرمان وسوان في كتابهما واقعة حدثت في ربيع عام 2025، عندما كان ترمب يعاني لتذكر اسم محامٍ في إدارته الأولى صرح علنا بأن انتخابات الرئاسة عام 2020 كانت عادلة وخالية من التزوير.
وهنا تبرز أدوار مستشاريه المحوريين؛ إذ أشار التقرير إلى اسم ستيفن ميلر نائب رئيس موظفي البيت الأبيض ومستشار الأمن الداخلي، باعتباره أحد أقوى الشخصيات في ولاية ترمب الثانية.
فبعد أن كان أحد الوجوه البارزة في الولاية الأولى، تحول ميلر خلال الولاية الثانية إلى مركز ثقل حقيقي داخل منظومة الحكم، حيث أشرف على صياغة الأوامر التنفيذية، وقاد سياسات الهجرة والترحيل الجماعي، وامتد نفوذه إلى معظم الوكالات الفيدرالية.
وتنقل الرواية عن مسؤولين أن ميلر كان يوبخ الموظفين بصورة متكررة، بل لوّح في أحد الاجتماعات بإقالة قيادات وكالة الهجرة والجمارك بالكامل إذا لم تتسارع عمليات الترحيل.
ومن أكثر المقاطع إثارة للجدل في الكتاب حديث ترمب نفسه عن السلطة والقوة. فخلال مقابلة أجراها المؤلفان معه أثناء الحرب على إيران، بدأ الرئيس بمقارنة نفوذه بنفوذ عدد من القادة التاريخيين، من الإسكندر الأكبر إلى إمبراطور فرنسا نابليون بونابرت وزعيم ألمانيا النازية أدولف هتلر والزعيم السوفياتي جوزيف ستالين ومؤسس الصين الحديثة ماو تسي تونغ.
وقال ترمب إن هؤلاء القادة لم يمتلكوا الأدوات العالمية التي يمتلكها رئيس أمريكي معاصر، مضيفا أن بعضهم حافظ على سلطته عبر الخوف. ثم أردف ساخرا: "ومن الذي قد يفعل أمرا كهذا أصلا؟" قبل أن يتابع قائلا -بحسب الكتاب-: "أليس كذلك؟"
وفي خضم هذا الصراع السياسي الشرس، يظهر الجانب الإنساني المرتبك للرئيس من خلال قصة اغتيال الناشط المحافظ تشارلي كيرك في 10 سبتمبر/أيلول 2025.
يذكر الكتاب أن ترمب تلقى النبأ الصادم من ابنه بارون البالغ من العمر 19 عاما، والذي اتصل بوالده في حالة من الذعر والهلع الشديدين، معبرا عن خوفه من أن يتم استهداف والده مجددا بعد نجاته من حادثة اغتيال مماثلة في عام 2024.
ورغم محاولات ترمب المستمرة لتهدئة روع ابنه بعبارات حانية، إلا أن الواقعة تركت أثرا واضحا من القلق والارتباك في نفس الرئيس نفسه، مما جعله يدرك حجم المخاطر المحيطة بالحديث المباشر أمام الحشود الضخمة والفتوح.
ولطالما عُرف ترمب بأنه سيد التلاعب بالمنظومة الإعلامية، وهو ما يعززه الكتاب عبر تسليط الضوء على إستراتيجيته المفضلة المتمثلة في خلق "تحولات مفاجئة في الحبكة" لتغيير مسار الأخبار السلبية عندما لا تخدم مصالحه.
فعندما واجه ترشيح بيت هيغسيث لمنصب وزير الدفاع خطرا حقيقيا بالرفض بسبب اتهامات بالاعتداء الجنسي، فكر ترمب جليا في استبداله بحاكم فلوريدا رون ديسانتيس.
وبرر الرئيس ذلك لأحد حلفائه بالحاجة إلى تغيير الحبكة الدرامية لإرباك الخصوم، قبل أن يقرر في نهاية المطاف إطلاق العنان لجيه دي فانس وتشارلي كيرك وابنه دونالد جونيور لممارسة ضغوط قصوى على أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين لتمرير التعيين بنجاح.
هذا التوسع الشامل في النفوذ الداخلي والولع بالسيطرة يتقاطع بشكل مباشر مع الرؤية التي يتبناها ترمب لقوته على الصعيد الدولي، وهو ما ركز عليه تقرير حصري آخر صاغه الصحفي ديف لولر عبر موقع أكسيوس .
ففي مقابلة خاصة ومباشرة أُجريت لصالح برنامج "ذا أكسيوس شو" التابع للموقع الإخباري، نفى ترمب بشدة أن تكون الحرب الأخيرة التي خاضتها الولايات المتحدة ضد إيران قد كشفت عن أي حدود لقدرته على ممارسة السلطة الغاشمة.
وأكد للصحفي مارك كابوتو أنه لا يزال يؤمن بأنه "لا توجد حدود" لقوته كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية. ورغم أن ترمب دخل تلك الحرب بشعار يدعو إيران للاستسلام غير المشروط، إلا أنها انتهت بتوقيع مذكرة تفاهم محدودة بدلا من ذلك.
و رفض الرئيس الأمريكي اعتبار التجربة درسا في التواضع السياسي، مدعيا أن المذكرة تمثل في جوهرها انتصارا عسكريا ساحقا واستسلاما شبه كامل من الطرف الآخر، مستشهدا بالنجاح المطلق للحصار البحري الذي فرضه ولم تتمكن أي سفينة من اختراقه.
وقال ترمب إن البديل كان مواصلة القصف لأسابيع إضافية، وهو ما كان سيؤدي إلى إغلاق مضيق هرمز وحرمان الأسواق العالمية من النفط لأشهر، محذرا من أن ذلك كان قد يتسبب في "كساد عالمي"، على حد تعبير موقع أكسيوس.
وفي المجمل، تقدم قراءة نيويورك تايمز للكتاب، المدعومة بتصريحات ترمب الأخيرة، صورة لرئيس لا يرى في الولاية الثانية مجرد عودة إلى البيت الأبيض، بل فرصة لإعادة تعريف حدود الرئاسة الأمريكية نفسها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة