آخر الأخبار

من الوقود إلى العقارات.. كيف تسللت العصابات إلى الاقتصاد البرازيلي؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

لا تبدو الخطوة الأمريكية بتصنيف أكبر عصابتين برازيليتين للمخدرات، "برايميرو كوماندو دا كابيتال" و"كوماندو فيرميلهو"، منظمتين إرهابيتين مجرد إجراء أمني عابر، بل قد تترتب عنها أزمة قانونية ومالية تمس قطاعات واسعة في أكبر اقتصاد بأمريكا اللاتينية.

ففي بلد تتداخل فيه الجريمة المنظمة مع شبكات النقل والعقارات والخدمات غير الرسمية وغسل الأموال والتجارة العابرة للحدود، قد لا يقتصر أثر التصنيف على العصابتين ذاتهما، بل يمتد إلى البنوك والشركات والمستثمرين الأجانب والقطاعات المرتبطة بسلاسل إمداد أو مقاولين أو مناطق نفوذ تسيطر عليها هذه الجماعات.

اقرأ أيضا

list of 3 items
* list 1 of 3 إدراج عصابتين بالبرازيل في لائحة الإرهاب الأمريكية وبرازيليا تشكك في الدوافع
* list 2 of 3 لتجاوز الخلافات الشائكة.. دا سيلفا يلتقي ترمب في واشنطن
* list 3 of 3 تجربة البرازيل.. نمو اقتصادي مقبول وفاتورة ديون كبيرة end of list

وفي هذا السياق، حذر وزير المالية البرازيلي داريو دوريجان من أن القرار الأمريكي قد يضر الاقتصاد البرازيلي على عدة أصعدة، بينها تعريض الاستثمارات الأجنبية للخطر، مشيرا إلى أن هذا التصنيف يخلق خطرا جديدا على الاستثمار في البرازيل لم يكن قائما من قبل.

وحاولت حكومة البرازيل تفادي هذا التصنيف بسبب مخاوف من أن يمهد الطريق لفرض عقوبات على بنوك برازيلية قد تدخل في تعاملات بطريقة غير مقصودة مع أعضاء في العصابتين.

اقتصاد الجريمة

تنبع حساسية القرار من أن العصابتين لا تعملان فقط باعتبارهما شبكات تهريب مخدرات، بل لهما منظومات اقتصادية موازية تسيطر على أراض وسكان وخدمات وأسواق غير رسمية. فقد نشأت "برايميرو كوماندو دا كابيتال" و"كوماندو فيرميلهو" داخل السجون البرازيلية، قبل أن تتحولا إلى قوتين عابرتين للحدود تعملان في المخدرات والسلاح وغسل الأموال وتجارة الذهب غير القانوني وسرقة الشحنات.

وتشير تقديرات أمنية إلى أن هذه الشبكات باتت حاضرة أو مؤثرة في ما لا يقل عن 28 دولة، مستفيدة من السيطرة على ممرات لوجستية تربط مناطق إنتاج المخدرات في بوليفيا وبيرو وكولومبيا بموانئ التصدير العالمية، خاصة عبر حوض الأمازون ونهر سوليمويس.

إعلان

وبحسب دراسة للباحث حول الجريمة المنظمة في أمريكا اللاتينية هنري م. رودريغيز، توفر عائدات الأنشطة غير القانونية المقدرة بنحو 273 مليار دولار سنويا للجماعات الإجرامية موارد مالية ضخمة تمكنها من توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي داخل دول المنطقة.

وتعزز دراسة حديثة أعدتها مؤسسة "إسفيرا برازيل" بالتعاون مع المنتدى البرازيلي للأمن العام المخاوف من اتساع البصمة الاقتصادية للجريمة المنظمة داخل البلاد. فبحسب الدراسة، لم تعد العصابات الكبرى تقتصر على الأنشطة غير القانونية التقليدية، بل نجحت في التغلغل داخل قطاعات اقتصادية حيوية تشمل التعدين والعقارات وتجارة الوقود والنقل العام، وغيرها من الأنشطة القانونية التي تستخدم أحيانا لغسل الأموال أو إخفاء عائدات الجرائم.

وتقدر الدراسة أن المنظمات الإجرامية تحقق إيرادات تصل إلى نحو 335 مليار ريال برازيلي (نحو 60.4 مليار دولار) سنويا من تجارة الكوكايين وحدها، وهو ما يعادل نحو 4% من الناتج المحلي الإجمالي للبرازيل. كما رصد الباحثون ما لا يقل عن 21 نشاطا قانونيا وغير قانوني تتدفق عبرها الأموال غير المشروعة داخل البلاد وخارجها، عبر شبكات تمتد إلى دول في أمريكا الجنوبية والشمالية وأوروبا وآسيا وأفريقيا وأوقيانوسيا.

وأظهرت الدراسة وجود 72 تنظيما إجراميا في البرازيل، من بينها جماعتان عابرتان للحدود هما "برايميرو كوماندو دا كابيتال" و"كوماندو فيرميلهو". وتنتشر الأولى في 23 ولاية برازيلية مع نفوذ قوي على الحدود مع باراغواي وبوليفيا، بينما تنشط الثانية في 20 ولاية، خاصة في شمال وشمال شرق البلاد.

ويرى الخبير القانوني بييرباولو بوتيني، الذي شارك في إعداد الدراسة، أن الخطر الاقتصادي الحقيقي يكمن في توسع هذه الجماعات داخل الأنشطة القانونية، موضحا أنها لم تعد تعمل فقط في الأسواق غير القانونية، بل أصبحت تستغل قطاعات قانونية لإعادة تدوير الأموال وإخفاء عائدات الجريمة.

ويضيف أن مكافحة هذه الشبكات تتطلب تتبع مصادر التمويل ومسارات غسل الأموال، وليس الاكتفاء بالملاحقات الأمنية التقليدية.

وتشير دراسة أخرى صادرة عن المنتدى البرازيلي للأمن العام إلى أن نموذج أعمال الجريمة المنظمة في البلاد شهد تحولا كبيرا في السنوات الأخيرة. فبعدما كانت الاستثمارات في الشركات والأنشطة القانونية تستخدم أساسا لغسل أموال المخدرات، أصبحت هذه القطاعات نفسها مصدرا رئيسيا للأرباح.

ووفقا للدراسة، بلغت قيمة الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالجريمة المنظمة في أسواق الوقود والذهب والسجائر والمشروبات نحو 146.8 مليار ريال برازيلي (نحو 26.5 مليار دولار) عام 2022، مقارنة بنحو 15 مليار ريال (نحو 2.7 مليار دولار) فقط قدرتها الدراسة لتجارة الكوكايين في الفترة نفسها.

وتعد هذه الدراسة الأولى في البرازيل التي تحاول قياس أثر الجريمة المنظمة على الاقتصاد الرسمي، وتشير نتائجها إلى أن بعض الأنشطة القانونية أصبحت أكثر ربحية للعصابات من تجارة المخدرات نفسها.

وفي هذا السياق، يقول المدعي العام لينكولن غاكيا، المتخصص في مكافحة الجريمة المنظمة بولاية ساو باولو، إن عصابة "برايميرو كوماندو دا كابيتال" نجحت في التغلغل داخل ما لا يقل عن 13 قطاعا اقتصاديا، إذ تستثمر في محطات الوقود وشركات السيارات والعقارات وشركات البناء وشركات الصرافة والبنوك الرقمية وشركات التكنولوجيا المالية وصناديق الاستثمار، إضافة إلى العملات المشفرة والتعدين وشركات الحافلات وشركات إدارة النفايات وشركات المراهنات، وحتى بعض الأنشطة المرتبطة بكرة القدم.

إعلان

وأضاف أن الشركات التي تديرها العصابات لم تعد مجرد شركات واجهة كما كان الحال قبل سنوات، بل أصبحت شركات حقيقية تقدم خدمات وتحقق أرباحا داخل الاقتصاد الرسمي، وهو ما يزيد من صعوبة تتبع الأموال غير القانونية أو فصلها عن الأنشطة الاقتصادية القانونية.

وتظهر البيانات أن أكبر مصادر الإيرادات غير القانونية جاءت من:


* قطاع الوقود وزيوت التشحيم بقيمة 61.5 مليار ريال برازيلي (نحو 11.1 مليار دولار).
* تلاه قطاع المشروبات الكحولية بنحو 56.9 مليار ريال (نحو 10.3 مليارات دولار).
* ثم أنشطة استخراج وإنتاج الذهب بقيمة 18.2 مليار ريال (نحو 3.3 مليارات دولار).
* وسوق السجائر بنحو 10.3 مليارات ريال (نحو 1.9 مليار دولار). مصدر الصورة أكبر مصادر الإيرادات غير القانونية في البرازيل جاءت من قطاع الوقود وزيوت التشحيم بقيمة 11.1 مليار دولار (غيتي)

القطاع غير الرسمي

تعد ولاية ريو دي جانيرو مثالا واضحا على حجم الاقتصاد الموازي الذي يمكن أن يتأثر بأي تشدد مالي أو أمني واسع. فالولاية توفر -وفق بيانات عام 2019- نحو 5.7 ملايين وظيفة، أي ما يعادل 6% من إجمالي الوظائف في البرازيل، لكن الاقتصاد غير الرسمي فيها قد يضيف نحو 2.8 مليون وظيفة أخرى.

ويعكس ذلك اتساع حجم الاقتصاد غير الرسمي في ريو دي جانيرو، إذ يعمل جزء كبير من الأنشطة التجارية والخدمية خارج الأطر الضريبية الرسمية، وفي بعض الحالات ضمن مناطق تخضع لنفوذ العصابات أو الميليشيات.

وتشير التقديرات إلى أن نحو وظيفة من كل ثلاث وظائف في الولاية تقع ضمن الاقتصاد غير الرسمي، مقارنة بمتوسط وظيفة واحدة من كل أربع وظائف في المدن البرازيلية الأخرى.

ووفقا لتقديرات تستند إلى افتراض أن متوسط دخل العامل في الاقتصاد غير الرسمي يعادل نصف الحد الأدنى للأجور، أي نحو 706 ريالات برازيلية (نحو 114 دولارا) شهريا، فإن إجمالي الأجور المتداولة داخل هذا القطاع في ريو دي جانيرو وحدها قد يبلغ نحو 24 مليار ريال برازيلي (نحو 4 مليارات دولار) سنويا.

ويعكس هذا الرقم حجم النشاط الاقتصادي الذي يجري خارج نطاق الرقابة والتنظيم الضريبي الكامل، بما يحرم الدولة من جزء مهم من الإيرادات ويعقد جهود تتبع التدفقات المالية.

ويرى محللون في موقع "إنسايت كرايم" المتخصص في الجريمة المنظمة بأمريكا اللاتينية أن التأثير المحتمل للتصنيف الأمريكي قد يمتد إلى شركات ومؤسسات مالية لا ترتبط مباشرة بالنشاط الإجرامي، لكنها تعمل في قطاعات أو مناطق يشتبه بوجود صلات فيها مع الشبكات الإجرامية، الأمر الذي قد يرفع تكاليف الامتثال ويزيد التدقيق على المعاملات المالية والاستثمارية.

مصدر الصورة العصابات في البرازيل تستحوذ على أكثر من 25% من المشروعات العقارية في ريو دي جانيرو (غيتي)

العقارات وغسل الأموال

لا يقل قطاع العقارات حساسية عن القطاع المالي. ففي مناطق واسعة من ريو دي جانيرو، استغلت الميليشيات والعصابات ضعف الدولة وندرة الإسكان الميسر لبناء أحياء ومشروعات سكنية غير قانونية، قبل أن يجري لاحقا تقنين بعضها.

وتشير بيانات الأمانة البلدية للتنمية العمرانية والتراخيص في ريو دي جانيرو إلى تقنين أكثر من 8 آلاف مشروع تطوير عمراني بين عامي 2009 و2020.

وترى مؤسسات بحثية أن العصابات الإجرامية قد تكون مسؤولة عن أكثر من 25% من هذه المشروعات، مما يكشف انتقالا تدريجيا من نموذج الابتزاز والحماية إلى نموذج اقتصادي أكثر ربحية.

هذا التداخل، بحسب موقع "إنسايت كرايم"، يجعل العقار أحد أهم نقاط الخطر في حال تحولت العقوبات الأمريكية إلى فحص دقيق للتدفقات المالية والملكية الحقيقية والمقاولين وسلاسل الدفع، فالشركات العقارية أو شركات البناء أو الخدمات التي تعاملت مع أطراف مرتبطة بالعصابات قد تواجه تدقيقا من بنوك مراسلة أو مستثمرين أو جهات أمريكية، وهي لا تعلم أصلا بهذه الارتباطات.

إعلان

وتزداد المخاطر مع تقديرات سلطات الإيرادات الفدرالية البرازيلية التي ربطت "برايميرو كوماندو دا كابيتال" وحدها بأصول وصناديق استثمارية بنحو 52 مليار ريال برازيلي (نحو 10 مليارات دولار)، موزعة على قطاعات مثل الزراعة والبناء واللوجستيات والعقارات.

مصدر الصورة الاقتصاد البرازيلي يعتمد بدرجة كبيرة على قنوات التمويل والتجارة المقومة بالدولار (غيتي)

البنوك تحت الضغط

تكمن خطورة التصنيف الأمريكي في أن أثره لا يتوقف عند تجريم العصابتين، بل قد يفتح الباب أمام عقوبات مالية واسعة إذا اقترنت الخطوة بقواعد أمريكية لمكافحة تمويل الإرهاب، فبمجرد دخول الدولار أو النظام المالي الأمريكي في أي معاملة، تصبح الشركات والبنوك أكثر عرضة للتدقيق.

ووفق تحليل موقع "إنسايت كرايم"، فإن الاقتصاد البرازيلي يعتمد بدرجة كبيرة على قنوات التمويل والتجارة المقومة بالدولار، مما يجعل البنوك المراسلة والمؤسسات الدولية أكثر حساسية لأي شبهة ارتباط بكيانات مصنفة إرهابية.

وقد ينتج عن ذلك بطء في التحويلات وارتفاع في تكاليف الامتثال وتدقيق أشد في الملكية المستفيدة، وربما تراجع بعض البنوك الأجنبية عن التعامل مع مؤسسات برازيلية عالية المخاطر.

وتستحضر هذه المخاوف تجربة أمريكا اللاتينية السابقة، عندما تراجعت علاقات البنوك المراسلة في المنطقة بنحو 30% بين عامي 2011 و2018 بسبب موجات تقليص المخاطر.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار