آخر الأخبار

هكذا ينظر الخليج لحسابات إيران الخاطئة

شارك

في خضم التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، يتجدد السؤال حول جدوى الدبلوماسية عندما تواجه عقليات لا تزال أسيرة منطق الصراع الدائم.

فبينما سعت دول الخليج خلال السنوات الأخيرة إلى ترسيخ مناخ من التهدئة والاستقرار، جاءت بعض السلوكيات الإيرانية الأخيرة لتعيد المشهد إلى مربع التوتر، وتثير تساؤلات جدية حول حسابات طهران الإستراتيجية.

منذ التصعيد العسكري الذي شهدته المنطقة قبل أشهر، تبنت المملكة العربية السعودية نهجا سياديا واضحا يقوم على تحييد أراضيها وأجوائها ومياهها الإقليمية عن أي صراع إقليمي، وعدم السماح بتحويلها إلى ساحة مواجهة أو منصة لعمليات عسكرية.

هذا الموقف لم يكن مجرد إعلان سياسي، بل ترجمة لسياسة أوسع تسعى إلى حماية أمن المنطقة ومنع اتساع دائرة الحرب.

وفي الوقت ذاته، لم يقتصر الدور السعودي على تحييد الجغرافيا الوطنية، بل امتد إلى جهود دبلوماسية نشطة هدفت إلى خفض التصعيد وفتح قنوات الحوار بين القوى المتصارعة.

وقد لعبت الرياض، بالتنسيق مع عدد من العواصم الخليجية، دورا مهما في الدفع نحو مسارات التفاوض التي شهدتها المنطقة في الأشهر الماضية، بدعم واضح من دول شقيقة مثل قطر، وسلطنة عُمان، إضافة إلى مساهمات إقليمية أخرى هدفت إلى إبقاء باب الحلول السياسية مفتوحا.

غير أن هذه الجهود الدبلوماسية اصطدمت بتطورات مقلقة، تمثلت في استهداف دول خليجية بهجمات صاروخية أو عبر وكلاء إقليميين، الأمر الذي أعاد طرح تساؤلات حول مدى التزام إيران بروح التفاهمات التي رعتها الصين في اتفاق بكين عام 2023، والذي نص على إعادة العلاقات السعودية-الإيرانية وفتح صفحة جديدة تقوم على احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

إن ما جرى يثير شعورا عميقا بالاستغراب، خصوصا أن عددا من الدول التي استُهدفت كانت منخرطة في جهود الوساطة أو التهدئة، مثل سلطنة عمان التي لعبت- تاريخيا- دورا محوريا في تقريب وجهات النظر بين طهران وواشنطن. فبدلا من البناء على هذه الجهود، بدا أن بعض دوائر القرار في إيران اختارت مسارا مختلفا يعيد إنتاج التوتر بدل احتوائه.

إعلان

هذا السلوك ليس معزولا عن سياق أوسع من السياسات الإقليمية الإيرانية الممتدة منذ عقود، والتي قامت في كثير من الأحيان على توظيف الشبكات المسلحة والوكلاء المحليين في بؤر الأزمات، كما في لبنان، وسوريا، واليمن.

غير أن اللافت في المرحلة الراهنة ليس جوهر هذه السياسة بقدر ما هو توقيتها؛ فإيران تمر بمرحلة ضغوط اقتصادية وسياسية كبيرة، ما يجعل من التصعيد مع محيطها الإقليمي خيارا مكلفا وغير مفهوم من زاوية الحسابات الواقعية.

الأمر الأكثر إثارة للتأمل هو أن التصعيد غالبا ما يستهدف الجوار العربي المباشر، رغم وجود قواعد عسكرية أجنبية، أو نقاط توتر أخرى في محيط جغرافي أوسع.

هذا الاختيار يعمق الشكوك حول طبيعة المقاربة الإيرانية لأمن المنطقة، ويعزز الانطباع بأن طهران ما زالت تنظر إلى المجال العربي بوصفه ساحة نفوذ أو ضغط.

في الداخل الإيراني أيضا تبدو ملامح ارتباك في بنية القرار. فالتوازن التقليدي بين المؤسسات السياسية والعسكرية داخل النظام الإيراني يتعرض لاختبارات متكررة، ويزداد نفوذ المؤسسة العسكرية، ولا سيما الحرس الثوري، في صياغة السياسات الإقليمية.

وعندما يطغى المنطق العسكري العقائدي على الحسابات السياسية، يصبح خطر المغامرة أكبر، وتزداد احتمالات اتخاذ قرارات لا تراعي العواقب الإستراتيجية.

إن استهداف منشآت الطاقة في الخليج أو التلويح بإغلاق مضيق هرمز لا يمثل مجرد تهديد لدول المنطقة، بل يضرب أيضا المصالح الحيوية لإيران نفسها. فالمضيق يشكل الشريان الرئيسي لتصدير النفط الإيراني، وأي تعطيل واسع لحركة الطاقة العالمية سيعود بأضرار مباشرة على الاقتصاد الإيراني قبل غيره.

لهذا يبدو أن المنطقة تقف اليوم أمام مفترق طرق حقيقي. فإما أن تعيد طهران قراءة المشهد الإقليمي بعين أكثر واقعية، وتستثمر فرص التهدئة التي لا تزال قائمة، أو أن تستمر بعض دوائرها المتشددة في دفعها نحو مسار تصعيدي قد يتحول، مع مرور الوقت، إلى ما يمكن وصفه بـ "الانتحار الجيوسياسي".

إن أمن الخليج واستقرار الشرق الأوسط لا يمكن أن يتحققا عبر منطق المغامرة أو تصدير الأزمات، بل عبر بناء منظومة إقليمية تقوم على احترام السيادة والتعاون الاقتصادي والأمني.

وفي عالم يزداد اضطرابا، لم يعد أمام دول المنطقة ترف الصراعات المفتوحة بقدر ما تحتاج إلى شجاعة سياسية تفتح الباب لمستقبل أكثر استقرارا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا