آخر الأخبار

القرن الأفريقي على صفيح “منفذ إثيوبيا” الساخن | الحرة

شارك

من مياه البحر الأحمر إلى الهضبة الإثيوبية، يتشكل ملف قد يعيد رسم خرائط النفوذ في القرن الأفريقي: الطموح الإثيوبي المتجدد للحصول على منفذ بحري.

فقد أكد رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، خلال قمة الاتحاد الأفريقي يومي السبت والأحد الماضيين، أن بلاده “لا يمكنها الاستمرار دولة حبيسة”، وأن أمن واستقرار القرن الأفريقي يرتبطان بحصولها على منفذ بحري.

وجاءت تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي لتزيد من سخونة المشهد في المنطقة، التي تتشابك فيها ملفات انفصال جنوب اليمن، والتباين بين الرياض وأبوظبي، والاعتراف الإسرائيلي بـ”أرض الصومال” دولة مستقلة، مع احتدام التنافس على البحر الأحمر باعتباره شرياناً حيوياً للتجارة والطاقة.

وبينما تطرح أديس أبابا حقها في الوصول إلى البحر باعتباره ضرورة تنموية وأمنية، تتخوف عواصم الجوار من أن يتحول هذا الطموح إلى مدخل لإعادة صياغة خرائط السيادة في الإقليم.

وبذلك، يقف القرن الأفريقي على صفيح ساخن: بين نصوص القانون الدولي التي تكفل حق العبور للدول غير الساحلية، وحسابات القوة التي تحكم الجغرافيا السياسية

كل ذلك يهدد بتوترات إضافية في القرن الأفريقي ويزيد احتمالات انزلاق المنطقة نحو صراعات مسلّحة جديدة.

إرث 1993

منذ استقلال إريتريا عام 1993، فقدت إثيوبيا منفذها البحري، لتصبح أكبر دولة حبيسة من حيث عدد السكان في العالم.

ذلك التحول لم يكن جغرافياً فحسب، بل حمل أبعاداً استراتيجية عميقة، إذ شكّل أحد جذور الحرب الطويلة بين البلدين، قبل أن تنفجر لاحقاً صراعات داخلية، أبرزها حرب إقليم تيغراي في إثيوبيا، والتي انتهت بتوقيع اتفاق بريتوريا عام 2022.

غير أن الأسابيع الأخيرة، شهدت مؤشرات توتر جديدة في شمال إثيوبيا، وسط اتهامات متبادلة بين أديس أبابا وأسمرا، ما يعكس هشاشة التوازنات التي أعقبت المصالحة.

وفي يناير 2024، وقّعت إثيوبيا مع إقليم “أرض الصومال، اتفاقًا يقضي باعترافها باستقلال الإقليم مقابل حصولها على حق الانتفاع بشريط ساحلي بطول 20 كيلومترًا في ميناء بربرة على البحر الأحمر لمدة 50 عامًا، إضافة إلى منح الإقليم حصة بنسبة 20% من أسهم الخطوط الجوية الإثيوبية.

وسارع الصومال إلى رفض الاتفاق بشدة. ووصف الرئيس حسن شيخ محمود الخطوة بأنها “انتهاك غير مشروع” للسيادة الصومالية، مؤكدًا أنه “لا يمكن لأحد أن ينتزع شبراً من الصومال”. واستدعت مقديشو سفيرها لدى إثيوبيا للتشاور، قبل أن يوقّع الرئيس الصومالي قانونًا يُلغي الاتفاق. وفي ديسمبر 2024، توصّل الجانبان إلى تفاهم عقب جولة مفاوضات في أنقرة بوساطة تركية، جمعت الرئيس الصومالي برئيس الوزراء الإثيوبي، إلا أن التهدئة لم تدم طويلًا، إذ عادت التوترات إلى الواجهة.

تصعيد بين جارتين

قبل أيام، اتهمت إثيوبيا إريتريا باحتلال أراضٍ لها على طول الحدود بين البلدين. واعتبر وزير الخارجية الإثيوبي، جيديون تيموثيوس، في رسالة إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، في فبراير الجاري، أن الوجود العسكري الإريتري يمثل “عدوانًا صريحًا” وليس مجرد استفزاز حدودي.

وطالبت أديس أبابا بانسحاب فوري للقوات الإريترية، داعية إلى وقف أي تعاون محتمل مع جماعات مسلحة داخل إثيوبيا، مع إبداء استعدادها للدخول في مفاوضات “بحسن نية” لمعالجة الملفات العالقة، وعلى رأسها مسألة حصولها على منفذ إلى البحر الأحمر عبر ميناء عصب الإريتري.

ويقول محمود أبوبكر، الصحفي الإريتري والباحث في شؤون القرن الأفريقي لـ”الحرة” إن إريتريا “ليس لديها أي مانع من الاتفاق مع إثيوبيا بشأن الاستفادة من الموانئ”، مشيرًا إلى أن اتفاقيات وُقعت عام 1993 عند استقلال إريتريا منحت إثيوبيا وصولًا “آمنًا ومجانيًا إلى البحر”، واستمرت حتى عام 1998 حين قررت أديس أبابا تجميدها بشكل منفرد على خلفية الخلاف الحدودي في مثلث بادمي، والتحول إلى ميناء جيبوتي.

ويوضح أن الاتفاق جُدّد عام 2018 بعد عودة العلاقات بين البلدين، “إلا أن المطلب الإثيوبي يتجاوز واقع الاستفادة من الموانئ إلى امتلاكها، وهذا بالتأكيد لن تسمح به أيّ دولة في الإقليم”. يضيف: “استخدام القوة العسكرية للحصول على الموانئ انتهاك للقانون الدولي ولمبدأ السيادة، ويعدّ سابقة أولى في إعادة ترسيم الحدود، مما قد يفتح الباب لتكراره في أكثر من 16 دولة أفريقية حبيسة و44 دولة حول العالم”.

التحرك التركي

في خضم هذه التطورات، برزت زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى أديس أبابا الثلاثاء الماضي، وهي الأولى له منذ أكثر من عقد.

وشدد أردوغان، خلال الزيارة، على ضرورة عدم تحويل القرن الأفريقي إلى ساحة صراع للقوى الأجنبية، مؤكداً أهمية الحلول الإقليمية وتعزيز الشراكات الاقتصادية.

وتزامن التحرك التركي مع حديث عن تنسيق أمني واقتصادي غير معلن بين أنقرة والقاهرة والرياض، يقوم على مقاربة مزدوجة: حماية الاستقرار والملاحة في البحر الأحمر وتعزيز المصالح الاقتصادية لمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهات مفتوحة.

بين القانون والواقع

تنص اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، وتحديداً المادة (125)، على حق الدول غير الساحلية في الوصول إلى البحر عبر ممرات آمنة وفعّالة، شريطة أن يتم ذلك باتفاق مع الدول المعنية، وبما يحفظ سيادتها الكاملة.

وفي هذا السياق، أوضح الدكتور محمد مهران، أستاذ القانون الدولي، أن النص يمنح «حق المرور العابر» وليس «حق الملكية أو السيادة»، ما يعني أن أيّ ترتيبات يجب أن تقوم على اتفاق ثنائي أو متعدد الأطراف، لا على فرض واقع جغرافي جديد.

من جانبه، قال محمد العروسي، عضو البرلمان الإثيوبي ومستشار وزارة المياه والطاقة الإثيوبية لـ”الحرة” إن تحقيق نمو اقتصادي مستدام يعتمد على تصدير المنتجات الزراعية والصناعية والطاقة الكهرومائية الناتجة عن سد النهضة، الذي يوفر كهرباء منخفضة التكلفة للمنطقة بأكملها. وأضاف إن فقدان الوصول المباشر إلى البحر منذ استقلال إريتريا عام 1993 فرض اعتماداً شبه كامل على موانئ جيبوتي، وهو ما يكلّف الاقتصاد الإثيوبي مليارات الدولارات سنوياً في رسوم الترانزيت والخدمات اللوجستية، وفقاً لتقارير البنك الدولي.

وبين نصوص القانون الدولي، وحسابات الاقتصاد، وهواجس الأمن البحري في البحر الأحمر، يبقى ملف المنفذ البحري الإثيوبي أحد أكثر الملفات تعقيداً في القرن الأفريقي.

فأي مقاربة أحادية قد تفتح الباب أمام توترات أوسع، فيما يبدو أن الاستقرار الإقليمي مرهون بقدرة دول المنطقة على صياغة ترتيبات جماعية توازن بين حق العبور واحترام السيادة، وتمنع تحوّل الجغرافيا إلى شرارة صراع جديد.

الحرة المصدر: الحرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا