في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
طرابلس– أعادت الحملات التي أطلقتها أجهزة أمنية ليبية، مساء الثلاثاء 3 يونيو/حزيران في منطقة السراج غربي العاصمة طرابلس ضد مهاجرين غير نظاميين، ملف الهجرة إلى صدارة المشهد السياسي والاجتماعي في البلاد.
وجاءت هذه الحملات في وقت تتصاعد فيه المخاوف الشعبية من تنامي أعداد المهاجرين واللاجئين، وتتزايد الضغوط الأوروبية المرتبطة بمسارات العبور نحو الضفة الشمالية للمتوسط.
وشهدت الأيام الأخيرة انتشارا واسعا لوسم "لا للتوطين" على منصات التواصل الاجتماعي، بالتزامن مع تداول مقاطع مصورة تظهر تجمعات لمهاجرين في عدد من المدن الليبية.
كما راجت مزاعم بشأن إصدار وثائق لمهاجرين من قبل مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وهو ما دفع مؤسسات رسمية وأممية إلى إصدار بيانات توضيحية وتحذيرات من المعلومات غير الموثقة.
وتأتي هذه التطورات في وقت لم يعد فيه ملف الهجرة في ليبيا مقتصرا على كونه قضية عبور نحو أوروبا، بل تحول تدريجيا إلى ملف داخلي يثير نقاشات سياسية واقتصادية وأمنية متزايدة داخل البلاد.
بحسب أحدث بيانات لمنظمة الدولية للهجرة، بلغ عدد المهاجرين الموجودين داخل ليبيا نحو 936 ألف مهاجر حتى نهاية عام 2025، وهو أعلى رقم ترصده المنظمة منذ بدء عمليات الرصد المنتظمة في البلاد.
وتشير البيانات إلى أن السودانيين والنيجريين والمصريين والتشاديين والنيجيريين يمثلون النسبة الأكبر من المهاجرين الموجودين داخل ليبيا، فيما تتركز التجمعات الرئيسية في طرابلس وبنغازي ومصراتة وسبها والمناطق الزراعية والصناعية المحيطة بها.
ويرجع هذا الارتفاع لعدة عوامل، من بينها:
وسط الجدل الدائر، تؤكد مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وجود خلط واسع بين مفهومي "اللاجئ" و"المهاجر".
وقالت المفوضية في تصريح خاص للجزيرة نت، إن اللاجئين هم أشخاص اضطروا إلى مغادرة بلدانهم بسبب الحروب أو الاضطهاد أو النزاعات أو انهيار النظام العام، ويحتاجون إلى حماية دولية إلى حين تحسن الظروف في بلدانهم.
أما المهاجرون فينتقلون لأسباب متعددة، من بينها العمل أو تحسين الظروف الاقتصادية أو البحث عن فرص معيشية أفضل، وتختلف أوضاعهم القانونية عن أوضاع اللاجئين وطالبي اللجوء.
وأضافت المفوضية أن ولايتها تقتصر على الأشخاص الذين قد يحتاجون إلى الحماية الدولية، بينما تبقى إدارة الهجرة وتنظيم الإقامة والحدود من الاختصاصات السيادية للدولة الليبية.
ومع تصاعد الحديث عن "التوطين"، نفت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين للجزيرة نت تنفيذ أي برامج أو ترتيبات لتوطين اللاجئين أو المهاجرين داخل ليبيا.
وأكدت أن ليبيا ليست دولة توطين ضمن برامجها، وأن دورها يقتصر على تقديم الحماية الإنسانية والمساعدات الأساسية للأشخاص الذين قد يحتاجون إلى حماية دولية، بالتنسيق مع السلطات الليبية المختصة.
وأوضحت أن تسجيل اللاجئين لديها لا يمنح حق الإقامة أو الجنسية أو العمل أو التوطين داخل ليبيا، وإنما يهدف إلى تحديد الأشخاص المحتاجين إلى الحماية الدولية وتقييم احتياجاتهم الإنسانية.
وأضافت أن أكثر من 83% من الأشخاص المسجلين لديها داخل ليبيا هم من السودانيين الذين فرّوا من الحرب الدائرة في بلادهم.
كما أشارت إلى أن أكثر من 15 ألف شخص غادروا ليبيا منذ عام 2017 عبر برامج الإجلاء إلى دول ثالثة، ووفق المسارات القانونية الأخرى المتاحة أُعيد توطين الأشخاص المحتاجين إلى الحماية الدولية.
ورغم ارتباط اسم ليبيا تقليديا بقوارب الهجرة المتجهة إلى أوروبا، فإن الواقع الحالي أكثر تعقيدا. فبينما يستخدم كثير من المهاجرين ليبيا كنقطة عبور نحو أوروبا، استقر آخرون لسنوات داخل البلاد وانخرطوا في قطاعات اقتصادية مختلفة، خاصة في البناء والزراعة والخدمات والنظافة والأعمال الحرفية.
ويرى باحثون أن ليبيا باتت تجمع بين صفتين في آن واحد: دولة عبور رئيسية نحو أوروبا، وبلد استقرار مؤقت لشرائح واسعة من العمالة الأجنبية القادمة من دول أفريقيا جنوب الصحراء ومصر والسودان.
ويمنح الموقع الجغرافي لليبيا أهمية خاصة في ملف الهجرة، إذ تمتد حدودها البرية لنحو 4400 كيلومتر مع ست دول هي مصر والسودان وتشاد والنيجر والجزائر وتونس، إضافة إلى ساحل يتجاوز 1900 كيلومتر على البحر المتوسط.
وتصنف المنظمة الدولية للهجرة طريق وسط المتوسط، الذي تنطلق نسبة كبيرة من رحلاته من السواحل الليبية، باعتباره أحد أخطر طرق الهجرة في العالم.
وخلال السنوات الأخيرة سجل هذا المسار آلاف الوفيات وحالات الفقدان أثناء محاولات العبور نحو أوروبا.
وخلال الأيام الماضية أفادت وسائل إعلام يونانية، بينها صحيفتا "كاثيميريني" و"تو فيما"، بوصول مئات المهاجرين إلى جزيرتي كريت وغافدوس، مشيرة إلى أن نسبة مهمة من الوافدين انطلقت من السواحل الليبية، خصوصا من المناطق الشرقية القريبة من طبرق.
كما تحدثت الصحف اليونانية عن اتصالات مكثفة بين أثينا والاتحاد الأوروبي والسلطات الليبية لمواجهة تزايد التدفقات المتوقعة خلال فصل الصيف.
على الصعيد الداخلي، أعلنت مديرية أمن زليتن خلال الأيام الماضية بدء إجراءات جديدة لتنظيم أوضاع الأجانب المقيمين في المدينة، شملت تسجيل غير الحاملين لوثائق رسمية ومراجعة أوضاع العمالة الوافدة بالتنسيق مع رؤساء الجاليات الأفريقية.
كما أطلقت بلديات وأجهزة أمنية أخرى إجراءات مشابهة لتنظيم الوجود الأجنبي ومتابعة المخالفين وترحيلهم وفق القوانين المعمول بها.
وفي السياق ذاته، حذرت مديرية أمن البطنان من تأجير العقارات للمهاجرين المخالفين، بينما اتخذت بلدية زوارة إجراءات لتنظيم حركة الأجانب داخل المدينة.
ومع تصاعد الجدل الشعبي، أعلنت مؤسسات رسمية في شرق البلاد وغربها مواقف متقاربة بشأن الملف؛ فقد أكد مجلس النواب الليبي رفضه أية مشاريع أو ترتيبات قد تؤدي إلى التوطين أو التغيير الديمغرافي، معتبرا أن السيادة الوطنية والهوية الليبية "خط أحمر".
كما جددت وزارة الخارجية بحكومة الوحدة الوطنية رفضها أي توجهات تتعلق بتوطين المهاجرين داخل ليبيا، ودعت إلى التعبير عن الرأي بالطرق السلمية واحترام البعثات والمنظمات الدولية العاملة في البلاد.
وأعلنت الحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد تمسكها بالموقف نفسه، مؤكدة رفض أي ترتيبات قد تؤدي إلى استقرار دائم للمهاجرين داخل الأراضي الليبية.
في المقابل، أعربت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عن قلقها من انتشار المعلومات المضللة والخطابات التحريضية المرتبطة بقضية الهجرة، محذرة من مخاطر خطاب الكراهية والتمييز والعنف ضد المهاجرين واللاجئين.
ويعكس الجدل الدائر حاليا حجم التعقيد الذي يحيط بملف الهجرة في ليبيا، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية والديمغرافية والاقتصادية مع الالتزامات الإنسانية والقانونية الدولية.
وبينما تواصل السلطات الليبية حملات الترحيل وتنظيم أوضاع المهاجرين، تؤكد المنظمات الدولية أن معالجة الظاهرة تتطلب موازنة دقيقة بين حماية الحدود واحترام حقوق الإنسان.
وفي ظل استمرار النزاعات والأزمات في دول الجوار، وتزايد الضغوط الأوروبية للحد من تدفقات الهجرة عبر المتوسط، يبدو أن ملف الهجرة سيبقى أحد أكثر الملفات حساسية وتأثيرا على المشهد الليبي خلال المرحلة المقبلة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة