"ألف دينار (292 يورو) شهريا مقابل رعي قطيع الأبقار والأغنام فقط، لا يمكن أن أقبل بهذا العرض. إنه مبلغ مبالغ فيه". بهذه الكلمات أنهت نورة القاطري مكالمتها مع أحد الرعاة، قبل أن تعبّر لـ DW عربية عن استيائها ودهشتها من الارتفاع الكبير في الأسعار وصعوبة العثور على مساعدين يعاونونها في أعمالها اليومية بضيعتها.
وفي مواجهة النظرة "الذكورية" في محيطها الريفي ونقص اليد العاملة والتكلفة الباهظة، تجد نورة نفسها مضطرة للتعويل على نفسها في إتمام كل الأنشطة الزراعية داخل ضيعتها، الممتدة على مساحة هكتار ونصف في منطقة "القواطر" التابعة لمعتمدية "السرس"، في ولاية الكاف شمالي غرب تونس.
ونورة، هي من بين عدد كبير من الشابات اللاتي تخلين عن طموحاتهن الدراسية وحاولن شق الطريق الأصعب والأطول المليء بالتحديات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، للتخلص من البطالة عبر التوجه إلى الاستثمار الخاص في قطاع الزراعة وتربية المواشي، في ظل تقلص فرص العمل في القطاع العام في تونس .
فلماذا اختيار الزراعة تحديدا؟ وهل يمكن أن يقدم هذا القطاع نفسه بديلا للهجرة المكثفة للشباب والكفاءات التونسية نحو الخارج؟
مع وصول موفدة DW عربية عبر مدخل مدينة "السرس"، بدت الشوارع خاوية، فيما ندرت حركة السيارات على الطرقات، بينما كانت القليل من المتاجر المفتوحة تستقبل زبائن، أغلبهم من فئات عمرية فوق سن الأربعين.
يتكرر هذا المشهد على طول الرحلة انطلاقا من العاصمة في المناطق الريفية المشابهة لمدينة السرس، التي تتميز بالأراضي الزراعية الشاسعة وبنقص حاد في البنى التحتية في قطاعي الخدمات والصناعات.
ورغم تشغيل القطاع الزراعي لنسبة 14.2 بالمئة من العاملين في كامل البلاد، وفق تقديرات المعهد الوطني للإحصاء، إلا أنّ انعكاس ذلك على جودة الحياة وظروف المعيشة لا يزال محدودا.
تعد تلك الأسباب كفيلة بهجرة مكثفة للشباب، سواء نحو المدن الكبرى على الساحل التونسي أو إلى خارج الوطن ، هربا من بطالة مزمنة في كثير من المناطق الريفية، حيث يمكن أن تتخطى نسبتها 40 بالمئة مقابل 15.4 بالمئة على المستوى الوطني، وفق آخر تحديث رسمي، مع العلم أن ثلث العاطلين في تونس هم من حاملي الشهادات العليا.
ويقدر المرصد الوطني للهجرة أعداد المغادرين من الكوادر التونسية للبلاد سنويا بنحو 30 ألف مع رغبة قرابة خمس الشباب التونسي في الهجرة بحثا عن فرص عمل، خاصة إلى أوروبا، مما يعكس حجم الأزمة الاقتصادية وسوق العمل في تونس.
نورة واحدة من شابات تونسيات اخترن دخول عالم الزراعة وتربية المواشي كطريق شاق للخروج من البطالة، في ظل تراجع فرص العمل بالقطاع العام.صورة من: Soumaya Marzouki/DW
لكن حظ نورة القاطري كان أفضل بسبب امتلاك أسرتها لقطعة أرض وعدد محدود من رؤوس الماشية والدجاج. ورغم اضطرارها لقطع دراستها في اختصاص "التقنية" عند وفاة والدها، إلا أنها لم تواجه شبح البطالة مثل أقرانها ولم تتردد في اقتحام مجال الزراعة رغم نقص خبرتها.
لم يكن طريق نورا مفروشا بالورد في مجال يحتاج إلى الإرادة والصبر والمثابرة، بجانب صعوبات في الحصول على قروض تمويلية وعقبات بيروقراطية تعيق طموحها في تطوير مشروعها الزراعي.
وفي حديثها لـDW عربية، تسترجع نورة ذكريات تلك الفترة من حياتها: "البداية كانت صعبة للغاية، فقد فقدت جزءا كبيرا من القطيع وشعرتُ برغبة كبيرة في إنهاء كل شيء ومغادرة البلاد، لعلي أجد فرصة أفضل".
لكن في خضم كل ذلك الشك، انتفضت نورة على كل العراقيل وتيقنت أنها بحاجة ماسة لاستئناف مشروعها لكن هذه المرة بأسلوب أكثر احترافية واستدامة.
وبتشجيع من والدتها، انضمت سنة 2017 إلى "مجمع فلاحات السرس"، حيث تلقت تكوينا متخصصا في تربية الأبقار والأغنام والزراعات الكبرى، بما في ذلك تحويل الألبان. وتحصلت على آلات حرث متطورة من "المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة" (إيكاردا) وتمكنت من السفر رفقة مجموعة من الفلاحات إلى فرنسا والسنغال لتلقي تدريبا ولعرض بعض المنتوجات هناك.
لا تريد نورة التوقف عند هذا الحد؛ فهي تقضي أغلب ساعات النهار بين الاصطبلات وجمع الأعلاف والتخطيط للمشاركة في المعارض وتسويق منتجاتها بعد أن رفعت قطيعها من بقرتين إلى 16 بقرة وعشرات الأغنام. وتضيف في حديثها مع DW عربية أن "الاستمرار في النجاح يستنزف تضحيات كبيرة وإدارة محكمة للمشروع".
من بقرتين إلى 16 بقرة، توسّع نورة مشروعها بإصرار، لكنها تؤكد أن الاستمرار يتطلب تضحيات وإدارة صارمة.صورة من: Soumaya Marzouki/DWلكن في الوقت الذي تغلبت فيه نورة على البيروقراطية والعراقيل ونجحت في تطوير مشروعها عبر التعامل مع الجمعيات المالية بدل البنوك، فشلت خريجة إنجليزية الأعمال ، المزارعة الشابة سناء الحاجي في الحفاظ على مشروعها الصغير في تربية الأبقار وتسمين العجول في مدينة سليانة.
رغم البداية المشجعة تعثر المشروع لاحقا ودخلت سناء في دوامة من الديون، وقد وعبرت عن حسرتها في حديثها عن تجربتها مع DW عربية: "لم أجد وظيفة تناسب اختصاصي الدراسي فالتجأت للفلاحة وتربية الأبقار ورغم حبي لهذا القطاع لم أنجح في توفير التمويل المناسب لاستمرار المشروع وصرت اليوم في مواجهة ديون أحاول تسديدها بمداخيل بسيطة من بيع بعض الخضراوات، بعد التخلي تماما عن كامل القطيع بالبيع ".
هناك أسباب موضوعية للنجاح والتعثر. ويقول في ذلك حافظ المناعي الخبير في القطاع الزراعي والمستثمر الشاب بضعيته في منطقة وادي الليل بولاية منوبة، لـDW عربية، إن الإرادة وحدها قد لا تكفي للنجاح في القطاع الزراعي المرتبط أيضا بعوامل أخرى مثل تقلبات المناخ ومواسم الجفاف وأسعار الأعلاف، وهي أمور يجب التعامل معها بذكاء.
ويوضح المناعي أن من المهم أيضا، من أجل استدامة المشروع، أن يكون المستثمر خاضعا إلى تكوين متخصص وأن يكون التركيز على مجال واحد في القطاع الزراعي، إما الزراعة أو تربية المواشي.
لكن نورة القاطري التي تقدم نفسها كقصة نجاح ملهمة، كسرت فيما يبدو تلك القواعد ونجحت في أن تطور مشروعها وسط قريتها النائية الى أكثر من مجرد استثمار زراعي.
تدير نورة، اليوم، شركتها "المركب الثقافي الريفي نوارة" مع شقيقتها أميرة، وهي دكتورة في الإخراج المسرحي، وفتاة من القيروان، بعد فوزها بدعم مشروع "جوناس" التنموي المدعوم من منظمة العمل الدولية والممول من الاتحاد الأوروبي.
وتفسر نورة، بنبرة اعتزاز، لـDW عربية: "تدمج شركتنا بين الزراعة ، تربية المواشي والسياحة الإيكولوجية والثقافة، ونسعى من خلالها إلى تأسيس مسار سياحي داخلي يربط كامل الشمال الغربي للبلاد وتوفير عروض مسرحية لأطفال الريف".
تفسر نورة، بنبرة اعتزاز، لـDW عربية: "تدمج شركتنا بين الزراعة، تربية المواشي والسياحة الإيكولوجية والثقافة، ونسعى من خلالها إلى تأسيس مسار سياحي داخلي يربط كامل الشمال الغربي للبلاد وتوفير عروض مسرحية لأطفال الريف".صورة من: Soumaya Marzouki/DWوتشير اليوم بفخر إلى توقف الحافلات السياحية القادمة من جنوب البلاد في منطقة "السرس" خلال رحلتها إلى شمال البلاد، وتمكين زوارها من جولة في المنطقة وتذوق منتوجاتها من الأجبان والألبان والعسل.
وتراود نورة الكثير من الأفكار الطموحة من أجل استدامة المشروع، فهي تجهز بئرا عميقة وسط الضيعة لمقاومة فترات الجفاف وتجهيز مخزن للأعلاف التي تعمل على زراعتها وإنشاء بيوت مكيفة لزراعة بعض المنتجات والخضروات بشكل يضمن توفرها على امتداد مواسم السنة.
"أشجع الشباب بالتمسك بتحقيق أحلامهم رغم الصعوبات، بدل التفكير في الهجرة. الطريق طويلة جدا لكن ينبغي التسلح بالصبر والعزيمة والدفع المعنوي من المحيط العائلي"، كانت تلك آخر كلمات نورة لـDW عربية، مقدمة صورة للمرأة التي تحدت النظرة الذكورية والبيروقراطية والعراقيل المادية وأصرت على تحقيق حلمها.
تحرير: صلاح شرارة
المصدر:
DW