لم تعد معضلة دونالد ترمب في حرب إيران كامنة في حجم ما أنجزته الضربات الأمريكية الإسرائيلية، بقدر ما أصبحت في السؤال الذي تلاها: ماذا بعد؟
فبعد نحو ثلاثة أسابيع من الحرب، تبدو واشنطن عالقة بين مسارين كلاهما مكلف؛ المضي في التصعيد أملا في حسم لا يزال بعيدا، أو التراجع نحو تسوية قد تُقرأ، في الداخل والخارج، بوصفها عجزا عن استكمال ما بدأته.
هذا المأزق هو ما تكشفه ثلاث قراءات أمريكية وبريطانية، تختلف في النبرة لكنها تتفق على حقيقة واحدة: الحرب أوجعت إيران، لكنها لم تفتح -حتى الآن- باب نهاية سياسية واضحة، في حين أصبحت كلفة الاستمرار وكلفة التراجع تتزاحمان في حسابات البيت الأبيض.
في مقال نشرته نيويورك تايمز، يحمّل ديفيد فرنش ترمب المسؤولية المباشرة عن المأزق الذي آلت إليه الحرب، معتبرا أن الرئيس أوجد بيده شروط الفشل السياسي، حتى لو حقق الجيش نجاحا ميدانيا.
يقر الكاتب بأن الولايات المتحدة وإسرائيل فرضتا خلال أيام قليلة تفوقا جويا شبه كامل، ودمرتا جزءا كبيرا من القدرات الإيرانية الدفاعية والبحرية والصاروخية، وألحقتا أضرارا واسعة ببرنامج إيران النووي وبأجهزتها الأمنية.
لكن هذا النجاح، في رأيه، لا يلغي حقيقة أخطر هي أن ترمب خاض الحرب من دون تفويض من الكونغرس، ومن دون تعبئة للرأي العام، ومن دون تنسيق جاد مع الحلفاء، ومن دون تحديد دقيق للأهداف أو للوسائل الكفيلة بتحقيقها.
ويرى فرنش أن الخلل لم يكن في نقص أدوات القوة، بل في غياب تصور واضح للغاية النهائية. فالحرب، في رأيه، انطلقت قبل أن تجيب الإدارة عن السؤال الحاسم: ما الذي سيعد انتصارا؟ وما الوسائل اللازمة للوصول إليه؟
وتتجلى هذه الفجوة، بحسب الكاتب، بأوضح صورها في ملف مضيق هرمز. فترمب، كما يذكر المقال، تلقى تحذيرا مسبقا من الجنرال دان كين -رئيس هيئة الأركان المشتركة- من أن إيران قد ترد بإغلاق المضيق، لكنه مضى في الحرب على افتراض أن طهران ستنهار قبل أن تقدم على ذلك، أو أن الولايات المتحدة ستتمكن بسهولة من إبقاء الملاحة مفتوحة.
لكن النظام لم يسقط، والمضيق تحول إلى أداة ضغط تهدد الاقتصاد العالمي، لتدخل الحرب منذ أيامها الأولى في عقدة تتجاوز حدود الميدان.
ومن هنا يحذر فرنش من معضلة يصعب الخروج منها: فإذا أعلنت واشنطن النصر الآن، بينما لا يزال النظام قائما والمضيق مغلقا، فقد تستطيع إيران القول إنها امتصت الضربة وأجبرت الولايات المتحدة على التراجع.
أما إذا قررت واشنطن فتح المضيق بالقوة والإبقاء عليه مفتوحا، فإنها قد تجد نفسها في حرب أطول وأغلى، وربما أمام انخراط عسكري مباشر أو شبه مباشر في محيط إيران، كما قال الكاتب.
وفي تقديره، فإن التعويل على ما يشبه "قص العشب" -أي إضعاف الخصم لسنوات من دون حسم الصراع- لا يصنع أمنا دائما، بل يطيل أمد الحرب، ويزيد أطرافها تصلبا، ويزرع بذور انتقام جديد. ويضيف أن هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول كان ينبغي أن يكون كافيا لإسقاط هذا الوهم، في إسرائيل والولايات المتحدة.
وفي صحيفة إندبندنت، يكتب شون أوغرادي عن الحرب من زاوية تمس جوهر شخصية ترمب السياسية. فالرئيس الذي صاغت الأسواق حوله قاعدة غير معلنة مفادها أنه "يتراجع دائما" عندما تتسع الخسائر أو تهتز الرسملة، لم يعد قادرا هذه المرة على التصرف بالطريقة نفسها.
يقول أوغرادي إن المستثمرين بنوا خلال السنوات الماضية ما يشبه اليقين بأن ترمب سيتراجع عند حافة الهاوية إذا وجد أن الأسواق لا تحتمل. وقد حدث ذلك، كما يذكر، في ملفات الرسوم الجمركية وغرينلاند وغيرهما. لكن الحرب على إيران لا تبدو قابلة لهذا النوع من المناورة.
فترمب، في تعبير الكاتب، يشبه من دخل مصيدة جراد البحر: استطاع الدخول، لكنه لا يعرف كيف يخرج.
لم يعد بالإمكان التسليم بأن المصالح الأمريكية والإسرائيلية متطابقة تماما
ويطرح أوغرادي سؤالا يتجاوز واشنطن إلى تل أبيب: هل يستطيع ترمب فعلا كبح إسرائيل إذا رأت أن مصالحها تستدعي مواصلة الحرب إلى أقصى حد؟
ففي تقديره، لم يعد ممكنا التسليم بأن المصالح الأمريكية والإسرائيلية متطابقة تماما. فما قد تعدّه إسرائيل مكسبا إستراتيجيا -وهو إضعاف إيران إلى الحد الأقصى ولو ترتب على ذلك شلل واسع في أسواق الطاقة أو فوضى إقليمية- قد يبدو، بالنسبة إلى الولايات المتحدة والخليج وأوروبا وشرق آسيا، أقرب إلى كارثة.
ومن هنا، يرى الكاتب أن ترمب أصبح في وضع بالغ التناقض: فهو يحتاج إلى إسرائيل إذا أراد ضبط سقف التصعيد، لكنه يحتاج أيضا إلى إيران إذا أراد إنهاء الحرب. فهو بحاجة إلى أن تكف طهران عن ضرب إسرائيل ودول الخليج، وأن ترفع يدها عن مضيق هرمز، وأن تسمح بعودة الملاحة.
وعند تلك اللحظة، كما جاء في المقال، لن يكون المخرج بلا مقابل، لأن إيران ستطلب ثمنا سياسيا، وقد يجد ترمب صعوبة في دفعه من دون أن يبدو متراجعا أمام خصم قال إنه جاء لكسره.
ولهذا، يميل أوغرادي إلى أن اللحظة الأنسب لعقد صفقة والخروج من الحرب هي الآن، قبل أن تتحول إلى استنزاف أشد وطأة. فالرئيس، في رأيه، حقق ما يكفي ليعلن نصرا: أضعف القيادة الإيرانية، ودمر جزءا من القدرات العسكرية والنووية، وزعزع النظام. لكن الإصرار على الاستمرار قد يجعل الكلفة الاقتصادية والسياسية أعلى من أي مكسب إضافي يمكن تحصيله.
أما في وول ستريت جورنال، فيقدم ريويل مارك غيريخت وراي تاكيه قراءة مغايرة، تميل إلى أن المشكلة لا تكمن في تصعيد الحرب، بل في التوقف قبل استكمال أثرها السياسي.
ففي رأيهما، ألحقت الحملة بإيران ضررا عميقا في بنيتها العسكرية والنووية والقيادية، على نحو قد يستغرق ترميمه سنوات، وربما عقودا، إذا بقي النظام قائما أصلا.
ويرى الكاتبان أن منتقدي الحرب يستهينون بأثر تصفية شخصيات محورية داخل النظام، كما لو أن الجمهورية الإسلامية تملك مخزونا لا ينفد من الرجال والخبرات. ويضربان مثلا بعلي لاريجاني، الذي يعدانه من الشخصيات التي يصعب تعويضها، ويريان أن محمد باقر قاليباف قد يكون من القلائل القادرين على ملء جزء من هذا الفراغ، إذا نجا من الاستهداف وأراد الاضطلاع بهذا الدور.
ومن هنا، يرفضان الفكرة الشائعة في واشنطن، والقائلة إن إطالة أمد الحرب تصب تلقائيا في مصلحة إيران. فحرب الاستنزاف، في تقديرهما، قد تفضي إلى إنهاك الجمهورية الإسلامية نفسها، عسكريا واقتصاديا، إذا امتلكت واشنطن الإرادة لتحمل تبعات ذلك.
ويضع الكاتبان في صلب هذا المسار مسألة مضيق هرمز. ففتح المضيق، في نظرهما، لن يكون عملية عابرة، بل سيتطلب قوافل بحرية تحميها الولايات المتحدة، وربما حضورا بحريا دائما في الخليج. وإذا تحقق ذلك، فإن إيران ستقترب، في رأيهما، من الإفلاس العسكري والاقتصادي.
لكن هذا لا يعني، عندهما، أن ما بعد الحرب سيكون أقل تعقيدا. فالنظام الإيراني الذي قد يخرج منها، إذا بقي، لن يكون أكثر اعتدالا، بل أشد تصلبا وأضعف كفاءة في الحكم. فمجتبى خامنئي، بحسب المقال، يفتقر إلى ما كان يملكه والده من قدرة على فرض التوافق، وسيتعاظم نفوذ الحرس الثوري داخل الدولة والثروة معا.
ويضيف الكاتبان أن صعود كوادر من الصف الثاني، تشكل وعيها في الحرب السورية وعلى منطق البقاء بالقوة، قد يفضي إلى طبقة حاكمة أكثر عقائدية وأقل خبرة، بحيث تحل الأيديولوجيا محل الكفاءة. كما أن التنافس على السلطة والغنائم داخل النظام مرشح، في رأيهما، إلى أن يشتد، في ظل ما يسميانه بنية أقرب إلى "شبكة مافيات" متنازعة.
الكاتبان: المشكلة لا تكمن في استمرار الحرب بل في التوقف قبل استكمال أثرها السياسي
وفي الوقت نفسه، يرجح المقال أن تفتح الهزيمة العسكرية بابا لاهتزاز داخلي أوسع. فالنظام، وإن بقي، سيخرج أضعف، وقد ترى شرائح واسعة من الإيرانيين أن الحرب أضعفت قبضة الدولة بما يكفي لاختبارها مجددا. ومن هنا، يعتقد الكاتبان أن الأمريكيين والإسرائيليين منحوا الإيرانيين أفضل فرصة منذ سنوات للدفع نحو تغيير النظام.
غير أن هذا "الانتصار"، إذا تحقق، لن يكون بلا ثمن على واشنطن. فأمن الخليج، في نظر الكاتبين، سيغدو عبئا أمريكيا دائما، لأن إيران، حتى وهي منهكة، ستظل قادرة على فرض كلفة على الأسواق عبر تعطيل متقطع للملاحة أو تمرير صواريخ ومسيرات بين حين وآخر.
كما لا يتوقعان أن يتحمل الأوروبيون هذا العبء، ويرجحان أن تعود دول الخليج إلى سياسة مهادنة طهران متى هدأت الحرب. وبذلك، فإن المفارقة التي ينتهيان إليها هي أن ترمب، إذا أراد أن يكسب الحرب فعلا، فقد يجد نفسه ملزما بالتزام أمريكي أطول في المنطقة التي طالما قال إنها لم تعد تستحق تضحية أمريكية مستمرة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة