في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
هل يكون هطول الأمطار كافيًا لإنقاذ دولة من الجفاف؟ من المؤكد أن الإجابة المباشرة بدون تفكير هي "نعم"، فما يعتقده الكثيرون أن الأمطار والجفاف لا يجتمعان.
لكن دراسة إثيوبية حديثة نُشرت بدورية "جورنال أوف هايدرولوجي: ريجينال ستاديز" (Journal of Hydrology: Regional Studies)، استطاعت أن تطور مؤشرا جديدا للجفاف، يعتمد على خمسة عناصر، تمثل الأمطار واحدًا منها فقط، وكانت خلاصة تطبيقه على الحالة الإثيوبية، هي أن هناك "جفافا خفيا" قد يتسلل إلى الأرض، رغم هطول الأمطار.
ويقول أستاذ الأرصاد الجوية والهيدرولوجيا بجامعة أربا مينش بإثيوبيا الدكتور أبيبي كيبيدي، والباحث الرئيسي بالدراسة للجزيرة نت، إن "المؤشرات التقليدية للجفاف لا تعطي الصورة كاملة، فإحداها يعرف باسم مؤشر الهطول القياسي، يستخدم لمعرفة هل كمية الأمطار في فترة معينة أقل أو أكثر من المعدل الطبيعي، والآخر يعرف باسم مؤشر رطوبة التربة، وهو مقياس لتحديد كمية الماء الموجودة داخل التربة، ومدى كفايتها لنمو النباتات، وهذه المؤشرات ليست كافية لفهم الصورة الكاملة".
ويضيف "في كثير من الحالات، قد تبدو كميات الأمطار طبيعية، بينما تعاني التربة والنباتات من جفاف شديد بسبب ارتفاع درجات الحرارة وزيادة معدلات التبخر، لذلك فإن المؤشر الجديد الذي طورناه يضع في الحسبان هذه العوامل إلى جانب العوامل الموجودة في المؤشرات التقليدية ليضم في النهاية خمسة عوامل مناخية يتم تقييم الجفاف من خلالها وهي: (الأمطار، درجات الحرارة، التبخر، رطوبة التربة، حرارة التربة)".
وأطلق أبيبي ورفاقه من الباحثين على المؤشر الجديد اسم (مؤشر الجفاف متعدد المتغيرات)، وقد تم تطويره اعتمادا على بيانات تمتد لأكثر من 40 عاما، من 1981 إلى 2022، وبحسب نتائج الدراسة بعد تطبيق المؤشر، فإن الجفاف في إثيوبيا لم يزد فقط في شدته، بل أصبح أكثر تكرارا وأطول مدة خلال العقود الأخيرة، وهو ما يرتبط بشكل مباشر بتغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة.
كما أظهرت الدراسة أن موجات الجفاف في عامي 2015 و2022 كانت من بين الأشد، حيث تأثرت مناطق واسعة من البلاد، خاصة في الجنوب والشرق، مع تراجع كبير في الإنتاج الزراعي والمراعي.
وعن كيفية تفسير هذه النتائج في ظل ما هو شائع عن السقوط الغزير للأمطار في إثيوبيا، يوضح أبيبي أنه بداية "لا يمكن القول إن إثيوبيا تتمتع بأمطار غزيرة دائما، بل تعاني من تذبذب كبير في الأمطار بسبب تغير المناخ، وهذا يؤدي إلى أحداث مناخية متطرفة، وظهر ذلك في حدوث هطول مطري كثيف في أعوام، وعدم هطول في أعوام أخرى، وهذا التذبذب يسبب جفافا، هذا فضلا عن أنه في بعض السنوات قد يكون هناك أمطار طبيعية، يقابلها حرارة عالية وتبخر مرتفع، فتجف التربة رغم هطول الأمطار".
ولأن المؤشر الجديد الذي صممه الباحثون يعالج هذه النظرة المحدودة لمشكلة الجفاف، والتي تنظر لها من معيار واحد وهو الأمطار، فإن أبيبي يؤكد أن استخدام مؤشرهم في متابعة تلك المشكلة من شأنه أن يساعد في وضع إجراءات لحماية الأمن الغذائي والمزارعين.
ويقول إنه سيساعد متخذي القرار على تطوير نظام قوي للإنذار المبكر للجفاف، ما يساعد على الاستعداد لموجات الجفاف قبل وقوعها، وسيساعد على وضع استراتيجيات التكيف مع المناخ والتخفيف من آثاره، كما سيفيد في تبني مفهوم الاقتصاد الأخضر لتحقيق التنمية المستدامة وضمان الأمن الغذائي.
ويضيف أنه توجد جهود بالفعل حاليا تجريها جامعة أربا مينش لدمج هذا المؤشر ضمن أنظمة الإنذار المبكر الخاصة بإثيوبيا، كما ستسعى الجامعة إلى توسيع استخدامه عالميا من خلال شراكات وتمويل، وقد أجريت دراسة تجريبية في إثيوبيا لاختبار إمكانية تطبيقه في مناطق أخرى مثل الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
ولا ينكر أبيبي أن تطوير هذا المؤشر لم يكن بالأمر السهل، قائلا إن "الجفاف ظاهرة معقدة، وكان التحدي الرئيسي في تطوير الخوارزمية هو فهم خصائص كل متغير، واستغرقت فترة التجربة وقتا طويلا لتطبيقها عمليا، لكننا الآن أمام مؤشر متطور جدا، لأنه يستخدم بيانات الأقمار الصناعية، ويعتمد على الذكاء الاصطناعي، ويمكنه العمل في الوقت الحقيقي، وهذا يجعله أداة قوية جدا في المستقبل".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة