في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تحولت الأموال الإيرانية المجمدة إلى واحدة من أعقد القضايا السياسية والاقتصادية في المفاوضات الجارية بين طهران وواشنطن، بعدما أصبحت هذه المليارات محورا للصراع بين من يراها حقا سياديا، ومن يتعامل معها بوصفها ورقة ضغط إستراتيجية لإعادة تشكيل سلوك إيران الإقليمي والنووي.
وفي حلقة جديدة من برنامج "سياق الحدث" على قناة الجزيرة، بدا واضحا أن ملف الأموال المجمدة لم يعد مجرد قضية مالية، بل تحول إلى ركيزة أساسية لأي تفاهم محتمل بين الطرفين، تتقاطع عندها ملفات البرنامج النووي الإيراني وأمن مضيق هرمز والعقوبات الاقتصادية والصراع على النفوذ في المنطقة.
وبينما تصر إيران على أن الإفراج عن جزء من أموالها يجب أن يكون شرطا أوليا لأي اتفاق، تتمسك الولايات المتحدة باستخدام هذه الأرصدة كورقة تفاوض للضغط على طهران في ملفات النووي والصواريخ الباليستية والعلاقات الإقليمية.
ووفق ما طرحه البرنامج، فإن عشرات المليارات من الدولارات المجمدة تمثل بالنسبة لإيران "أكسجينا اقتصاديا" في ظل الضغوط التي تعيشها نتيجة العقوبات والحصار وتداعيات الحرب، في حين تنظر إليها واشنطن كأداة رئيسية ضمن سياسة الضغط الأقصى.
وأظهرت التصريحات المتبادلة بين الجانبين حجم التعقيد المحيط بالملف. ففي الوقت الذي أكد فيه المتحدث باسم الخارجية الإيرانية ناصر كنعاني تحقيق تقدم في بعض الملفات، شددت طهران، بحسب وكالة "تسنيم"، على أنه لا يمكن توقيع أي اتفاق ما لم يفرج عن جزء من الأصول المجمدة في المرحلة الأولى.
في المقابل، حرص الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على التأكيد أن أي اتفاق جديد مع إيران يجب أن يكون عظيما وذا معنى، في تلميح واضح إلى رفضه تكرار تجربة الاتفاق النووي لعام 2015، الذي اعتبر أنه منح إيران أموالا ضخمة دون ضمانات كافية.
وكشفت الخريطة التفاعلية ضمن البرنامج أن حجم الأموال الإيرانية المجمدة يقدر بنحو 100 مليار دولار موزعة في عدة دول، أبرزها الصين التي تحتفظ بحوالي 20 مليار دولار من عائدات النفط الإيرانية، إضافة إلى 7 مليارات في الهند، و6 مليارات في العراق مرتبطة بعائدات الكهرباء والغاز، فضلا عن 6 مليارات نقلتها كوريا الجنوبية إلى قطر ضمن تفاهمات سابقة، إلى جانب أصول أخرى موزعة في اليابان ولوكسمبورغ والولايات المتحدة.
وتعود جذور الأزمة إلى عام 1979 عقب أزمة الرهائن الأمريكيين في طهران، حين جمدت أول دفعة كبيرة من الأصول الإيرانية، لتتحول القضية لاحقا إلى ملف متراكم ومعقد لم تنجح العقود الماضية في حسمه.
وأوضح أستاذ النزاعات الدولية في معهد الدوحة للدراسات العليا إبراهيم فريحات أن جوهر الخلاف يتمثل في اختلاف النظرة إلى هذه الأموال؛ فإيران تعتبرها أموالا سيادية لا يحق لواشنطن التحكم بها، بينما ترى الولايات المتحدة أن استمرار تجميدها يمنحها أداة ضغط فعالة للتأثير على سياسات إيران النووية والإقليمية.
وأشار فريحات إلى أن طهران لا تنظر إلى الإفراج عن الأموال من زاوية اقتصادية فقط، بل تعتبره قضية سيادة، ولذلك تصر على الإفراج عن جزء من هذه الأموال، يقدر حاليا بنحو 12 مليار دولار، كخطوة أولى تثبت حسن النية الأمريكية.
وأضاف أن الاقتصاد الإيراني بحاجة ملحة لهذه الأموال بعد سنوات من العقوبات والضغوط، إلا أن البعد الرمزي والسيادي يبقى بالنسبة لطهران أكثر أهمية من القيمة المالية ذاتها.
وفي قراءته لمسارات التفاوض، رجح فريحات أن يكون السيناريو الأكثر احتمالا هو الإفراج الجزئي والتدريجي عن الأموال المجمدة، مانحا هذا الخيار نسبة 70%، مقابل احتمال ضعيف للإفراج الكامل، وآخر أقل لرفض الإفراج نهائيا.
ويرى أن الإفراج الجزئي يحقق توازنا بين احتياجات الطرفين; فمن جهة يسمح لإيران بتأكيد حقها السيادي في استخدام أموالها، ومن جهة أخرى يتيح للولايات المتحدة الحفاظ على الجزء الأكبر من الأرصدة كورقة ضغط مستمرة في ملفات النووي والصواريخ الباليستية.
ولفت إلى أن واشنطن قد تعتبر الإفراج عن مبلغ 12 مليار دولار ثمنا مقبولا لاختبار نيات إيران دون خسارة أدوات الضغط الأساسية، إذ سيبقى الجزء الأكبر من الأموال مجمدا وقابلا للاستخدام السياسي مستقبلا.
لكن فريحات حذر من أن العقبة الحقيقية قد لا تكون مالية بقدر ما هي سياسية وإستراتيجية، موضحا أن ملف الأموال قابل للتفاوض والتقسيم، بينما تبقى القضايا المرتبطة بالمصداقية السياسية والنفوذ الإقليمي وأمن المنطقة أكثر تعقيدا وأصعب حلا.
وأشار إلى أن أي تعثر في ملفات أخرى، مثل أمن لبنان أو ترتيبات مضيق هرمز أو التوترات الإقليمية، قد يدفع واشنطن إلى استخدام ملف الأموال المجمدة مجددا كأداة ضغط إضافية على طهران.
المصدر:
الجزيرة