في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
انتقل أثر الحرب على إيران من خرائط الميدان إلى خرائط الأسعار في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد حول العالم، ومع الحديث عن تعطل الملاحة في مضيق هرمز وتوسع التحوطات الأمنية في الممرات البحرية، عاد شبح "تضخم الحرب" ليطرق أبواب الاقتصادات الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، إذ يتحول سعر غالون البنزين إلى مؤشر سياسي لا يقل حساسية عن أي استطلاع رأي.
في هذا السياق يبرز سؤال مركزي: هل يمكن لارتفاع التضخم -لا سيما عند مضخات البنزين- أن يدفع الرئيس دونالد ترمب إلى تسريع مسار التهدئة أو وقف الحرب؟ أم أن الإدارة الأمريكية قادرة على امتصاص الصدمة عبر أدوات السوق والسياسة، ولو مؤقتا؟
يُعد مضيق هرمز "أضيق عنق" في تجارة الطاقة العالمية، وبحسب إدارة معلومات الطاقة الأمريكية مرّ من خلاله في عام 2024 نحو 20 مليون برميل يوميا من النفط، بما يعادل قرابة 20% من استهلاك سوائل النفط عالميا.
وتؤكد وكالة الطاقة الدولية أن المضيق شهد في 2025 مرور نحو 20 مليون برميل يوميا أيضا، وهو ما يقارب 25% من تجارة النفط المنقولة بحرا، مع محدودية الخيارات القادرة على تجاوز هذا "الاختناق" بحرا.
ومع اتساع نطاق الضربات والردود، تعطلت حركة الملاحة في الممر، مما زاد الأخطار والتأمين البحري وتكدس ناقلات تنتظر الإبحار.
لا يعني إغلاق هرمز أو تحويله إلى منطقة عالية المخاطر فقط ضغطا على النفط الخام، بل يمتد إلى الغاز الطبيعي المسال الذي يتم تصديره من البحر، وهو ما يجعل أوروبا وآسيا أكثر هشاشة أمام الصدمة في الشتاء والذروة الصناعية.
ويواصل الغاز الطبيعي قفزاته في الأسواق الأوروبية والآسيوية مع تصاعد التوتر. ومساء اليوم الأربعاء أعلنت شركة قطر للطاقة حالة القوة القاهرة، بعد أن أوقفت إنتاج الغاز الطبيعي المسال والمنتجات ذات الصلة.
تعيد هذه القفزات للأذهان معادلة التضخم الأوروبية التي غذّتها صدمات الغاز في السنوات الأخيرة؛ فالطاقة حين ترتفع تتحول إلى "ضريبة غير معلنة" على الصناعة والأسر، وتنتقل آثارها بسرعة إلى أسعار الغذاء والنقل والخدمات.
حتى لو تمكنت بعض الإمدادات من إيجاد مسارات بديلة لهرمز (عبر خطوط أنابيب محدودة السعة)، فإن سلاسل الإمداد لا تزال تصطدم بممرات أخرى شديدة الحساسية، وعلى رأسها مضيق باب المندب المتصل بالبحر الأحمر وقناة السويس.
وتوضح إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن باب المندب وقناة السويس وخط سوميد (بين البحر الأحمر والمتوسط شكلت في النصف الأول من 2023 مسارا لنحو 12% من تجارة النفط المنقولة بحرا وقرابة 8% من تجارة الغاز المسال عالميا.
وعندما تتجنب الشركات هذه المنطقة، تضطر السفن إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، مما يعني زيادة زمن الرحلات والتكاليف (وقود، وأجور، وتأمين، ومخاطر)، وينعكس لاحقا على تكلفة كل شيء من السلع الاستهلاكية إلى مدخلات الصناعة.
وفي الأزمة الحالية، تتحدث تقارير عن تحويل شركات شحن كبرى مساراتها وارتفاع أقساط التأمين وتكدس سفن في مناطق انتظار، مما يضيف "كلفة حرب" صريحة على فاتورة التجارة العالمية.
يقول الخبير اللوجستي وائل قدور في حديث مع الجزيرة نت إن الاضطرابات اللوجستية الناجمة عن إغلاق مضيق هرمز لم تصل بعد إلى رفوف المتاجر أو جيوب الناس، مرجحا أن تصل بمرور أسبوعين على الحرب وأن تتصاعد بطول المدة.
وأشار إلى أن الاضطرابات اللوجستية لم تصل مداها بعد، مشيرا إلى سيناريو مشاركة العديد من الأطراف لا سيما وأن استهدافات إيران طالت دول المنطقة.
الصدمة هنا ليست مجرد ارتفاع سعر سلعة؛ بل سلسلة انتقالات متعددة:
تُترجم أسعار النفط الأعلى سريعا إلى زيادات في المنتجات المكررة (البنزين والديزل ووقود الطائرات ووقود السفن)، ومعها ترتفع تكلفة النقل البري والبحري والجوي.
وحسب تقرير لصحفية وول ستريت جورنال، فإن كل زيادة بنحو 10 دولارات في سعر النفط قد تضيف قرابة 15 سنتا للغالون عند المضخة، وترفع التضخم بنحو 0.1 نقطة مئوية في الولايات المتحدة، مع تضخم أكبر إذا استمرت الأسعار مرتفعة لفترة أطول.
تتسع الدائرة إلى "التضخم المستورد" مع ارتفاع أجور الشحن ورسوم المخاطر وتأخيرات التسليم، وأشارت وكالة أسوشيتد برس إلى حالات متعددة من تعطل سلاسل الإمداد تمتد إلى الأدوية والإلكترونيات ومشتقات النفط والمواد الخام، مع تكدس السفن وانتظار ممرات آمنة.
حتى لو كانت الصدمة في البداية تتعلق بالطاقة والشحن، فإنها قد تتسرب إلى بقية السلة عبر ما يسميه الاقتصاديون "تأثيرات الجولة الثانية"، فارتفاع التكاليف يدفع الشركات لرفع الأسعار أو يقلص هوامشها، ومع الوقت قد ترتفع الأجور في بعض القطاعات لتعويض فقدان القوة الشرائية.
وأشارت ورقة بحثية صادرة عن مجلس الاحتياطي الفدرالي في 2023، بعد ارتفاع أسعار النفط والغاز جراء الحرب الروسية الأوكرانية، إلى أن انتقال أسعار النفط إلى التضخم في الاقتصادات المتقدمة ذو دلالة اقتصادية وإحصائية ويحدث مباشرة وعبر قنوات غير مباشرة.
قبل اندلاع الأزمة الأخيرة، كانت توقعات المؤسسات الأمريكية تميل إلى هدوء نسبي في أسعار الوقود في 2026، فإدارة معلومات الطاقة الأمريكية توقعت سابقا أن يتراجع متوسط سعر البنزين في 2026 إلى ما دون 3 دولارات للغالون في معظم المناطق، لكن التطورات قلبت الحسابات سريعا.
وحسب موقع أسعار الوقود التابع لجمعية السيارات الأمريكية، ارتفع متوسط سعر البنزين الوطني في الولايات المتحدة إلى 3.198 دولارات للغالون (اعتبارا من 4 مارس/آذار 2026).
وأشارت تقارير إعلامية أمريكية من بزنس إنسايدر وول ستريت جورنال من بين منصات أخرى إلى أن واحدة من أكبر القفزات اليومية منذ سنوات، مرتبطة مباشرة بتصاعد المخاطر الجيوسياسية وتوترات الإمداد.
والأهم سياسيا أن رئيس الولايات المتحدة اعترف بأن الحرب قد ترفع أسعار النفط على الأمريكيين ولو بصورة مؤقتة، في لحظة حساسة تتجه فيها الأنظار إلى الانتخابات النصفية للكونغرس، المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
وهنا تظهر "معادلة البيت الأبيض"، فارتفاع البنزين يضغط على ميزانيات الأسر فورا، وخاصة أصحاب الدخول المتوسطة والمنخفضة.
ومع انتقال التكلفة إلى النقل والسلع والخدمات، يصبح من الصعب الإبقاء على رواية "انحسار التضخم"، التي كانت تتعزز مؤخرا في البيانات الأمريكية.
تُظهر بيانات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي أن التضخم السنوي بلغ 2.4% في يناير/كانون الثاني 2026، بعدما كان 2.7% في ديسمبر/كانون الأول 2025، أي أن الاقتصاد الأمريكي كان يسير قبل الصدمة في مسار "تهدئة تضخمية" تدريجية.
لكن صدمات الطاقة تُعد تاريخيا من أسرع العوامل القادرة على إعادة إشعال التضخم، سواء عبر رفع بند الطاقة مباشرة أو عبر التأثير في توقعات المستهلكين والشركات.
يعمل الاحتياطي الفدرالي الأميركي قانونيا بالسعي إلى الحد الأقصى من التوظيف واستقرار الأسعار. وفي العادة، إذا ارتفع التضخم يرفع الفدرالي الفائدة لكبح الطلب، وإذا تباطأ الاقتصاد يخفضها لتنشيط الائتمان والإنفاق.
لكن صدمة الحرب تُربك القاعدة، فخفض الفائدة قد يخفف ضغط التباطؤ ويُنعش الطلب، لكنه قد يُبقي التضخم أعلى (أو يرفع توقعاته) إذا كانت أسعار الطاقة تتصاعد.
أما رفع الفائدة فقد يساعد في تثبيت توقعات التضخم، لكنه يزيد تكلفة الاقتراض ويضغط على الاستثمار وسوق العمل، بينما قد يبقى جزء من التضخم "مستوردا" من صدمة الطاقة والشحن، أي أنه لا يهبط بالسرعة الكافية.
لذلك يبدو خيار "التريث والتثبيت" الأكثر حضورا حاليا، وقد نقلت صحف أمريكية عن رئيس الاحتياطي الفدرالي في مينيابوليس نيل كاشكاري قوله إن الحرب قد تستدعي إبقاء الفائدة من دون تغيير، لأن الغموض بات أكبر، مع تذكير بأن صدمات جيوسياسية سابقة مثل حرب أوكرانيا أربكت مسار التضخم.
وتتوقع الأسواق بنسبة 97.3% أن يبقي الفدرالي الفائدة ضمن نطاق 3.5% إلى 3.75% في الاجتماع المقرر عقده بعد أسبوعين، وفق أداة فيد ووتش، في انتظار اتضاح أثر الصدمة.
لا تقتصر عدوى التضخم على الولايات المتحدة، فارتفاع النفط والغاز عالميا يضغط على اقتصادات تعتمد أكثر على الاستيراد، خصوصا في أوروبا.
وفي منطقة اليورو، جاءت بيانات فبراير/شباط 2026، لتُظهر ارتفاع التضخم إلى 1.9% مع بقاء التضخم الأساسي أعلى، وسط تحذيرات من أن استمرار اضطراب الطاقة قد يرفع التضخم ويضغط على الناتج.
أما في بريطانيا فترى مؤسسات بحثية أن صدمة الطاقة الجديدة قد تمحو تحسنات متوقعة في مستويات المعيشة إذا استمرت الأسعار بالصعود، حتى لو كانت أقل حدة من صدمة أوكرانيا.
حين اندلعت الحرب الروسية الأوكرانية في بدايات 2022، قفزت أسعار الطاقة والغذاء والشحن، ودخلت اقتصادات دول عدة عبر العالم موجة تضخم هي الأعلى منذ عقود، وذكر صندوق النقد الدولي أن تلك الحرب كانت أحد العوامل التي غذّت أزمة كلفة المعيشة ورفعت التضخم وتسببت بتباطؤ النمو عالميا.
ووثّق الاحتياطي الفدرالي -في مراجعة بحثية- أن موجة التضخم العالمية غذاها عاملان كبيران هما جائحة كورونا (كوفيد-19) ثم حرب أوكرانيا، وما رافقهما من صدمات في سلاسل الإمداد والسلع.
وفي أوروبا يذهب تحليل للبنك المركزي الأوروبي إلى أن الحرب الروسية الأوكرانية شكّلت "صدمة إضافية مميزة"، أسهمت في معظم الارتفاع الاستثنائي للتضخم في 2022، خاصة في أوروبا.
وحتى مع تراجع التضخم لاحقا، ما تزال سياسات الفائدة في الاقتصادات الكبرى تتعامل بحذر مع إرث هذه الصدمة، فخفض الفائدة يجري ببطء وتحت شرط "عدم عودة التضخم" من جديد، وهو ما يجعل صدمة حرب إيران الحالية أكثر خطورة على خطط التيسير النقدي.
من الناحية العملية لدى الإدارة الأمريكية أدوات لمحاولة تهدئة السوق، وتشمل هذه الأدوات حسب موقع أكسيوس رسائل طمأنة، وتنسيقا مع المنتجين وتسهيلات لوجستية، وربما السحب من الاحتياطي الإستراتيجي أو تحفيز الإمدادات، لكن تقارير أشارت إلى أن إدارة ترامب لا تخطط لاستخدام فوري للاحتياطي الإستراتيجي، رغم الاستعداد لإجراءات "تخفيف" أخرى.
ومهما كانت الإجراءات فإن أسعار النفط عالمية حتى لو كانت أمريكا منتجا كبيرا؛ فالاضطراب في الخليج يرفع سعر البرميل عالميا، ومن ثم ينعكس على السوق الأمريكية.
في المجمل ومن خلال الأزمات السابقة، لا تبقى صدمات الطاقة في خانة الأرقام الاقتصادية، بل تتحول إلى عامل سياسي يضغط على الحكومات، خصوصا في الولايات المتحدة، عبر بوابة البنزين والتضخم.
وفي لحظة كان فيها التضخم الأمريكي يتباطأ (2.4% سنويا في يناير/كانون الثاني 2026)، تأتي صدمة الحرب لتختبر قدرة الإدارة والفدرالي على إبقاء الأسعار تحت السيطرة، والاستنتاج المؤكد هو أن ارتفاع التضخم يرفع كلفة استمرار الحرب، وقد يكون من بين عوامل البحث عن تهدئة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة