آخر الأخبار

هرمز ولبنان والعراق.. هل هي مسارح حرب إيرانية لإدارة الصراع؟

شارك
تعثر محادثات السلام بين أميركا وإيران.. أرشيفية

في مشهد مفاوضات يزداد ضبابية، وضعت طهران ردا على المقترح الأميركي بين يدي وسيط باكستاني، في توقيت تتصاعد فيه تسريبات عن حديث إيراني حول "ضمان أمن الخليج العربي وسلامة الملاحة في مضيق هرمز".

المفارقة الصادمة أن هذه التصريحات تتزامن مع استمرار استهداف الملاحة في المنطقة، وتهديد السفن، وشن اعتداءات على دول خليجية.

طهران ليست بصدد رد دبلوماسي تقليدي، بل إنها، وفق تحليلات أدلى بها كل من الباحث في مركز الإمارات للسياسات محمد الزغول، والخبير في الشؤون السياسية والعسكرية مهند العزاوي، وأستاذ القانون الدولي عامر فاخوري، ورئيس المجلس الاستشاري بجامعة ماريلاند فرانك مسمار خلال حديثهم لسكاي نيوز عربية، بصدد صياغة معادلة أمنية جديدة بمنطقها الخاص، عبر "اختطاف" أهم شريان ملاحي عالمي والتفاوض عليه.

فكيف تدير طهران هذا التناقض العميق؟ ولماذا تبدو غير قادرة على توقيع اتفاق حتى لو أرادت؟ وكيف ستتعامل واشنطن مع نظام يصفه أحد المحللين بـ"المنظومة العسكرية الفاشية" التي لا تعترف بأنها خسرت معركة الشرق الأوسط؟

الرفض المقنَع ومأزق القيادة المسطَحة

في تحليله للبيئة الداخلية الإيرانية، يضع الباحث في مركز الإمارات للسياسات محمد الزغول إصبعه على الجرح الأعمق داخل النظام الإيراني. بناءً على ما ورد في وسائل الإعلام الإيرانية، يؤكد الزغول أن طهران "رفضت مجمل المقترح الأميركي"، موضحا أن الرد الإيراني، وإن لم يكن رفضا قاطعا، إلا أن النقاط التي أبدت استعدادا لمناقشتها هي "النقاط الهامشية التي لا تُعد أولوية لواشنطن".

بيد أن الزغول يتجاوز مسألة الإرادة السياسية ليُحلل معضلة القدرة على اتخاذ القرار. يقول بصراحة: "إيران اليوم حتى لو أرادت أن تقبل المقترح الأميركي لن تستطيع".

ويكشف أن النظام يعيش حالة من الشلل الاستراتيجي بسبب ما وصفه بـ"المخاض السياسي" الحاد على مستوى القيادة. هذا الانقسام البنيوي العميق يحول دون التوصل إلى "إجماع حول أي تنازل ذي قيمة ينتج توافقاً مع الولايات المتحدة".

ويقدم الزغول توصيفا دقيقا لهذا المأزق، مشيرا إلى أن القيادة الإيرانية تحولت من بنية "هرمية شجرية" تستمد شرعيتها من جذر واحد، إلى قيادة "مسطحة" تتنازعها مؤسسات موازية متعددة المرجعيات.

ففي هذا المشهد المُشرذم، لم تعد الحكومة أو الخارجية سوى مؤسسات شكلية، بينما تتركز السلطة الحقيقية في أربعة مراكز: مقر خاتم الأنبياء، والمجلس الأعلى للأمن القومي، وقيادة الحرس الثوري، واستخبارات الحرس.

ويضرب الزغول أمثلة حية على هذا التخبط المفضوح، إذ أن وزير الخارجية يعلن أن المضيق مفتوح للملاحة، ليرد عليه قائد القوة البحرية في اليوم التالي بعكس ذلك ويبدأ بالقصف.

في ظل هذا الواقع، يخلص الزغول إلى أن المماطلة الإيرانية ليست مجرد تكتيك تفاوضي، بل هي ضرورة وجودية لنظام غير قادر على حسم خياراته، وأنها ستحتاج إلى "شهور وسنوات، لا أسابيع".

هرمز ولبنان والعراق.. مسارح حرب إيرانية لإدارة الصراع وشراء الوقت

من جانبه، يقدم الخبير في الشؤون السياسية والعسكرية مهند العزاوي قراءة استراتيجية مغايرة لا ترى في هذا التخبط عجزاً، بل خطة متعمدة.

يؤكد العزاوي أن إيران "لا تنظر إلى التفاوض من جانب استراتيجي، بل من جانب تكتيكي"، وبالتالي "هي تماطل وتخادع وتناور وتتجاهل المهل".

في هذا السياق، لا تُعتبر الاعتداءات المستمرة على المنطقة وإعادة التموضع العسكري في الداخل مجرد أفعال منفصلة، بل هي أوراق ضغط تُستخدم بالتزامن مع المسار الدبلوماسي، بما في ذلك "استفزاز نفسي متعمد" للرئيس دونالد ترامب.

ويكشف العزاوي عن استراتيجية إيرانية أكثر تعقيدا تقوم على "تقسيم مسارح الحرب". يوضح قائلا: "جعلوا من هرمز مسرح حرب.. جعلوا من لبنان مسرح حرب.. مسرح العراق هو مسرح.. مختلف عنهم، قسموا أربع مسارح".

وفي قلب هذه الاستراتيجية، جعلت طهران من الملف النووي و مضيق هرمز "عاملين رئيسيين"، متجاهلة عن قصد عوامل تهديد أخرى كالصواريخ والمسيّرات والأذرع الإقليمية.

هذا التجاهل، وفق العزاوي، ليس عشوائيا، بل هو ما أتاح لقادة عسكريين كقائد فيلق القدس السابق إسماعيل قاآني التنقل بحرية مريحة إلى العراق و لبنان دون اعتراض، حتى في خضم حالة الحرب.

ويخلص العزاوي إلى ملاحظة لافتة هي أن هذه المرحلة فريدة من نوعها: "لأول مرة في تاريخ النزاعات، نجد أن الطرفين يبحثان عن الزمن أو يحاولان شراء الوقت"، ففي وقت تماطل فيه طهران، تعمل واشنطن على إنضاج خططها لتفكيك هذه المسارح واحدة تلو الأخرى.

الورقة اللبنانية.. قاعدة عسكرية وجودية واعتراف ضمني بالدور الإقليمي

يبرز ملف لبنان و حزب الله كأحد أكثر أوراق التفاوض حساسية، وهنا تتقاطع تحليلات العزاوي والزغول لتشكل صورة متكاملة.

يصف العزاوي حزب الله بأنه "قاعدة عسكرية لفيلق القدس وللحرس الثوري الإيراني في لبنان"، مؤكداً أن نشاطه يتجاوز الصراع مع إسرائيل ليشمل "إخضاع لبنان كدولة"، وتدريب الميليشيات في المنطقة، وتصدير الثورة.

ويضيف أن طهران تعتبره "قاعدتها العسكرية في المتوسط"، ولهذا السبب بالذات "لا تريد أن تخسره في ظل سياق التفاوض"، معتبرةً أن التضحية بحماس واردة، لكن التضحية بحزب الله ليست كذلك.

بالانتقال إلى البعد السياسي لهذا التمسك، يحلل محمد الزغول إصرار إيران على ربط لبنان بالمفاوضات في سياقين استراتيجيين.

الأول هو أن إنهاء الحرب في لبنان عبر طاولة التفاوض مع طهران يمنح الأخيرة "اعترافاً ضمنياً بدورها الإقليمي"، وهو مكسب جيوسياسي هائل.

أما السياق الثاني والأخطر، فهو أن حزب الله طالما برر وجوده وسلاحه بحماية لبنان من إسرائيل. فإذا جاء السلام عبر مفاوضات لبنانية إسرائيلية مستقلة، فإن هذا "ينزع شرعية سلاح حزب الله" تماماً.

ويختصر الزغول هذه المعضلة بعبارة حاسمة: "إذا جاء وقف إطلاق النار عن طريق إيران، فهو تثبيت لشرعية سلاح حزب الله. وأما إذا جاء عبر توافق لبناني-إسرائيلي، فهو نزع لهذه الشرعية".

معضلة اليورانيوم.. وديعة تحت المراقبة أم خط أحمر لا تفريط فيه؟

يكشف الملف النووي عن أحد أكثر المسارات التفاوضية تعقيداً، كما يوضح ذلك أستاذ القانون الدولي عامر فاخوري. مستنداً إلى أرقام الوكالة الدولية للطاقة الذرية، يشير فاخوري إلى أن إيران تمتلك نحو 9874 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب، من بينها 440 كيلوغراماً عالي التخصيب.

ويرى فاخوري أن "الرفض الكامل" و"القبول الكامل" للمقترح الأميركي كلاهما مستحيل، مرجحا أن يكون الرد الإيراني مشروطا على قاعدة "نعم، ولكن"، وقد يتضمن طلب فتح مضيق هرمز مقابل "تنازلات مبكرة من واشنطن تضمن عدم استهدافها أثناء التفاوض".

لكن جوهر التعقيد، وفق فاخوري، يكمن في مسألة مصير هذا المخزون. فهو يميز بدقة بين "تسليم" اليورانيوم و"نقله"، موضحا أن طهران قد تقبل بنقل اليورانيوم كوديعة لدى دولة ثالثة "تثق بها"، مع الاحتفاظ بحق استعادته في حال فشل المفاوضات، وهو خط أحمر لن تتنازل عنه.

بيد أن فاخوري يضيف بعدا آخر من التعقيد، نقلا عن المدير العام للوكالة الدولية رافاييل غروسي، وهو أن عملية نقل اليورانيوم عالي التخصيب من منشأة أصفهان حيث هو "مدفون في الأرض" هي "عملية معقدة جداً، ليست يوم ويومين".

هذا المأزق التقني يجعل الخيار الأكثر واقعية، في تقدير فاخوري، هو إبقاء اليورانيوم داخل إيران "تحت رقابة الأقمار الصناعية والوكالة الدولية للطاقة الذرية" كحل مؤقت إلى أن يتم إيجاد آلية نقل مستدامة.

في السياق ذاته، يُعمق الزغول التحليل بالكشف عن أن المخزون النووي لدى طهران لم يعد مجرد أداة مساومة تقليدية. فبعد الحرب، تحطمت أجزاء كبيرة من منظومة الردع الإيرانية التقليدية، وأصبحت البلاد "بسماء مكشوفة وردع مهشم".

وهكذا، أصبح المخزون النووي ورقة لشراء ليس فقط رفع العقوبات، بل "بدائل ردع قوية"، كالحصول على سلاح جو فعال وضمانات أمنية.

ويختتم الزغول بأن مسألة التخصيب في إيران تجاوزت المستوى الأمني والسياسي لتصبح "مرتبطة بالكرامة الوطنية الإيرانية"، مما يجعل أي تنازل عنها بمثابة خسارة وجودية لكل ما بناه الحرس الثوري من سرديات المقاومة، وهو ما يفسر استحالة تقديم تنازل حقيقي فيها.

اتفاق لن يتكرر

في مقابل هذه الاستراتيجية الإيرانية متعددة المسارح، يحدد رئيس المجلس الاستشاري بجامعة ماريلاند فرانك مسمار ملامح الموقف الأميركي بوضوح أكاديمي، مؤكدا أن أي اتفاق مستقبلي مع إيران "لن يكون مماثلاً لاتفاق 2015".

يصف مسمار اتفاق أوباما بأنه كان "اتفاقا رقيقا" لأنه أغفل البعد الإقليمي، وتحديدا "الأذرع الإيرانية والصواريخ الباليستية"، ولم يشمل رقابة كافية، ناهيك عن أنه أفرج عن أموال إيران المحتجزة.

ويشدد على أن مسار السلام "لا يمكن أن يحدث بدون أخذ البعد الإقليمي"، الذي يشمل بالضرورة دول الخليج و الأردن التي تم استهدافها، إلى جانب ملفات البرنامج النووي والصواريخ والأذرع كحزمة واحدة لا تتجزأ.

ويقدم مسمار تحليلا بنيويا للنظام نفسه، واصفا إياه بأنه "منظومة عسكرية وليس سياسية"، تحكمها "أيديولوجيا فاشية بمفهومها العلمي السياسي".

هذه المنظومة، وفقاً لمسمار، تقوم على سطوة المؤسسة العسكرية وإلغاء الحريات، وهذا ما يفسر رفض طهران المستمر "الاعتراف بأنها خسرت معركة الشرق الأوسط".

ويضيف أن دوافع استهداف دول الخليج، كالإمارات تحديداً، تكمن في أن ازدهارها الاقتصادي يشكل تحديا أيديولوجيا وجوديا للنموذج الإيراني أمام مجتمعه الداخلي.

أما بالنسبة لملف هرمز الذي تضخمه طهران، فيصفه مسمار بأنه "مسألة ثانوية وعرَض جانبي"، مؤكداً أن المضيق "لن يكون ملكاً لإيران ولا للولايات المتحدة مهما طال الأمد"، لأن السماح بالتحكم بمضيق واحد من أصل مئتي مضيق عالمي رئيسي سيفتح الباب لكارثة "لا تُحل إلا بحرب عالمية شرسة".

سكاي نيوز المصدر: سكاي نيوز
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا