ما السرّ وراء اهتمام الجميع بطول العمر ومحاربة الشيخوخة؟
(CNN) -- مع تقدم الأبحاث في مجال إطالة العمر، يجد العلماء طرقًا جديدة لاختبار فكرة كانت تعد في السابق مجرد فرضية، مفادها أن الشيخوخة نفسها قد تصبح هدفًا للعلاج الطبي.
يبحث العلماء فيما إذا كان من الممكن قياس التغيرات البيولوجية التي تحدث في أجسامنا مع التقدم في السن والتأثير فيها.
وسيتمثل الهدف بالتدخل في العمليات البيولوجية للشيخوخة قبل أن تسهم في حدوث المرض، بحيث لا يعيش الناس فترة أطول فحسب، بل يتمتعون أيضًا بعدد أكبر من السنوات بصحة جيدة، وهو ما يُعرف بـ"العمر الصحي".
قال نير بارزيلاي، مدير معهد أبحاث الشيخوخة في كلية ألبرت أينشتاين للطب بمدينة نيويورك الأمريكية، لـ CNN: "للشيخوخة بيولوجيا خاصة بها، وهذه البيولوجيا هي التي تقود إلى الأمراض".
بدلًا من انتظار ظهور أمراض مثل السكري، وأمراض القلب والأوعية الدموية، والسرطان ثم علاج كل منها على حدة، يرى بارزيلاي أن الطب قد يتمكن في المستقبل من استهداف العمليات البيولوجية المرتبطة بالشيخوخة، والتي تسهم في ظهور عدة أمراض في الوقت ذاته.
أوضح دانيال بيلسكي، الأستاذ المشارك في علم الأوبئة في كلية ميلمان للصحة العامة بجامعة كولومبيا ومركز روبرت إن. باتلر للشيخوخة التابع للجامعة، أن هذه الفرضية لم تختبر بعد على البشر.
وأضاف بيلسكي: "لا نعرف حتى الآن ما إذا كان بإمكاننا فعل ذلك بالفعل. لكن لدينا مجموعة متوافقة من الأدلة التي تشير إلى أن ذلك ممكن. كما أن هناك الآن حشدًا للموارد من أجل اختباره فعليًا".
في التجارب المخبرية، تمكن الباحثون من التلاعب ببيولوجيا الشيخوخة لدى كائنات تتراوح بين الديدان الأسطوانية والفئران.
وأشار بيلسكي إلى أن الأدوية والتمارين الرياضية وتقييد تناول السعرات الحرارية وغيرها من التدخلات يمكن أن تبطئ تراكم التغيرات الخلوية المرتبطة بالشيخوخة، ما يؤدي إلى إطالة عمر الحيوانات.
وأضاف:"بالنسبة للبشر، لا تتوفر لدينا حتى الآن أدلة من تجارب سريرية تثبت أن التدخل في هذه البيولوجيا يمكن أن يطيل العمر الصحي. لكن، نحن نرى تحولًا يمهد الطريق نحو إجراء تلك التجارب السريرية على البشر".
قراءة الجسم
يتطلع العلماء إلى ما هو أبعد من العمر الزمني، أي عدد السنوات التي عاشها الشخص، ويركزون على مؤشرات بيولوجية تعكس كيفية شيخوخة الجسم. ولا تقتصر مهمتهم على قياس الشيخوخة البيولوجية فحسب، بل تشمل أيضًا تحديد التغيرات القابلة للقياس داخل الجسم والتي قد تكشف كيفية تطور هذه العملية.
يركز أحد الأساليب على علم التخلّق أو "الإبيجينيتكس"، أي التغيرات في طريقة تنظيم الجينات من دون تغيير التسلسل الأساسي للحمض النووي.
وقال بيلسكي إنه من خلال فحص علامات كيميائية تُعرف باسم مجموعات الميثيل المرتبطة بالحمض النووي، يستطيع الباحثون "تتبّع مرور الزمن داخل جسم الإنسان".
يتضمن عمل بيلسكي أيضًا تحليل أنواع متعددة من البيانات البيولوجية. ويقوم مشروعه الذي يُسمى "العثور على المؤشرات الحيوية للشيخوخة من خلال البحث في التجارب القائمة" (FAST) بجمع ما يسميه الباحثون بيانات "متعددة الأوميكس"، أي دمج طبقات مختلفة من المعلومات المتعلقة بالجسم، بما في ذلك البروتينات، والمستقلبات، والعلامات فوق الجينية الموجودة على خلايا الدم البيضاء.
يتمثل الهدف في تحديد مؤشرات بيولوجية تستجيب لتدخلات مختلفة، ويمكن أن تساعد الباحثين مستقبلًا في قياس كيفية تأثير تلك التدخلات في بيولوجيا الشيخوخة.
لكن، قال بيلسكي إن الصلة الحاسمة بين التلاعب بهذه المؤشرات الحيوية وإطالة فترة الحياة الصحية لم تثبت بعد.
تكمن الصعوبة في أن النتائج التي يريد الباحثون قياسها قد تستغرق عقودًا حتى تظهر. وأشار بيلسكي إلى أن تجربة مصممة لاختبار ما إذا كان تدخل ما يطبّق في سن الأربعين أو الخمسين قادرًا على الوقاية من الأمراض المزمنة قد تحتاج إلى متابعة المشاركين لمدة عشرين أو ثلاثين عامًا.
لهذا، يحاول الباحثون تحديد ما إذا كان من الممكن استخدام المؤشرات الحيوية للشيخوخة في المستقبل للتنبؤ بالنتائج الصحية على المدى الطويل.
فإذا ثبت أن مؤشرًا حيويًا ما يمكنه التنبؤ بشكل موثوق بما إذا كان تدخل معين سيمنع المرض أو يطيل مدة الحياة الصحية، فقد يُستخدم باعتباره "نقطة نهاية بديلة" في التجارب السريرية، أي علامة قابلة للقياس تشير إلى احتمال تحقق نتيجة صحية مهمة لاحقًا.
تنظيم طب إطالة العمر
مع تطور هذا المجال العلمي، بدأت عيادات متخصصة في إطالة العمر بالظهور، حيث تُقدَّم للمرضى تقييمات طبية تقليدية إلى جانب مجموعة أوسع بكثير من الفحوص المصممة لتكوين صورة مفصلة عن الحالة الصحية لكل فرد.
في الولايات المتحدة، أطلقت مايو كلينك "عيادة إطالة العمر الصحي" عام 2023، كما أنشأ النظام الصحي الوطني الجامعي في سنغافورة برنامجًا مشابهًا يجمع بين التقييمات التفصيلية والتدخلات الطبية أو المرتبطة بنمط الحياة والمصممة خصيصًا لكل شخص.
لكن مع ازدياد انتشار عيادات إطالة العمر، حذّر بعض العلماء من أن هذا المجال يحتاج إلى تنظيم أفضل.
في العاصمة الإماراتية أبوظبي، منحت دائرة الصحة طب إطالة العمر مكانة رسمية ضمن نظام الرعاية الصحية.
في أكتوبر/تشرين الأول عام 2024، أطلقت إطارًا لترخيص "مراكز طب إطالة العمر الصحي"، ووصفته بأنه الأول من نوعه عالميًا، إذ أنشأ فئة سريرية محددة ووضع المعايير التي يجب على المنشآت استيفاؤها حتى تتمكن من العمل ضمن هذا المجال.
كما رخّصت "معهد الحياة الصحية في أبوظبي" باعتباره أول مركز متخصص في طب إطالة العمر الصحي في العالم يحصل على تصنيف رسمي من جهة حكومية.
ورأى آلان بوسطن، مدير العمليات في المعهد، أن فهم الشيخوخة على المستوى الخلوي قد يُحدث ثورة في الطب.
وقال: "جميع خلايا جسمك تتقدم في العمر باستمرار. في الماضي، كنا نعتقد أن ذلك مجرد مرحلة حتمية من مراحل الحياة. لكنه ليس أمرًا حتميًا. هناك أشياء يمكننا الآن البدء في القيام بها حيال ذلك. وهذا يغير مفهوم الطب بالكامل."
وأضاف: "كلما فهمنا بشكل أفضل ما يحدث على المستوى الخلوي، أصبح بإمكاننا تصميم علاجات وأدوية وعلاجات مناعية أخرى وتقنيات يمكنها تغيير هذا المسار، وإبطاءه، بل وربما عكسه".
لكن، أشار بيلسكي إلى أنه عندما يتعلق الأمر بالتأثير في بيولوجيا الشيخوخة، فهناك العديد من الخطوات التي يستطيع الناس اتخاذها من دون الحاجة إلى ابتكارات طبية متقدمة أو زيارة عيادة متخصصة.
وقال بيلسكي:"الأشياء التي نعرف أنها فعالة متاحة بشكل أو بآخر لغالبيتنا مثل النوم، والتمارين الرياضية، والعلاقات الاجتماعية، والنظام الغذائي".
وأضاف: "هذه أمور يستطيع جميعنا تقريبًا إحراز تقدم فيها. ويمكننا إضافة سنوات صحية إلى حياتنا حتى من دون هذه الأدوية الجديدة".