لم يصل التوتر الذي تعيشه المنطقة، منذ أشهر، إلى المشاعر المقدسة، لكنه رافق كثيرا من الحجاج في الطريق إلى مكة.
فبعد هدنة خففت مؤقتا التصعيد بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، بقيت المنطقة معلقة بين خياري السلام والحرب. وانعكس ذلك على كلفة السفر، ومسارات الطيران، وحجاج قادمين من دول أنهكتها الحرب أو الأزمات الاقتصادية، من غزة والسودان إلى لبنان وإيران.
فالهدنة التي أُعلنت في أبريل الماضي خففت، مؤقتا، احتمالات الانفجار الواسع بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. لكنها لم تُعد الطمأنينة كاملة إلى المنطقة. وقد أبقت التصريحات المتبادلة، والتحركات العسكرية، واضطراب الملاحة والطيران، دولا كثيرة في حالة ترقب، فيما بدأ الحجاج رحلتهم إلى الأراضي المقدسة وسط كلفة أعلى ومسارات سفر أكثر تعقيدا.
لم يصل ذلك التوتر إلى المشاعر المقدسة على شكل تهديد مباشر. لكنه ظهر في الطريق إليها: في أسعار الطيران والإقامة، وفي التأمين، وفي تأخر قرارات بعض الدول بشأن تنظيم الحج، وفي صعوبة سفر الحجاج من مناطق الحرب مثل غزة والسودان ولبنان.
ويرى الأكاديمي والباحث السياسي، خالد باطرفي، أن موسم الحج هذا العام يأتي في ظرف إقليمي أكثر حساسية من مواسم سابقة، لا بسبب تهديد مباشر للحج، بل بسبب “حالة السيولة الاستراتيجية” في المنطقة، من الحرب في غزة إلى التوتر الأميركي الإيراني والتصعيد البحري والقلق المرتبط بالمجال الجوي.
ويقول باطرفي لـ”الحرة” إن التأثير الأمني المباشر على الحج لا يزال محدود الاحتمال، لكنه يرى أن التوترات الإقليمية تنعكس بطرق غير مباشرة، من بينها تشديد الإجراءات، ومراقبة الشعارات السياسية، والاستعداد لأي اضطراب في الطيران والمنافذ وسلاسل الإمداد.
ويقول المستشار، زايد محمد العمري، إن السلطات السعودية تتعامل مع الحج عبر فصل إدارة الشعائر عن التوترات السياسية المحيطة، مع رفع الجاهزية الأمنية واللوجستية داخل المشاعر. ويشير إلى أن الهدف هو منع انتقال أي توتر إقليمي إلى موسم الحج أو استخدامه في رسائل سياسية.
لكن الإجراءات التنظيمية لا تلغي الكلفة التي فرضها اضطراب المنطقة على الحجاج أنفسهم. ففي عدد من الدول العربية والإسلامية، ارتفعت أسعار الحملات والطيران والإقامة والخدمات اللوجستية، لتصبح الرحلة إلى مكة عبئا ماليا لا يقدر عليه كثيرون.
في لبنان، على سبيل المثال، تراوحت تكلفة الحج بين خمسة وستة آلاف دولار، مع ارتفاع إضافي بحسب مستوى الخدمات والحملات، في بلد ما زال يعيش واحدة من أسوأ أزماته الاقتصادية.
وفي إيران، فقد ساهم القلق من احتمالات التصعيد العسكري في تأخير قرار تنظيم الحج، لينخفض عدد الحجاج الإيرانيين إلى 30,672 حاجاً فقط، مقارنة بنحو 90 ألفاً في موسم 2025، رغم الاستقبال الذي حظوا به داخل السعودية.
ولم تعد المشكلة، في غزة، في الكلفة وحدها. فبحسب وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في القطاع، حُرم أكثر من 10 آلاف فلسطيني من أداء الحج خلال ثلاثة أعوام من الحرب، فيما توفي 71 شخصا وهم ينتظرون فرصة السفر، وسط استمرار إغلاق المعابر.
وفرضت الحرب في السودان طريقا آخر من المشقة. فشح الإمكانيات وانعدام الاستقرار دفعا كثيرين إلى مسارات طويلة وصعبة للوصول إلى مكة. ورغم ذلك، تمكن نحو 15 ألف سوداني من أداء الفريضة هذا العام، في رحلة امتزج فيها التعب الجسدي بثقل الحرب والتهجير.
يقول باطرفي إن حجاج غزة ولبنان والسودان وأجزاء من العراق، وربما إيران، يصلون هذا العام وهم يحملون ثقلا إنسانيا وسياسيا واضحا. لكنه يشير إلى أن ذلك لا يظهر بالضرورة داخل المشاعر، بل في محيط الموسم: إجراءات إضافية، حساسية أكبر تجاه الشعارات، واستعدادات مرتبطة بحركة الطيران والمنافذ.
ويقول العمري إن استمرار وصول حجاج من دول تعيش أزمات حادة يتطلب تنسيقا مسبقا بين الجهات السعودية وبعثات الحج المختلفة، خصوصا في ما يتعلق بالوصول والتفويج والالتزام بالتعليمات.
ويؤكد المستشار السابق في وزارة الخارجية السعودية، سالم اليامي، أن حجاج مناطق النزاع لهم الحق نفسه في أداء الفريضة، لكنه يشير إلى أن الجهات السعودية تعتمد برامج توعية عبر السفارات أثناء إصدار التأشيرات، للحد من أي مخالفات قد تؤثر على سلامة الموسم أو تنظيمه.
ويبقى الطيران أحد أكثر ملفات الموسم حساسية. فقد عطلت الحرب التي اندلعت أواخر فبراير بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، المجال الجوي.
في ذروة التصعيد، أغلقت مجالات جوية، وعلقت رحلات، واضطربت مسارات الطيران المدني، حتى أصبحت حركة الخروج من الخليج والعودة إليه أكثر صعوبة. ومع اقتراب الحج، عاد السؤال العملي: كيف يمكن حماية مسارات وصول الحجاج ومغادرتهم إذا وقع تصعيد مفاجئ؟
يقول العمري إن الاضطرابات الجوية الإقليمية خلال الأشهر الماضية فرضت تعديلات على بعض مسارات الرحلات لتجنب مناطق التوتر، ما زاد مدة الرحلات والتكاليف التشغيلية، وضغط على جداول تفويج الحجاج.
ويضيف أن السلطات السعودية عملت على رفع الطاقة الاستيعابية للمطارات، والتنسيق مع شركات الطيران والجهات الدولية، وتجهيز بدائل جوية وبرية وبحرية عند الحاجة، لتقليل أثر أي اضطراب مفاجئ.
ويصف باطرفي ملف الطيران بأنه من أكثر ملفات الحج حساسية هذا العام. فإغلاق بعض المجالات الجوية، وارتفاع كلفة التأمين والطيران، والضغط على المطارات وشركات النقل، كلها عوامل يمكن أن تؤدي إلى إطالة بعض الرحلات أو إعادة جدولتها أو زيادة كلفتها.
أما اليامي فيقول إن قطاع الطيران تأثر بالفعل بالأوضاع الإقليمية، خصوصاً من ناحية الأسعار، لكنه يرى أن حركة الوصول إلى الأراضي المقدسة ما زالت منتظمة، وأن جدة تواصل استقبال الرحلات من مختلف أنحاء العالم.
بقي الحج مناسبة دينية تحاول الابتعاد عن الصراعات والخلافات السياسية. لكن هذا الموسم أظهر أن الاضطراب الإقليمي، حتى عندما يؤثر مباشرة على المشاعر المقدسة، يمكن أن يجعل الرحلة إليها أكثر صعوبة.
المصدر:
الحرة