آخر الأخبار

فيروسات غير مشخّصة تفضح هشاشة الجسد الغزّي

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

غزة- يبدو طريق الوصول إلى المستشفى في قطاع غزة لتلقّي العلاج، موبوءا، إلى الحد الذي يجعل العابرين منه يقفزون فوق طبقات متراكمة من الطين والقاذورات والخيام البالية تعكس أسبابا كثيرة لأوجه الكارثة الصحية والبيئية، وتكشف هشاشة أجساد الغزيين اليوم.

وفوق برك من الصرف الصحي يقفز المرضى، ووجوه متعبة تُخفي أنفاسها خلف كمامات تعيد إلى الذاكرة أيام الوباء الكبير (كورونا)، وأطفال حفاة يخرجون من خيام تلاطمها الرياح على جانبي الطريق، وهم يرتدون ملابس لا تقاوم صقيع الجو ولا انتشار المرض.

هكذا تبدو مدينة غزة اليوم، كجسد مثقوب بتداعيات حرب لا تزال آثارها تتسرّب في الماء والهواء والطرقات وأجساد الناس.

فيروس خطير

في المستشفيات، يزدحم المراجعون إلى حدّ تضطر معه أن تتقدم ببطء جديد داخل ممرات مكتظة، تمتد على جانبيها أجساد منهكة تنتظر دورها.

وهنا في مستشفى الشفاء بمدينة غزة، يتقاسم مصابون من جولات القصف الأخيرة الممرات مع موجة المرضى الجدد، أولئك الذين دفعهم "فيروس غامض"، كما يقول الأطباء، إلى هذه المستشفيات المستنزفة أصلا.

ثمة ممرضة تُثبّت قناع الأكسجين على وجه امرأة تختنق بسعال حاد، وعلى السرير المقابل تُمسك أخرى ميزان الحرارة لطفلة هزيلة تفتح عينيها بصعوبة.

وحولهما، يتردد صدى السعال الجاف من كل زاوية، ورائحة الأدوية والتبخيرة تمتزج بأنفاس الناس الثقيلة، رجال ونساء وأطفال بأجساد هزيلة ووجوه شاحبة، يتناوبون الجلوس على الكراسي البلاستيكية، ينتظرون دورهم أمام منظومة صحية لم تنجُ من الحرب فحسب، بل كانت أبرز وأول ما تهشّم فيها.

مصدر الصورة البرد القارس يحصد أرواح الأطفال في قطاع غزة وكذلك الأمراض والفيروسات تنهكهم (مواقع التواصل)

اقتربت الجزيرة نت من أمل حمدان بينما كانت تجلس على كرسي وتحتضن صغارها الثلاثة، وتنتظر دورها للعبور إلى أحد أسرّة الفحص، وهي تبدو أضعف صحيا من أطفالها، وتصحبهم وهي بالكاد تقوى على الوقوف، غير أنها تتولى هذه المهمة الثقيلة وحدها دون زوجها الأسير في سجون الاحتلال الإسرائيلي.

إعلان

وتقول للجزيرة نت "يبدو الفيروس شبحا يجتاح المنزل، يردي من يصيبه واحدا تلو الآخر، لديَّ 6 أبناء، كلّهم أصيبوا، لكن الأعراض مختلفة، منهم من يبدأ بالتعافي بعد يومين، ومنهم من يحتاج أسبوعا ليقف على قدميه".

تركت أمل 3 من أبنائها الآخرين في المنزل على سرير المرض، ولم تستطع إحضارهم جميعا، فهؤلاء الثلاثة "الأضعف مناعة" كما تصفهم، وتخشى أن تتدهور حالتهم أكثر.

وتتوقع أن تكون العدوى قد اقتحمت البيت عبر أطفالها الذين يترددون على الخيام التعليمية، وتضيف بأسى "كانت تمرّ المواسم والسنوات دون أن نصاب حتى بنزلة برد، أما اليوم فلا يمرّ شهر دون أن يصاب أحدنا بنكسة أو وعكة".

عوارض صعبة

ويقول رئيس قسم الاستقبال والطوارئ في مستشفى الشفاء الدكتور معتز حرارة للجزيرة نت إن الأسبوعين الماضيين شهدا تردد ما معدله أكثر من 500 مريض إلى قسم الاستقبال والطوارئ بشكل يومي، نحو 200 منهم كانوا يعانون أمراضا تنفسية حادة، أبرز أعراضها ارتفاع في درجات الحرارة، وضيق التنفس، والإرهاق الشديد، والإسهال، والقيء المتواصل، والسعال وآلام الصدر.

ويرى الدكتور أن تفاوت شدة الأعراض بين المرضى يعود بشكل أساسي إلى درجة المناعة، فهناك من يتجاوز الأعراض خلال يومين، وهناك من يحتاج مبيتا في المستشفى خاصة لأصحاب الأمراض المزمنة، وأحيانا يضطرون لإدخال الحالات إلى العناية المشددة إذا لم يرتفع تشبّع الأكسجين في الدم مع العلاج.

ولم تتمكن وزارة الصحة من تحديد نوع الفيروسات المنتشرة على نحو واسع، لعدم توفر إمكانيات لفحصها. ويقول الدكتور معتز "هي ليست كورونا أو إنفلونزا موسمية اعتيادية، فالأعراض أشد، لكن دون توفُّر أدوات التشخيص لدينا لا يمكن الجزم بماهية الفايروس".

ويشير الدكتور إلى ظهور أمراض لم تكن شائعة بهذه الوتيرة، كـ"الليبتوسبيروز"، وهي عدوى بكتيرية تنقلها الفئران والقوارض، كانت تُسجل إصابة كل 3 أعوام، أما الآن فيسجل المستشفى حالتين أو ثلاثا كل شهرين.

كما ظهرت حالات لافتة من "الشلل الرخو الحاد"، كان يُسجل سنويا بضع حالات، لكن الشهر الماضي وحده شهد نحو 20 حالة، وهو رقم يصفه الدكتور معتز بأنه "مؤشر خطير على التدهور الصحي العام أمام المنظومة الصحية المنهكة التي لا تمتلك القدرة الكافية للتشخيص".

ويلفت إلى أن الفحوصات الأساسية كتحاليل الدم شحيحة، في حين تستوجب الأشعة المقطعية نقل المرضى إلى مستشفى آخر، حتى الأدوية الأساسية كالمضادات الحيوية والمسكّنات غير متوفرة، والبدائل المتاحة تستهلك مخزونا مخصصا لأمراض أخرى.

مصدر الصورة مجاري الصرف الصحي وتراكم النفايات فاقما الأوضاع الصحية مأساوية ونشر العدوى (الجزيرة)

أمل في العلاج

وبينما ثمن الشفاء مفقود في صيدليته التي يعمل بها منذ عقود، كان الدكتور ذو الفقار سوريجو غارقا بين المتوافدين، كلّ يحمل ألمه الخاص ووصفته العلاجية.

وإجراء المقابلة معه يتطلّب انتظارا طويلا أمام عشرات المرضى الذين لا يحتملون الوقوف داخل أروقة الصيدلية، حيث يُسمَع صفير صدر طفل يحمله أحدهم من بعيد، وفي المكان فتاةٌ يغزو وجهها طفح جلدي، وسيدة تتعكّز على ولديها وقد أكل الصفار عينيها ووجنتيها، وآخرون تتناوب عليهم أعراضٌ متباينة ويبحثون عن لحظة راحة من الألم.

إعلان

وخلال الانتظار، بدا المشهد أكثر قسوة مع الذين لا يملكون ثمن الدواء، يقول سوريجو "في أسوأ كوابيسي لم أتخيل يوما أن أقف أمام مرضى بلا دواء، واليوم حتى مع التحسن النسبي في توفّر الأدوية، لا يملك كثيرون المال لشرائها".

ومع أن المريض يُفترض أن يُشفى خلال أيام، فإن رحلة التعافي قد تمتد لأسابيع، وهو ما يُفسّره سوريجو بثلاثة عوامل:


* طبيعة الفيروس غير المحددة بعد.
* ضعف مناعة الناس بعد عامين من سوء التغذية والإرهاق الجسدي.
* الحالة النفسية المنهكة التي تؤخّر قدرة الجسم على المقاومة.

ويشير الدكتور سوريجو إلى أن النزلات المعوية ونزلات البرد تتصدّر شكاوى المرضى، بفعل المياه غير الصالحة للشرب والأغذية غير المضمونة، وظروف التخزين السيئة داخل الخيام، مما يخلق سلسلة من حالات التسمم المتكرر.

وبين عائلات تحاول حماية أبنائها من فيروس يتربّص بها، وطبيب يقف على خط الدفاع الأول في منظومة صحية متعبة، يبدو أن المرض لم يعد عارضا مؤقتا، بل امتداد آخر للحرب، يكشف هشاشة الجسد الجمعي، ويهاجم الهواء والأجساد وما تبقّى من قدرة الناس على الاحتمال.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا